
ابتسمتُ ابتسامة هادئة، ابتسامة امرأة أخذت حقها بالتمام والكمال من الحياة والدنيا، وقلتُ لها بنبرة حاسمة كالسيف: “عقاب؟ اللي بعيشه أحمد ده مش عقاب.. ده مجرد كشف حساب بسيط عن السنين اللي عشتها تحت رجليكم خدامة ببلاش! أنتِ اللي قعدتي تفرّجيه على الصور وتضحكي، وأنتِ اللي قبضتي الفلوس كاش وبعتي أمك لما احتاجت مساعدة، ودلوقتي جاية تتباكي عليه؟”
أردفتُ وأنا أفتح باب سيارتي بثقة: “أحمد اختار طريقه يوم ما قرر ينهب قوت عياله ويطلع على جثتي عشان يتجوز وينبسط.. والقانون أخاف حقي وحق عيالي. أما حياته ومصيره، فده أمر بينه وبين ربنا، وأنا مش هتنازل عن حق أولادي في القانون لو فضلت أخر لحظة في عمري. اذهبي واعتني بأخوكي، لأن الشقة اللي كانت ملكه لوحدها بقت سراب، والقرف اللي كان بيرميه عليا بقا عايش فيه لوحده!”
أغلقتُ باب السيارة، وتحركتُ بها بخطوات واثقة، تاركة إياها تبكي وتتحسر في الشارع.
كانت الأنباء تصلني تباعاً بعد ذلك؛ أحمد أصبح يعيش على مساعدات بسيطة من بعض أهل الخير، يحاول البحث عن أي عمل يومي بسيط ليقتات منه ويسدد إيجار غرفته المظلمة، مطارداً بكوابيس الخديعة والندم، ويرى كل يوم كيف أن كل ما بناه بالظلم قد انهار كبيت العنكبوت.
أما أنا، فقد أخذتُ طفليّ وأمي في جولة لاختيار أثاث شقتنا الجديدة، أعيش بينهم برأس مرفوعة، وأعلم أن صفحة الظلم قد طُوّيت إلى الأبد، وأن الفصل القادم سيكتمل بالاستقرار الكامل والنجاح الممتد، بعيداً عن أشباح الماضي الجاحد.
انقضت الأيام والتهمت معها ما تبقى من أوهام أحمد، ليجد نفسه غارقاً في بحرٍ متلاطم من العوز والضياع. الغرفة الصغيرة المغبرة التي استأجرها في أطراف الحي الشعبي، أصبحت سجنه الفعلي قبل أن تنفذ فيه أحكام الحبس. لم يكن فيها سوى فراش متهالك على الأرض، وإبريق ماء، وصوت ذكريات قاسية يتردد في أركانها ليلاً ونهاراً.
الرجل الذي كان يقرف من أكل يدي ومن رائحة المنظفات، أصبحت يداه تخلوان حتى من ثمن الرغيف الحاف. كان يخرج في ساعات الفجر الأولى يبحث عن أي عمل يومي شاق في الأسواق أو ورش البناء، يعمل حمالاً أو ينظف المحلات التجارية مقابل مبالغ زهيدة لا تكاد تسد رمقه وتدفع إيجار غرفته المظلمة. كانت نوبات السعال والإرهاق تنهك جسده النحيل، وكلما مرّ أمام شاشة تلفاز في مقهى شعبي ورأى إعلاناً عن قاعة أفراح أو زفاف فخم، كانت تعصره غصة قاتلة، ويتذكر بدلته الفاخرة وابتسامته العريضة التي بناها على حطام صحتي وقوت أطفالي.
في هذه الأثناء، كان قطار حياتي يواصل مسيره بثقة وثبات في الاتجاه المعاكس تماماً.
تسلمتُ مفاتيح شقتي الجديدة، شقة واسعة تشرق فيها الشمس من كل جانب، اخترتُ أثاثها المودرن الراقي بنفسي، ووضعت في كل ركن منها لمسة من الذوق والدفء. لم تكن مجرد جدران، بل كانت رمزاً لانتصاري وكرامتي التي استرددتها من بين أنياب الظلم. أطفالي كبروا وأصبحوا يشاركوني ترتيب الغرف وزراعة الورود في الشرفة، ووالدتي تجلس بيننا تدعو لي بالرضا والبركة، بعد أن غسلت دموع الماضي ونست أيام القهر.
في عملي بالمركز الطبي، حققت نجاحات متتالية، وأصبحتُ أُدعى للمشاركة في تنظيم المؤتمرات الطبية، وزاد احترامي وتقديري بين زملائي وإدارة المكان. أصبحتُ امرأة متصالحة مع نفسها، أقوى من كل المحن، وأكثر إيماناً بأن العدل الإلهي قد يمهل ولكنه لا يهمل أبداً.
في أحد أيام الخريف، تلقت المحكمة البلاغ النهائي لتنفيذ أحكام الحبس الصادرة ضد أحمد في القضايا المتبقية التي لم يستطع سدادها بعد بيع الشقة والسيارة. ألقت الشرطة القبض عليه في إحدى الورش التي كان يعمل بها، واُقتيد مكبلاً بالحديد ليمضي عقوبة الحبس في السجن المركزي.
عندما علم إخوته ببرمجة محبسه وتنفيذ الأحكام ضد، سارعوا بنفض أيديهم منه كلياً. أخته، التي كانت ترقص وتزغرد في فرحه، خشيت أن يطلب منها زوجها الطلاق إن هي حاولت مساعدته أو زيارته، فامتنعت عن الذهاب إليه وقَطعت أخبارها عنه تماماً. أما باقي إخوته، فقد انشغلوا بأموال الورث التي قبضلوها كاش، واعتبروا أن أحمد أصبح وصمة عار في حياتهم لا بد من مسحها.
في صباح يوم ربيعي مشرق، وردني اتصال من محاميّ يخبرني أن أحمد طلب من إدارة السجن التوسل إليّ لزياراته لمرة واحدة وأخيرة قبل صدور الحكم النهائي في دعوى الطلاق للضرر، مؤكداً أنه يريد أن يوقع على جميع الأوراق الرسمية دون اعتراض، شريطة أن يمتد له أن ينظر إليّ ويلتمس مني العفو.
رفضتُ في بداية الأمر، لكن المحامي نصحني بالحضور لتسوية كافة الأوراق وإغلاق الملفات القانونية نهائياً ودون رجعة.
ذهبتُ إلى السجن برفقة أخي ومحاميّ. كنتُ أرتدي فستاناً أنيقاً وقوراً، وأحمل في نظراتي هدوء الواثق وثبات المحق. أُدخلتُ إلى غرفة الزيارة المغلقة، وقجلستُ خلف حاجز زجاجي في انتظار دخوله.
بعد دقائق، فُتح الباب الحديدي، ودخل أحمد يجر سلاسله.




