روايات وقصص

أم جوزي بعتتلي رسالة على الخاص:2

الأيام الثلاثة الأولى في قصر أبي مرّت وكأنها حلم بعيد عن واقع الحياة التي كنت أعيشها. لم تكن مجرد جدران واسعة أو أثاث فاخر، بل كانت سكينة حقيقية تغمر روحي المتعبة. الرضاعة أصبحت أسهل في ظل الرعاية الكاملة، وطفلتي كانت تنام بسلام تام وكأنها تشعر بأنها في الملاذ الآمن. أبي لم يكن يتدخل في تفاصيل قراري، لكن وجوده الصامت ودعمه المطلق كانا بمثابة السند الذي أعاد ترتيب روحي المكسورة.

في المقابل، كان العالم الآخر يشتعل ببطء.
عرفت لاحقاً من بعض المعارف المشتركين ومن الحارس القديم الذي كان ينقل الأخبار بحذر لأبي، أن البيت الذي تركته تحول إلى ساحة معركة مصغرة. أم جوزي لم تساطح الأمر؛ فبمجرد أن أدركت عائلة “العز العرب” ورأستها الكبيرة، تبخر ذلك الغرور المعتاد وتحول إلى رعب حقيقي. العائلة التي كانت تعتبر نفسها مركز الكون في محيطهم الضيق، أدركت فجأة أنها اصطدمت بأسوار جبل لا يمكن تحريكه.
جوزي حاول الحضور بنفسه في اليوم الرابع.
كنت جالسة في الشرفة الواسعة المطلة على الحديقة، أحتسي كوباً دافئاً من الحليب وأتأمل أشجار النخيل العتيقة، عندما دخل أبي بهدوء ووقف بجانبي، ووضع يده على كتفي بحنان وقال:
“زوجك تحت يا بنتي.. واقف قدام البوابة الكبيرة من ساعتين. رافض يمشي، والبوليس الخاص بالقصر اتصل بيا يستأذنني أطرده.. بس سألتك الأول: تحبي تشوفيه، ولا أخليهم ينهوا الموضوع بهدوء؟”
نظرت إلى أسورة المستشفى التي ما زالت محيطة بمعصمي، ثم نظرت إلى طفلتي النائمة بهدوء في سريرها. شعرت أن الهروب لن يكون حلاً نهائياً، وأن مواجهة الحقيقة والأنظار المنكسرة هي الطريقة الوحيدة لغلق هذا الباب للأبد.
قلت بصوت ثابت:
“خليه يدخل يا بابا.. بس يدخل لوحده، ويطلع من الباب زي ما دخل، من غير أي دراما.”
هز أبي رأسه باحترام لقراري، وأعطى إشارته للحراس.
بعد عشر دقائق، فتح باب الصالة الكبيرة ودخل جوزي.
كان المنظر يروي وحده حكاية انهيار كامل. الجاكيت الكحلي الذي كان يرتديه ليلة العشاء كان منكمشاً، وجهه شاحب، وعيناه حمراوان من السهر والتفكير المستمر. لم يكن ذلك الرجل المغرور الذي يترك زوجته التي وضعت طفلتها قبل أيام ليذهب إلى عشاء عائلي لا يوجد له فيه مكان.
وقف في منتصف الصالون الواسع، ورمى بصره نحوي. بدا صغيراً جداً وسط اتساع المكان.
“هنا… عايشة هنا كل ده؟” قالها بصوت منكسر، وكأنه يرى القصر للمرة الأولى رغم أنه مرّ من أمامه من قبل لكنه لم يكن يتخيل يوماً أن بابه سيفتح لي.
“كنت عايشة هنا.. وهارجع اعيش هنا يا فلان” رددت بهدوء وأنا أقف من مكاني، حاملة طفلتي بين يدي بحذر وثبات.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى