
اقترب بخطوات مترددة، وكأنه خائف أن تبتلعه الأرض:
“أنا آسف… والله العظيم أنا آسف. أمي سافرت امبارح زي ما كانت مقررة، وأختي… أختي ملهاش دعوة بلي حصل. أنا اللي كنت غبي.. كنت أعمى. تعالي ارجعي البيت، البيت من غيرك ولا حاجة، و… والبيبي مكانها مش هنا، مكانها في أوضتها اللي جهزناها.”
قطع كلامه بسخرية هادئة خرجت من أعماقي:
“أوضتها؟ تقصد الأوضة اللي متكلفة في بيتك اللي مكنش محسوب حسابها فين؟ ولا تقصد الترابيزة اللي متسابة بسبعة كراسي بس؟”
سكت تماماً، وكأن الكلمات صفعت وجهه بقوة. تراجع خطوة للوراء، وابتلع ريقه بصعوبة بالغة.
“أنا طلبت الطلاق يا فلان.”
خرجت الجملة مني هادئة، باردة، وكأنني أتحدث عن الطقس، لكن وقعها عليه كان كالصاعقة.
فتح عطفيه بدهشة وذعر:
“طلاق؟! عشان… عشان أكلنا بره ليلة واحدة؟ عشان عشاء عائلي؟ انتي بتخربي بيتنا عشان تافهات زي دي؟”
في تلك اللحظة بالضبط، فتح باب المكتب ودخل أبي. لم يكن يرتدي بدلة رسمية، بل ملابس منزلية أنيقة، لكن نظراته وحدها كانت كفيلة بإسكات أي شخص في الغرفة. وقف بجانبي، ووضع يده في جيبه، ونظر إلى جوزي بنظرة أطاحت ببقايا كبريائه الوهمي.
“التافهات بالنسبة لك يا بني هي كرامة بنتي وبتها” قال أبي بصوت عمق الأرض وهدوء العاصفة. “أنت مفكر إنك متزوج بنت شخص عادي ملهاش ظهر؟ ولا مفكر إنك لما تسيطر عليها وتهمشها في كل مناسبة، هتقبل تفضل سجينة في بيتك عشان عيون أمك وأختك؟”
حاول جوزي أن يرفع صوته أو يبرر:
“يا فندم.. دي مسائل أسرية بيني وبين مراتي، وحضرتك المفروض…”
قاطعه أبي برفعة يد بسيطة، وصوت حاسم:
“مسائل أسرية انتهت يوم ما بعتّ مرتك بالشنطة في عربيتها وهي لسه خارجة من المستشفى بطفلة عمرها 6 أيام عشان تفضى لكم السفرة. والأوراق القانونية هتجيلك بكرة الصبح، والطلاق هيتم بهدوء، ولو حسيت إنك هتحاول تساوم على حضانة البنت أو حقوقها… هخليك تشوف العصر الحديث لشركات العز العرب نازل فوق دماغك كله.”
التفتّ إلى جوزي الذي كان يرتجف تماماً، ووجنتاه تمتلئان بالدموع التي لم يكن يتخيل يوماً أنه سيذرفها.
“خد مفتاح بيتك اللي هناك” قلتها وأنا أضع المفتاح النحاس الصغير ومفتاح السيارة على الطاولة القريبة منه. “مش عايزة منك حاجة.. لا عربية، ولا عشاء عائلي، ولا حتى اعتذار، لأن الاعتذار اللي بيجي بعد ما تفقد كل حاجة ملوش أي معنى.”
وقف طويلاً، ينظر إليّ، ثم إلى أبي، ثم إلى طفلتي النائمة بسلام بين يدي. أدرك تماماً أن كل محاولات الإصلاح باتت مستحيلة، وأن السور الذي بناه حول نفسه وعائلته قد انهار تماماً ولم يترك خلفه سوى الرماد.
استدار ببطء، وخطا خطواته الثقيلة نحو الخارج، ويدي الحارس ترافقه حتى بوابة القصر الكبيرة.
بعد أن أغلق الباب، تنفستُ الصعداء بعمق شديد. شعرت أن الهواء يدخل إلى رئتي لأول مرة بنقاء حقيقي.
اقترب مني أبي، ابتسم بحنان بالغ، وطبطب على كتفي:
“كبرتي يا بنتي.. وبقيتي أم عظيمة. واللي جاي كله لينا.”
التفت نحو طفلتي، وهمست في أذنها الصغيرة:
“إحنا بقينا في أمان يا حبيبتي.. والقصة دي، مستحيل تتكرر تاني أبداً.”
مرت الأشهُر الأولى بعد ذلك اللقاء كأنها سنين، وفي نفس الوقت كأنها لحظات عبور سريعة نحو حياة جديدة تماماً. طفلتي الصغيرة بدأت تكبر، تفتح عينيها بفضول على العالم الواسع، وتملأ أرجاء القصر بصوت ضحكاتها البريئة التي كانت تطرد أي بقايا لذكرى حزينة.
أبي لم يكن مجرد أب أعادني إلى بيته، بل كان السند الحقيقي الذي أعاد تشكيل حياتي من جديد. وفر لي كل سبل الراحة، وبدأنا معاً إجراءات الطلاق الرسمية عبر محامين كبار يتبعون مجموعة شركات “العز العرب”. في البداية، حاول طليقي وعائلته المراوغة، وتقديم التنازلات الواهية، بل وإرسال رسائل استعطاف لا تنتهي يميناً ويساراً، لكن صرامة أبي ووقوف القضاء بجانب الحق القانوني والشرعي حسم كل شيء سريعاً. لم يستطع جوزي فعل شيء سوى التوقيع على أوراق الطلاق النهائية، متنازلاً عن أي حقوق وهمية، ليخرج من حياتنا تماماً كما دخلها: عابراً بلا أي أثر حقيقي سوى طفلة صغرى باتت تحمل اسمي واسم عائلتي في أوراقها الجديدة.
لكن الحياة لا تتوقف عند حدود النهاية المؤلمة؛ فكل نهاية كانت بداية لصفحة أبيض وأنقى.
في أحد أيام الربيع الدافئة، كنت جالسة في الحديقة الخلفية للقصر، أراقب طفلتي وهي تحاول الحبو على العشب الأخضر الناعم، بينما كان أبي جالسًا بقربي يقرأ بعض الملفات الهامة، وفجأة رفع رأسه وابتسم لي قائلاً:
“يا بنتي.. الحياة مش هتقف عند شخص مكنش مقدر قيمة النعمة اللي في إيده. ومنتجعات شركتنا في الساحل الشمالي والعاصمة محتاجة حد يديرها ويكون واجهة قوية ليها، وأنا عارف إن شهادتك وخبرتك القديمة قبل الجواز مكنوش ليهم لازمة عند جوزك السابق، بس هنا… مكانك الحقيقي مستنيكِ.”
نظرت إلى أبي بدهشة وامتنان. طوال فترة زواجی، كنت قد نسيت تماماً من أكون، ونسيت شهادتي الجامعية وطموحاتي، وتحولت إلى مجرد شبح ضيف في حياة رجل لا يرى سوى أهله ومجتمعه المزيف.
قلت بحماس لمع في عيني:
“مستعدة يا بابا.. مستعدة أبدأ من جديد، عشان بنتي، وعشاني أنا كمان.”
بدأت بالفعل العمل في إحدى شركات العز العرب. في البداية كانت الأمور صعبة وتحتاج إلى مجهود مضاعف لأوازن بين كوني أمًا جديدة لرضيعة وبين الإدارة والمتابعة، لكن الدعم الهائل من أبي، وجود النظرات الفخورة في عينيه كل صباح، وإصراري الداخلي على إثبات ذاتي، جعلوني أتحول خلال شهور قليلة إلى واحدة من أهم المديرات التنفيذيات في قطاع الاستثمار العقاري.
وخلال تلك الفترة، انقطعت أخباره تماماً، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي عُقد فيه اجتماع مهم في أحد الفنادق الكبرى بالعاصمة لإطلاق مشروع جديد لشركتنا.
كنت أرتدي بدلة رسمية أنيقة بلون رمادي داكن، وشعري منسدلاً بثقة على كتفي، وأقف على منصة العرض أشرح تفاصيل المشروع الجديد أمام مئات المستثمرين ورجال الأعمال. كانت القاعة تمتلئ بالتصفيق الحاد والاحترام المتبادل.
وبينما كنت أنزل من على المنصة لأستقبل بعض المستثمرين الكبار، وقعت عيني فجأة على وجه مألوف يقف في الصفوف الخلفية للقاعة.
كان هو… طليقي.
لم يكن يرتدي الجاكيت الكحلي الأنيق الذي كان يتباهى به يوم العشاء الشهير، بل بدا منطفئاً، تظهر على وجهه علامات الإرهاق والكسر، وكان يقف بجانب أحد رجال الأعمال الصغار بصفته موظفاً بسيطاً أو وسيطاً لا قيمة له في هذا التجمع الضخم.
عندما التقت عيوننا، تجمد في مكانه.
رأى كيف تحولت المرأة التي تركها يومًا لتذهب أمها وأخته إلى عشاء لا تخصه فيه، إلى سيدة أعمال بارزة تدير إمبراطورية اقتصادية كبرى، بينما هو يصارع ليحصل على فرصة عمل بالكاد تسد رمقه بعد أن هجره الجميع وتبخر غرور أمه وعائلته أمام أول اختبار حقيقي للحياة.
حاول أن يخطو خطوة نحوي، كأنه يريد أن يقول شيئاً، أو ربما يعتذر بطريقة تليق بحجم الانكسار الذي يعيشه.
لكنني لم أعطه حتى فرصة للوصول إليّ.
أدرت وجهي عنه بكل ثقة، وابتسمت للمستثمرين الذين كانوا يحيطون بي، وتابعت طريقي بخطوات ثابتة نحو قمة النجاح.
في تلك اللحظة، أدركت جيداً معنى رسالة أمه القديمة بطريقة مختلفة تماماً:
“هو يستاهل ليلة هادية بعيد عنك”…
نعم، هو يستاهل كل ليلة هادية يقضيها وحيداً، بينما أنا وطفلتي نعيش في النور الحقيقي، حيث الكرسي ليس مسروقاً، والمكان كله ملك لنا وحدنا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




