
جدتي
أنفاسي اتجمعت في حلقي وما قدرتش أطلع صرخة واحدة. السلسلة الذهبية كانت بتاكل في كف إيدي زي الجمرة المشتعلة. معتز خطى خطوة جوه الأوضة، وداس برجليه على السيراميك المعجون بالجص والإسمنت، الصوت كان خفيف بس يرعب، زي تقشير العظام.
وقف قصادي تماماً، كان يظهر أطول من العادة، وخياله على الحيطة كان مغطي الأوضة كلها. وطى بجسمه بالراحة لحد ما بقى في مستوى وشي، وعينيه مثبتة في عيني بنظرة خالية من أي إنسانية، بصة جماد مش بني آدم.
مسك معصم إيدي اللي فيها السلسلة، وضغط عليه ببطء وقوة، حط صباعه التاني على شفايفي وقال بصوت همس: “شسسس.. متصرخيش. الصريخ هيخلي البواب وأهلك ييجوا، وساعتها الشقة دي هتاخد اتنين بدل واحدة. أنتِ عايزة كده يا هدى؟”
حزت دماغي بـ “لا” بسرعة جنونية وأنا بدمع، جسمي كله كان بيترعش تحت إيده. كمل كلامه وهو بينزع السلسلة من قبضة إيدي صباع صباع، وأول ما أخدها، حطها في جيبه وبص للأرضية المكسورة وقال:
“رانيا دي كانت خطيبتي من سنتين. كانت زيك كده.. حلوة، وبتسأل كتير، وما بتسيبش حاجة في حالها. قالتلي البلاط ده مش عاجبني، وقعدت تدور وتفتش لحد ما عرفت اللي ما كانش ينفع تعرفه. وعشان هي كانت فضولية زيادة عن اللزوم.. اضطريت أخليها تفضل هنا، في الشقة دي، على طول.. عشان ما تخرجش تقول لحد.”
الكلمات كانت بتنزل على قلبي زي السكاكين. معتز ما كانش مجرد عريس خبيث، معتز كان قاتل ومريض، والبيت اللي دخلته برجلي ما كانش سكن، كان فخ!
كمّل وهو بيسحبني من إيدي بقوة ويقومني من على الأرض: “تيته غالية بقى.. الست البركة دي، هي الوحيدة اللي حسّت بوجود رانيا أول ما قربت من العتبة. أصل رانيا مكانتش سهلة يا هدى، ودمها لسه معلم تحت السيراميك اللي أنتِ واقفه عليه ده.”
زقني بره الأوضة، وقفل الباب بالمفتاح ورجع حطه في جيبه. دخلني أوضة النوم وقفل الباب علينا بالمفتاح من جوه، ورمى المفتاح في جيب بيجامته. قعد على الكرسي قبال، ومسك تلفوني من على الكومودينو وطفاه تماماً وحطه جنبه.
قال بنبرة باردة كأن بيحكي حدث يومي عادي: “قدامنا لحد الصبح. الصبح هنلم هدومك، وهتقولي لأهلك إنك مش مرتاحة ومعايشانا مش نفعاني، وهنتطلق بالهدوء. لو لمحتي بأي كلمة.. لو فكرتي تصدقي كلام الجديمة وتعملي فيها زكية.. الإسمنت اللي في التانية لسه فيه مكان يكفي جثة ثانية يا عروسة.”
فضلت قاعدة على حرف السرير طول الليل، مش قادرة أغمض عيني ولا ثانية. معتز كان قاعد على الكرسي قصادي، مش بينام، عينيه كانت مفتوحة ومثبتة عليا في الضلمة، كأنه تمثال مصبوب من صخر. كل ما الوقت يعدي، كل ما ريحة الخوف تزيد في الأوضة.
أول ما الفجر بدأ يشرق والنور الرمادي دخل من بين ستائر الأوضة، سمعت صوت تليفون معتز بيرن على التسريحة. معتز بص للتليفون، ولقيت وشه اتغير فجأة. الشاشة كانت منورة باسم “بابا”.
فتح الخط وحط السبيكر، وجاء صوت بابا من الناحية التانية، بس صوت بابا ما كانش طبيعي.. كان صوت مرعوب، وبيصرخ بانهيار:
“معتز! الحقنا يا بني.. الحقنا يا معتز!”
معتز قال بثبات مزيف: “خير يا عمي؟ في إيه؟”
بابا قال وهو بينحب: “تيته غالية يا معتز.. من ساعة ما رجعت البيت وهي في غيبوبة، ودلوقتي صحيت فجأة وقعدت في سريرها بتصرخ وتنادي على هدى.. بتقول ‘الحقوا هدى.. البلاطة المكسورة اتفتحت وروح رانيا طلعت!’.. تيته غالية ماتت يا معتز بعد الجملة دي مباشرة! والشرطة والجمهرة واقفين تحت بيتك دلوقتي لأنها صرخت بعنونك للشعب كله قبل ما تموت!”
في اللحظة دي، معتز بصلي بصدمة، والتليفون اتزحلق من إيده ووقع على الأرض، وفي نفس الثانية.. سمعنا صوت خبط جنوني وكسر على باب الشقة بره، وصوت سرينات الشرطة بتملى الشارع تحت!
الصوت بره الباب كان زي انفجار! خبط متواصل بقوة تخلي الخشب يتخلع من حوافه، وصوت صريخ البواب تحت في الشارع متداخل مع جرس السرينة اللي مال المكان.
معتز اتجمد مكانو، التليفون اللي وقع منه كان لسه المايك فيه شغال وصوت النحيب بتاع بابا طالع منه مكتوم. عينيه وسعت بشكل مرعب، واللون أتعصر من وشه تماماً لحد ما بقى باهت زي الجثث. بصلي وبص للباب المقفول بتاع الأوضة، والهدوء الشيطاني اللي كان متسلح بيه طوال الليل انهار في ثانية واحدة، واستبدل بهلع جنوني.
جري على التسريحة، مسك المفتاح من جيبه بأيد بتترعش بغرابة، وجاء يفتحه، بس المفتاح وقع منه على الأرض بين السجاد. جثى على ركبه وبدأ يدور عليه بمنتهى الهستيريا وهو بيشتم بصوت واطي ومبحوح: “مش هتلحقوا.. مش هتلحقوني! والله ما حد هيلمسني!”
في اللحظة دي، طاقة الخوف اللي كانتشلاني طوال الليل تحولت لغريزة بقاء صافية. استغليت إنه وطى وضهره ليا، وقمت من على السرير بمنتهى السرعة. مسكت أبجورة النحاس الثقيلة اللي كانت جنپ السرير بكل القوة اللي فاضلة في جسمي، ورفعتها وضربته بيها بكل ما أوتيت من قوة على كتفه ورقبته!
معتز صرخ صرخة مكتومة ووقع على جنبه، والمفتاح اتزحلق من إيده وقرب من رجلي. انحنيت بسرعة البرق، أخدت المفتاح، وحطيته في باب الأوضة ولفيته وأنا حاسة إن قلبي هيقف من كتر الدق. فتحت الباب وطلعت للـممر وأنا بصصرخ بأعلى صوت عندي: “الحقوني!! الحقوني يا بابا!”
في الصالة، كان باب الشقة بيتهز تحت ضربات حديدية. سمعت صوت ضابط بيزعق بره: “افتح يا معتز! الشقة متحاصرة! افتح بدل ما نكسر الباب!”
ومع أخر كلمة، الباب الخشبي المقفول بأوكرة متينة اتفلق نصين تحت ضربة عتلة حديدية، واتفتح الباب على وسعه!
دخلوا رجال الشرطة ومعاهم عمي وبابا اللي كان وشه أسود من الحزن والصدمة. أول ما بابا شافني، طار عليا وحضنني وأنا أغمى عليا جزئياً من الانهيار والدموع. مسكت فيه وأنا بشاور بأيدي اللي بتترعش على الممر الضيق وبقول بصوت مقطوع: “الأوضة.. الأوضة اللي في الآخر! رانيا تحت السيراميك! تيته كان عندها حق.. تيته مكانتش بتخرف!”
الضابط أدى إشارة فورية لرجاله. أربعة من المخبرين والظباط جراوا في الممر وداخلوا الأوضة المغلقة، بينما معتز خرج من أوضة النوم وهو بيترجل، وشه غرقان دم من ضربة الأبجورة، بس عينيه كانت مثبتة عليا بنظرة غل لا يمكن وصفها. قبل ما يوصل لي، هجموا عليه أربعة من قوة الشرطة وكلبشوه وكتفوه في الأرض وهو بيصرخ زي المجنون: “أنتِ اللي عملتي كده! أنتِ الساحرة زي جدتك! مش هتطلعوا حاجة! الشقة دي ملكي!”
الضابط دخل الأوضة الصغيرة بنفسه. وبعد أقل من دقيقتين، خرج ووشه أصفر زي الشمع، وشد التليفون اللاسلكي من جيبه وقال بنبرة صارمة ومصدومة: “اطلبوا لي النيابة العامة وقوة من الطب الشرعي وحفر الأدلة الجنائية فوراً.. الموقع فيه جثة مدفونة تحت الخرسانة والسيراميك.”
الكلمة نزلj على الصالة زي الصمت التام. بابا بصلي وهو مش مصدق، وحضنني أكتر وهو بيبكي ويهتف: “يا حبيبتي يا بنتي.. الحمد لله إنك عايشة.. الحمد لله إن روح غالية حمتك قبل ما تطلع!”
فريق النيابة والطب الشرعي وصلوا بعد نص ساعة. البيت اللي كان قبل أسبوع مجرد بيت عروسة متزوق بالورود والستائر البيضاء، أتحول في لحظات لصحن جريمة مليان رجال بصمات، وكشافات أجهزة الحفر، وريحة تراب وإسمنت طالعة من الممر بتخنق الأنفاس.
قعدوني في الصالة وماما وبابا جُم جمبي، والضابط بدأ ياخد أقوالي وأنا برتعش وأحكي له كل حاجة؛ من أول ما تيته اتفضت على العتبة وحلفت ما تدخل، لحد ما همست لي في ودني، ولحد ما دخلت الأوضة ولقيت السلسلة اللي مكتوب عليها “رانيا”، واعتراف معتز الصريح ليا إنه قتال قتلة وشرس.
وأثناء ما كنت بتكلم، خرج طبيب شرعي من الأوضة وهو لابس الجوانتي الأبيض المليان تراب وجص، وماسك في إيده كيس بلاستيك شفاف. جوا الكيس، كان فيه بقايا القماش المتعفن بتاع هدوم رانيا، ومحفظة صغيرة جلد أسود.
فتح الطبيب المحفظة قدام النيابة، وطلع منها بطاقة رقم قومي.. البطاقة كانت لـ “رانيا أحمد عبد اللطيف”، البنت اللي اختفت من سنتين وأهلها عملوا عنها بلاغات في كل حتة وما حدش وصل لها أثر، والنيابة وقتها حفظت القضية ضد مجهول!
الضابط قرب من معتز اللي كان متكتف على الكرسي وعينيه بتبص في الأرض بذهول، ورزعه بالبطاقة في وشه وقال له: “رانيا اختفت من سنتين يا معتز، وأنت سكنت الشقة دي من سنتين ونصف! كنت فاكر إن الإسمنت والسيراميك هيغطوا للأبد؟”




