
خرجتُ من البيت بخطوات ثقيلة، لكنها كانت أصلب وأثبت من كل مرة. لم ألتفت ورائي مطلقًا، رغم صرخات إبراهيم ونحيبه الذي كان يتردد صداه في منور العمارة، وهو يتوسل إليّ كي أقف وأسمعه. سحبتني يد أخي محمود بحنو حازم، وكان سيد يسير أمامنا ليفسح الطريق وسط الجيران الذين تجمعوا على درجات السلم، يتهامسون وينظرون بذهول إلى الدراما التي في وجه الجميع.
نزلت السلم وأنا أشعر أن كل خطوة تباعد بيني وبين ذلك البيت، تقتطع جزءًا من قلبي الذي تنكّر له أقرب الناس. ركبت السيارة القديمة بجوار محمود، وجلست في الخلف صامتة تمامًا، ينعكس ضوء مصابيح الشارع المتراقصة على زجاج النافذة، وأنا أرمق الشارع بعيون جافة لم تعد قادرة على إفراز دمعة واحدة. لقد استُنزفت تمامًا.
وصلنا إلى بيت أبي في الحي القديم. كان بيتنا دافئًا برائحة الشاي بالنعناع والبساطة التي طالما حمتني في طفولتي. بمجرد أن فتحت أمي الباب ورأت وجهي الشاحب، وجرح جبهتي الصغير، والعباءة الغريبة التي أرتديها، سقطت صينية الشاي من يدها لتتحطم على الأرض.
— شيماء! يا لهوي يا بنتي! في إيه؟ مالك يا ضنايا؟
انهمر محمود في الحديث، وروى لأمي وأبي — الذي خرج يترنح على عكازه من غرفته — كل ما حدث بالتفصيل. كانت أمي تلطم خدودها بذهول وتشهق مع كل كلمة، بينما كان أبي يصمت صمتًا رهيبًا، وتتحول عيناه الهادئتان إلى قطعتين من الجمر.
عندما أنهى محمود كلامه، رفع أبي عكازه وضربه بالأرض بقوة جعلت أركان الغرفة ترتج:
— طلقها بالثلاثة في السلم؟ واتهمها في شرفها وأمانتها عشان خاطر كلام أمه وأخوه الحرامي؟ والله لو جثته اتفرشت على باب البيت ده ما هتلمس أيده تاني! البت دي هنا في حمايا وفي بيتي، والشرع والقانون بيننا وبينه!
في تلك الليلة، لم أذق طعم النوم. كنت أستلقي على سريري القديم في غرفة طفولتي، أسترجع شريط الأحداث. كيف يتحول الحب والاستقرار في لحظة واحدة إلى ركام؟ كيف يستطيع إبراهيم، الذي حارب الدنيا ليقنع أهله بالزواج مني، أن يصدق في لحظة طيش أنني خائنة وسارقة؟ لقد أدركت أن الشك حين يدخل قلب الرجل يطمس عقله، لكن الشك المترافق مع الخفة وقلة الحيلة أشد فتكًا من الموت.
مع تباشير الصباح الأولى، وبينما كانت الشمس تشرق ببطء لتعلن عن بداية يوم جديد — اليوم الذي كان مفترضًا أن يُسدد فيه قسط الشقة وتكتمل فيه فرحتنا — اهتز البيت على صوت طرقات متواصلة ومتلهفة على باب الشارع الأسفل.
تسلل محمود إلى النافذة وتطلع إلى الأسفل، ثم قال بصوت غاضب:
— إبراهيم تحت… واقف في الشارع زيك المجنون، ومعاه ناس كبار من العيلة!
قفزت أمي من مكانها:
— أوعى تفتح له يا محمود! خليه ينحرق في ناره!
لكن أبي وقف بصلابة وقال بصوت جاف:
— افتح يا محمود. خليهم يطلعوا. حق أختك يتاخد عيني عينك قدام الكبار، عشان يعرفوا إن لها رجالة ما بياكلوش الضيم!
صعد إبراهيم، وخلفه خاله الحاج عبد التواب، وهو رجل كبير في السن وله كلمة مسموعة في العائلة، وأحد كبار المنطقة. كان إبراهيم يبدو كأنه خرج من مجزرة؛ عيناه منتفختان أحمرتان كأنه لم ينم، ووجهه مصفر ومجهد، ويرتدي ملابس أمس ذاتها.
بمجرد أن دخل المجلس، عيناه عليّ وأنا أجلس بجوار أبي، انهار جثوًا على درجات السلم الداخلي للمجلس، وقال بصوت مبحوح ومكسور:
— عمي… يا حاج مصطفى… أنا جاي أقطع لساني وأقطع إيدي قدامكم… أنا عملت في حق مراتي وفي حق نفسي، وجاي تقولوا عليا اللي أنتم شايفينه!
وقف الحاج عبد التواب، وضرب جبهته بيده وقال بأسف حقيقي:
— اتقِ الله يا إبراهيم! اللي سمعته من البواب ومن الناحية التانية خلاني مش قادر أرفع عيني في عين الحاج مصطفى! بقى تعمل في بنت الأصول كده؟ طالع من الخليج بعقلك طار عشان مسرحية هبلة من حسن وأمك؟
رد أبي ببرود كالجليد، دون أن يتحرك من مقعده:
— أهلاً بيك يا حاج عبد التواب، البيت بيتك. لكن الراجل اللي واقف جمبك ده، ملوش كلام عندي. هو طلق أخت محمود بالثلاثة في السلم، ورمى شرفها قدام الجيران، واليمين وقع يا حاج! أختي ملهاش رجعة له، والنهاردة المأذون يثبت الكلام ده، وحقها بالقانون وبالمؤخر وبالقيمة يوصل لحد عندها، وإلا والله العظيم لأرفع عليه قضية رد شرف وتشهير بالبواب والجيران!
قفز إبراهيم ونزل على ركبتيه يحبو نحو أبي، يمسك بيده ويقبلها :
— لا يا عمي! عشان خاطر ربنا ما تقولش كده! أنا كنت غايب عن الوعي! السفر والتعب والصدمة طيروا عقلي! حسن وأمي ضللوني، عملوا لي كمين يا عمي! أول ما دخلت لقيت الفلوس في إيد حسن والكيس الأسود معبأ هدوم وذهب، وأمي بتلطم وتقول لي لحقنا عرضك! أنا أتعمييت! أول ما أكتشفت الحقيقة ضربت حسن لما بغى ، أمي وأخويا من البيت وقطعت بيهم للأبد!
نظر إليه محمود بعيون تشتعل غضبًا وصاح فيه:
— وضربك لحسن يرجع شرف أختي اللي اترمى في السلم؟ طردك لأمك يمسح نقطة الدم اللي نزلت من راس شيماء لما خبطتها في الكومودينو؟ أنت مش راجل يا إبراهيم! اللي يصدق في مراته كلمة من غير ما يسمعها ويفتش وراها، ما يلتأمنش على ولية!


