
سلفتي كانت بتزورني كل يوم كنت فاكرة إنها بتحبني وبتقف جنبي لحد ما في يوم ابني الصغير قال لي:
ماما… بابا بيحضن طنط في أوضتك لما انتي بتخرجي.
وساعتها فهمت ليه كانت بتعرف كل حاجة عن حياتي.
اتجمّد الدم في عروقي، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا. ابني الصغير ماكنش بيهزر، وعينيه البريئة كانت مليانة بصدق مرعب خلاني أحس إن عالمي بيتهد فوق راسي في لحظة.
قررت ما أواجههاش ولا أواجهه فوراً، لأن الصدمة كانت أكبر من إني أتصرف بغباء. قررت أكون أذكى من خيانتهم. بدأت أراقب كل حركة، كل نظرة، وكل “زيارة ودية” كانت بتعملها.
ركبت كاميرا صغيرة جداً في زاوية مخفية في الأوضة، وادعيت إني خارجة أخلص مشاوير بره البيت لساعات.
قفلت الباب ورايا، ووقفت في الشارع بفتح الموبايل والقلب بيدق في ودني. أول ما فتحت البث المباشر، شفت مشهد خلى الدنيا تضلم في عيني.. مش بس خيانة، دي كانت كارثة أكبر بكتير مما كنت أتخيل! اكتشفت إنها ماكنتش بس بتخونني مع جوزي، دي كانت بتخطط لحاجة تانية خالص، حاجة هتدمر حياتي وحياة ولادي للأبد، وكانت بتستخدم جوزي كأداة عشان تسرق مني كل اللي تعبت فيه سنين.
دلوقتي أنا واقفة قدام باب بيتي، والمفتاح في إيدي.. أفتح الباب وأفضحهم وأواجههم ولا أهرب بجلدي وولادي وأسيبهم يغرقوا في كدبهم؟
خدت نفس عميق، ورجعت ورا خطوة، وبصيت للمفتاح في إيدي وكأنه قطعة تلج. قولت لنفسي: “لا، مش هفتح الباب وأنا منهارة، دي هي اللي لازم تترعب”.
دخلت البيت بهدوء، كأنني لا أعرف شيئاً. سمعت صوت ضحكاتهم الخافتة طالع من جوه الأوضة. قلبي كان بيدق بسرعة جنونية، بس مسكت أعصابي بطريقة ما أعرفش جات منين. دخلت المطبخ، عملت شاي، وبدأت أتحرك في البيت بصوت مسموع، وندهت عليهم بدلع: “يا حبيبي، يا سلفتي الغالية.. أنا جيت!”.
سمعت صوت “خبط” سريع، ووراها صوت جوزي وهو بيحاول يغير نبرة صوته ويقول: “أهلاً يا حبيبتي، جيتي بدري ليه؟”.
دخلت الأوضة وأنا ماسكة الصينية، ولقيتهم قاعدين بعيد عن بعض بمسافة مريبة، وعرقانين وتوترهم يملأ المكان. ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة ما بتوصلش لعيوني، حطيت صينية الشاي على الترابيزة الصغيرة وقربت من جوزي، بست خده بهدوء وقلت له: “أصل المشوار خلص بسرعة يا حبيبي، وحسيت إنكم اكيد استوحشتوني، قلت أرجع نعمل قعدة حلوة سوا.”
سلفتي كانت بتحاول تلملم نظراتها المشتتة، إيدها كانت بترتعش وهي بتعدل طرحتها، وعينيها رايحة جاية على تليفونها المرمي على السرير. أما جوزي، فكان بيحاول يمثل دور الزوج الطبيعي، بيمسح العرق من على جبينه وبيحاول يضحك ضحكة باهتة: “اه.. طبعاً يا حبيبتي، تنوري في أي وقت، دا البيت بيتك.”
“طبعاً بيتي يا سامح.. بيتي ومكاني وكل اللي حيلتي في الدنيا دي”، قلتها وأنا ببص لسلفتي بعيون مركزة، ومسكت كوباية الشاي وقدمتها لها: “اتفضلي يا سحر.. الشاي بتاعك مظبوط زي ما بتحبيه، أصل أنا أكتر واحدة فاهمة طبعك وعارفة انتي بتدوري على إيه بالظبط.”
سحر بلعت ريقها بصعوبة، إيدها المرتعشة مسكت الكوباية، وفي اللحظة دي عينها جت في عيني. ماكانش في عيني دموع ولا ضعف، كان فيهم سكون غريب، السكون اللي بيسبق العاصفة. هي حسّت بالخوف، حسّت إن في حاجة غلط، لكن طمعها وغرورها خلوها تتراجع وتظن إنها لسه مسيطرة على اللعبة.
اللي شفته في الكاميرا قبل ما أدخل البيت بـ عشر دقايق ماكانش مجرد قلة أدب وخيانة زوجية.. الكارثة الحقيقية كانت الوراق اللي سحر كانت بتخلي سامح يوقع عليها! سحر كانت بتستغل نقطة ضعف سامح وحبه للمال السريع، وكانت بتخليه يمضي على تنازلات وعقود بيع وهمية للبيت والأرض اللي ورثتها عن أبويا، واللي كنت كاتبة نصها باسم سامح عشان أضمن مستقبله معايا. سحر كانت بتسرق الشقة والأرض، وبتورّط سامح في ديون وشيكات ملهابش أصل، عشان في الآخر ترميه هو كمان وتخرج هي بكل حاجة، وتدمرني أنا وولادي ونقعد في الشارع.
جلست على الكرسي قدامهم، حطيت رجل على رجل، وبدأت أتكلم بنفس النبرة الهادية: “تعرفي يا سحر.. أنا كنت طول عمري بقول إنك أقرب لي من أختي. كنت بقول سحر دي هي اللي بتفهمني وهي اللي واقفة جنبي في كل أزمة. بس سبحان الله، البني آدم ما بيعرفش المعادن الحقيقية غير لما يتحط في المواقف الصعبة.”
سامح اتوتر زيادة، وقام وقف وهو بيحاول يغير الموضوع: “في إيه يا ندى؟ مالك بتتكلمي بالألغاز ليه؟ ما تروحي تطمني على الولد، كان بيلعب بره.”
بصيت لسامح بنظرة خلته يتجمد في مكانه: “ابني في أوضته يا سامح، ابنك الصغير اللي عيونه ما بتعرفش تكذب.. ابنك اللي بيشوف كل حاجة وبيفهم أكتر من الكبار.”
سحر لونها اتخطف، وشها بقى أصفر زي الليمونة، وقامت وقفت وهي بتشد شنطتها: “طب استأذن أنا بقى يا ندى، عشان الوقت تأخر وعايزة أروح البيت قبل ما جوزي يرجع من السفر.”
مسكت إيدها بشويش وبضغط خفيف بس مرعب، وقعدتها تاني: “تقومي تروحي فين يا سحر؟ القعدة لسه بدري عليها، إحنا لسه ما كملناش كلامنا عن الأوراق والورث.. وعن العقود اللي تحت الملاية على السرير عندك هنا.”
البيت بقى فيه صمت قاتل. سامح عيونه وسعت من الصدمة، وسحر اتسمرت في مكانها. الصدمة ماليهاش مثيل، ماكانوش متوقعين إن اللعبة تنكشف بالسرعة دي وبدون أي صريخ ولا صويت.
مديت إيدي تحت الملاية وطلعت الملف الأزرق اللي سحر كانت مخبياه، فتحته قدامهم وابتسمت: “تصدقي يا سحر.. خطتك كانت عبقرية؟ تستغلي غباء سامح، وطمعه، وتستغلي طيبتي وهبلي.. تأخذي توقيعه على تنازلات، وتخليه يبص لك عشان تكسري قلبي، وفي الآخر تروحي تبيعي وتشتري فينا احنا الاتنين وأنت تطلعي بالغنيمة لوحدك؟”




