منوعات

حكايات اسما السيد 2

فضلت واقفة في نص الأوضة والموبايل في إيدي زي الجمرة. بصيت لعمر وهو نايم، ملامحه المجهدة اللي كنت لسه من شوية بحس ناحيتها بالشفقة والحب، بقت قدامي زي لغز مقفول. النفس اللي بياخده بالعافية، الشحوب اللي على وشه… كل ده بقى متغطي بعلامة استفهام مرعبة.

مين الست اللي بتتصل في وقت زي ده؟ وليه نبرة صوتها فيها القلق والخوف ده كله على صحته؟ وليه تقفل الخط أول ما تسمع اسمي؟

حاولت أهدي نفسي. قلت يمكن دكتورة؟ يمكن حد من الممرضات في المستشفى؟ بس النبرة ماكانتش نبرة شغل خالص. النبرة كان فيها لهفة وحميمية مش طبيعية.

حطيت الموبايل مكانه بهدوء على الكومودينو، وقعدت على طرف السرير. عيني ما نزلتش من عليه. كنت حاسة إن جويا نار بتولع. بعد كل اللي عملته؟ بعد السهر والشقا والشيفتات الليلية؟ بعد ما وقفت قدام أهلي ونفسي عشان أصرف على علاجه؟ هل كان في واحدة تانية في حياته طول الفترة دي؟ هل كان مستني يخف عشان يرميني ويروح لها، ولما عرف إنه تعبان بالتفاصيل الجديدة حب يعمل دور البطل المضحّي عشان يغطي على قذارة موقفه؟

الأفكار كانت بتنهش في دماغي زي الكلاب الضالة.

ساعة كاملة مرت وأنا قاعدة في مكاني مش باتحرك، لحد ما عمر بدأ يتحرك ويفتح عينيه ببطء. أول ما بصلي وشفني قعدة جنب السرير ونظرتي ليه متغيرة، ملامحه انكمشت وقال بصوت مبشوح:

— سلمى؟ في إيه؟ مالك قاعدة كده ليه؟

ما رديتش فوراً. قمت وقفت، مسكت الموبايل من على الكومودينو وحطيته قدام وشه مباشرة.

— مين دي يا عمر؟

عمر بص للموبايل باستغراب، وبعدين بصلي وقال:

— مين إيه؟ أنا مش فاهم حاجة.

— الرقم ده اتصل بيك من عشر دقائق — قلتها بصوت هادي بس طالع بالعافية من  — ردت عليها، كانت مرعوبة عليك وبتسألك عن نتيجة التحاليل والتطورات… ولما قلتلها أنا سلمى، قفلت السكة في وشي.

أول ما قلت الكلام ده، وش عمر اتغير تماماً. الشحوب اللي كان فيه زاد، وعينيه زادت فيها الحركة والارتباك. حاول يقعد على السرير بس كان جسمه ضعيف، قعد بصعوبة وقال وهو بيتهرب بنظراته:

— دي… دي أكيد نمرة غلط يا سلمى. أو حد من المستشفى.

— نمرة غلط؟ — ضحكت بمرارة — نمرة غلط عارفة اسمك وعارفة إنك كنت عند الدكتور إمبارح وبتسأل عن نتائج تحاليلك بلهفة؟ بطل كذب بقى! بطل تعمل عليا الحركات دي!

عمر اتنهد بقسوة وحط إيده على جبهته:

— سلمى أرجوكي… أنا مش قادر أتناقش دلوقتي، جسمي كله بيموت ومحتاج يرتاح.

قربت منه بغضب، ولأول مرة من سنة أصرخ في وشه بالشكل ده:

— مش قادرة أرتاح أنا يا عمر! أنا سنة كاملة من عمري ضاعت تحت رجليك! كنت برجع من الشيفت الليلي عيني مش شايفه قدامي، أحضرلك الأكل وأجرجري فيك للمستشفيات! كنت بعيط في الحمام عشان ما تشوفش ضعفي! وفي الآخر لما أقرر أقف جنبك حتى بعد ما عرفت إن كليتك وقلبك رايحين في داهية، أكتشف إن في ست تانية في حياتك؟ هي دي الهدية؟ هو ده الوفاء؟

عمر رفع راسه بسرعة، وعينيه كانت مليانة دموع، بس المرادي كان فيها غضب مكتوم:

— أنتِ فاكرة إني بخونك؟ فاكرة إن بعد كل اللي عملتيه معايا بروح لأحدة تانية؟ أنتِ شايفاني قذير للدرجة دي يا سلمى؟

— أمال تفسر بإيه اللي حصل؟! — صرخت — تفسر بإيه الصوت والقفلة والمخبية اللي أنت مخبيها؟ من حق أعرف مين دي!

عمر سكت. فضلت عينيه متثبتة في الأرض. الصمت ده كان بيقتلني أكتر من الكلام.

— مش هتتكلم؟ — قلتها بصوت بيترعش — تمام… أنا اللي هعرف بنفسي.

مسكت الموبايل، وفتحت سجل المكالمات ووضعت الرقم على أبلكيشن التروكولر. الاسم ظهر قدامي، وحسيت إن قلبي اتخلع من مكانه.

الاسم كان: “د. هالة – مركز الأورام”.

بصيت للاسم، وبعدين بصيت لعمر.

— دكتورة هالة؟ — تمتمت — دي الدكتورة اللي كانت متكفلة بملفك في الأول قبل ما ترحل لمستشفى تانية… ليه بتتصل بيك على تليفونك الشخصي في السر؟ وليه خايفة كده؟

عمر غطى وشه بإيديه الاتنين وبدأ ينتحب بصوت واطي. النحيب ده ماكانش عياط راجل مكسوف إنه اتكشف، ده كان عياط بني آدم شايل هم الجبال فوق كتافه ومش قادر يشيله أكتر من كده.

— عمر… اتكلم — قلتها وأنا ركبي بتخبط في بعضها من الخوف — في إيه؟ الدكتورة دي لها  بإيه بالضبط؟

عمر نزل إيده ببطء، وعينيه كانت حمرا زي الدم. بصلي وقال بنبرة صوت :

— الدكتورة هالة… هي اللي اكتشفت الغلطة يا سلمى.

— غلطة؟ غلطة إيه؟

عمر أخد نفس مكسور وقال:

— العلاج الكيماوي المكثف الجرعات العالية اللي أخدته السنة اللي فاتت… الجرعات دي ماكانتش للمرحلة اللي كانت عندي. كان في خطأ طبي جسيم في التشخيص الأولاني وفي تحديد كمية الجرعات. هالة اكتشفت ده من شهرين لما راجعت الملفات القديمة بالصدفة… الجرعات الزيادة هي اللي قتلت الورم صح، بس هي نفسها اللي دمرت الكلى والقلب!

أتصدمت. بقيت واقفة مش قادرة أتحرك.

— يعني… يعني أنت ما كنش المفروض توصل للحالة دي؟

— الجرعات كانت سم مركز يا سلمى — كمل عمر بصوت مخنوق — هالة لما عرفت، اتخضت وقالتلي إن المستشفى والمركز بيحاولوا يغطوا على الموضوع عشان المتسبب دكتور كبير هناك. هي كانت بتتصل بيا في السر عشان بتساعدني بأدوية وعلاجات من وراهم، وكانت خايفة حد يعرف عشان مستقبلها وشغلها… وقالتلي إن التشخيص الخاطئ والجرعات دي هي اللي كتبت عليا الفشل الكلوي والموت البطيء ده!

بلعت ريقي بصعوبة، وعقلي بيحاول يستوعب البشاعة.

— وهالة كانت بتتصل تطمن عليك… وأنت؟ أنت مكنتش عايز تقوللي ليه؟

عمر بصلي بكسرة تهد الحيل:

— هقولك إيه؟ أقولك إن التعب والدم والشقا والفلوس اللي استلفتيها واشتغلتي بيها بالليل، كانت بتروح في علاج بيقتلني بدل ما يشفيني؟ أقولك إننا كنا بنسدد ثمن دمار جسمي من عرقنا؟ كنت عايزك تكرهيني يا سلمى! كنت عايز أقولك إني عايز أطلقك عشان تمشي وأنتِ شايفاني نذل وخاين، أسهل بكتير من إنك تفضلي معايا وأنتِ عارفة إننا كنا بنجري ورا وهم، وأن التضحية بتاعتك انتهت بجسم باظ بسبب غلطة دكتور!

دموعي نزلت بغزارة، بس المرادي ماكانتش دموع شك أو غيرة… كانت دموع قهر و

قربت منه ووقعت على ركبي قدام ، مسكت إيديه الاتنين وحطيتهم على وشي.

— أنت غبي يا عمر… — قلتها وأنا ببكي بحرقة — أنت أكبر غبي في الدنيا… فاكر إن الوجع هيقل لما تخبي عليا؟ فاكر إنك لما تطلع نفسك خاين أو نذل، أنا هنسى؟

عمر وطى راسه وبكى معايا، مسك في إيدي بقوة كأنه خايف يغرق.

رفع راسي وبص في عيني وقال:

— هالة قالتلي إن في أمل واحد بس يا سلمى… بس الأمل ده أصعب من المرض نفسه.

— أمل إيه؟ — سألته بلهفة وانا بمسح دموعي — اتكلم يا عمر، أي حاجة في الدنيا تهون!

عمر بلع ريقه وقالي بصوت واطي ومتردد:

— القضية والتقرير الطبي اللي هالة ممكّنانا منه ينفع يقفل المركز ويجيب حقنا وفلوس العلاج كله… بس لو رفعنا القضية دي، الدكاترة الكبار هيحاربوا بكل سلطتهم، وهالة هتترمي في الشارع وممكن تروح فيها… والأهم من ده كله، العلاج الوحيد المتطور اللي ممكن ينقذ قلبي وكليتي برة مصر محتاج الفلوس دي فوراً، وإحنا قدامنا قرارين أصعب من بعض: يا نرضى باللي حصل ونكمل غسيل كلى هنا لحد ما الجسم يقف، يا ندخل  دي ونكشفهم ونخاطر بحياة هالة وبحياتنا إحنا كمان ضد ناس مابترحمش.

بصيت لعمر، وعرفت إن الهدوء اللي كنا فاكرين إنه هييجي بعد الشفاء من السرطان كان مجرد وهم… إحنا دلوقتي داخلين نفق أظلم وأقسى، والمباراة المرادي مش مع مرض في الجسم، المباراة مع بشر معندهاش ضمير.

فضلت بصة لعمر والسكون حولينا زي جبل تقيل نازل على صدري. الحقيقة كانت أعنف من السرطان، والظلم لما يجي من بني آدمين لابسين بالبالطو الأبيض بيبقى أوجع ألف مرة من أي ابتلاء طبيعي.

مسكت إيد عمر بقوة، وقلتله بصوت قاطع مفيش فيه تردد:

— مش هنقعد نستنى الموت يا عمر. وهالة مش هتروح في داهية، وإحنا مش هنفرط في حقك. اللي عملوه فيك جريمة، وإذا كانوا هم معاهم النفوذ والفلوس، فإحنا معانا الحق.

عمر بصلي بخوف واضح:

— سلمى، أنتِ مش فاهمة دول مين. المستشفى دي وراها أسماء كبيرة في البلد، والدكتور اللي كتب الجرعات الخاطئة ده رئيس قسم الأورام ومجلس الإدارة بيحميه. لو شموا خبر إننا بنجمع ورق أو إن هالة بتساعدنا، مش بس هيرفضوها وينقلوها النيابة، دول ممكن يمسحوا ملفي الطبي كله من أجهزة المستشفى كأن مفيش حاجة حصلت!

— عشان كده مش هنلعب لعبتهم — رديت وأنا بقوم أقف — هنلعب بذوقنا وطريقتنا.

بدأت الخطة تتشكل في دماغي بسرعة. أول حاجة كان لازم نعملها هي إننا نأمن المستندات. كلمت الدكتورة هالة من تليفون عمر، وقابلتها في كافيه بعيد تماماً عن منطقة المستشفى. الست كانت بترتعش من الخوف، عينيها ملانة قلق، بس كان جوة قلبها ضمير صاحي مش قادر يتحمل المهزلة.

سلمتني هالة فلاشة صغيرة عليها الملف الطبي الأصلي قبل التعديل، والروزتات الأولى اللي فيها الجرعات الكيماوية المضاعفة، بجانب تقرير استشاري حيادي هي عملته بنفسها بيثبت إن الفشل الكلوي ومشكلة القلب ناتجين مباشرة عن “سمية دوائية حادة” بسبب الجرعة المفرطة.

قالتلي هالة بصوت واطي:

— أنا كده ضحيت بمستقبلي يا سلمى. لو اسمي اتعرف في التقرير ده، نقابة الأطباء نفسها ممكن تشطبني بتهمة إفشاء أسرار العمل أو التواطؤ.

مسكت إيدها وقلت:

— اسمك مش هيظهر إلا في الوقت المناسب، وبحماية قانونية كاملة. أوعدك.

رجعت البيت، وبدأت رحلة تانية أصعب. الشيفتات الليلية اللي كنت باخدها عشان مصاريف البيت، بقيت أقسمها بين شغلي وبين التدوير على محامي متخصص في قضايا الأخطاء الطبية الجسيمة. وفي نفس الوقت، حالة عمر الصحية كانت بتتدهور بسرعة مرعبة.

جلسات الغسيل الكلي بدأت بالفعل. كنت بشوفه كل يومين محطوط على الماكينة، الدم بيدخل ويخرج في أنابيب بلاستيكية، وهو وشه أصفر وجسمه بيهزل أكتر وأكتر. قلبه مكنش متحمل إجهاد الغسيل، وكان بيمر بساعات طويلة من ضيق التنفس والإغماءات. كل نقطة دم كانت بتتسحب منه، كانت بتسحب معاها حتة من روحي.

بعد أسبوعين من التدوير، وصلت لمحامي قدير اسمه أستاذ يحيى. راجع الملف والفلاشة وهو ساكت، وبعد ما خلص رفع نظارته وبصلي وقال:

— قضية مضمونة مية في المية طبياً… بس قاتلة قانونياً وإعلامياً. المستشفى مش هتسكت، وهيحاولوا يشتروكم أو يهددوكم عشان ما توصلش للنيابة العامة ورئاسة الوزراء.

قلت بثبات:

— مش عايزين نبيع، ومش بنخاف. إحنا عايزين التمويل الكامل لسفر عمر وعلاجه في ألمانيا، وزراعة كلى على حسابهم تحت إشراف طبي دولي.

بدأت المعركة السرية. أستاذ يحيى بعت إنذار رسمي للمستشفى ولرئيس قسم الأورام بيمهلهم 72 ساعة للتعويض والتكفل بالعلاج بالخارج قبل تقديم بلاغ للنائب العام وإقامة مؤتمر صحفي بكافة الأدلة.

الرد جيه أسرع مما تخيلنا… بس ماكانش الرد اللي مستنيينه.

في نفس اليوم بالليل، وأنا راجعة من الشيفت الليلي في شارع بيتنا الضيق، لقيت عربية سوداء فامية وافقة قدام العمارة. أول ما قربت، نزل منها راجلين بهدوم رسمية ونظارات، واحد منهم وقف قدامي وقال بنبرة مسمومة:

— مدام سلمى… الدكتور بيسلم عليكي وبيقولك الأوراق اللي معاكي مالهاش قيمة، والمستشفى أصلها مفيش فيها ملف باسم جوزك عن الجرعات القديمة… والسفيرة اللي فاكرة إنها هتحميكي (يقصد الدكتورة هالة)، الملف بتاعها جهز في النقابة وإمبارح اتوقفت عن العمل بتهمة سرقة أدوية.

حسيت بالدم بيتجمد في عروقي.

كمل الراجل وطلع شيك من جيبه:

— ده مبلغ مالي محترم… تخرجي بيه جوزك برة القصة دي وتعيشوا بيه الكام شهر اللي فاضلين له بهدوء. يا إما الشيك ده يروح، والأوراق اللي معاكي تتحرق، يا إما البلاغ اللي هيتقدم بكره مش هيكون ضد المستشفى… هيكون ضدك أنتِ بتهمة الابتزاز والتزوير، والورق اللي معاكي هيتثبت إنه مزور!

سيبتهم وجريت على الفوق وأنا بلهث. دخلت الشقة ولقيت عمر واقع على الأرض جنب السرير، بينزف من فتحة القسطرة في رقبته ومغمى عليه تماماً، والموبايل جنبه يرن بصوت عالي.

مسكت التليفون وأنا بترتعش، كان أستاذ يحيى المحامي، وقاللي بصوت فاقد الأمل:

— سلمى… النيابة رفضت المستندات الكترونية واعتبرتها غير رسمية، والمستشفى قدمت بلاغ إننا بنبتزهم، وهالة اتقبض عليها حالياً في حجز القسم!

بصيت لعمر الغرقان في دمه على الأرض، وللورق المرمي على الترابيزة… وعرفت إننا وصلنا للنقطة اللي مفيش بعدها رجوع. خطوة واحدة فاضلة… يا إما هنغرق كلنا، يا إما   دي في وش الكل.

في لحظتها، العجز  من عقلي وحل مكانه غضب أعمى.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى