منوعات

حكايات اسما السيد 2

ما صرختش. نزلت على ركبي جنب عمر، ضغطت بقوة بشرشوبة نضيفة على فتحة القسطرة عشان أوقف النزيف، وطلبت الإسعاف بصوت ثابت زي الحديد. وفي نفس الوقت، مسكت الموبايل وبعتّ رسالة سريعة لأستاذ يحيى: “الورق الأوريجينال المطبوع بروشتات وأختام المستشفى القديمة معايا في مكان محدش يعرفه… استعد.”

أنا ماكنتش غبية. الفلاشة اللي مع هالة كانت مجرد طُعم، أما الأصول اللي فيها ختم الدكتور ورقم التشغيلة الطبي، فكنت شايلاها في أمانات بنك من اليوم الأول.

وصلت الإسعاف ونقلنا عمر على العناية المركزة في مستشفى حكومي عام بعيد تماماً عن سلطة المستشفى الاستثماري. الدكتور هناك قالي إن حالته حرج جداً والوقت بينفد، ونسب الأكسجين في دمه بتنزل.

وقفت في طرقة المستشفى الحكومي، وبصيت لنفسي في المراية. هدومي كانت متوسخة بدم عمر، وشي شاحب من قلة النوم وشقا الشيفتات الليلية، بس عينيا كان فيها بريق مرعب. كلمت صحفي شاب كنت اتعرفت عليه أثناء شغلي، وحكيتله القصة كاملة بالدلائل.

الساعة 9 الصبح، وفي الوقت اللي كان مجلس إدارة المستشفى فاكر إنهم خنقونا تماماً، نزل بث مباشر على كبرى الصفحات والمواقع الإخبارية.

ظهرت فيه بدم عمر اللي على هدومي، ومسكت الأوراق الأصلية المدايميت بأختام رئيس قسم الأورام نفسه، وعرضت صور الأدوية والجرعات القاتلة، وقلت كلمتين هزوا السوشيال ميديا:

— “أنا سلمى… اشتغلت بالليل وسهرت شهور علشان أدفع ثمن علاج جوزي، واكتشفت في الآخر إن الفلوس دي كانت بتدفع ثمن الجرعات اللي  بغلطة طبية وبيحاولوا يغطوا عليها بالنفوذ. لو عمر مات النهاردة، فالمستشفى دي هي .”

خلال ساعتين بس، الفيديو اتحول لتريند أول في مصر. الشارع  غضب، والجمهور بدأ يتجمع قدام المستشفى الاستثماري.

الرد الحكومي جيه زي الصاعقة. وزارة الصحة فتحت تحقيق عاجل ومكثف، والنيابة العامة أمرت بالتفتيش الفوري على أرشيف المستشفى والتحفظ على الأجهزة. الدكتورة هالة أُفرج عنها فوراً بضمان محل إقامتها بعد ما التقرير الأصلي أثبت صحة كلامها، واتقبض على رئيس قسم الأورام ومدير المستشفى بتهمة الإهمال الطبي الجسيم والتزوير في أوراق رسمية والابتزاز.

تحت ضغط الرأي العام والتحقيقات، النيابة أمرت بالحجز على أموال المستشفى لحساب علاج عمر، ووزارة الصحة نسقت فوراً ونقلت عمر على نفقة الدولة بأجهزة إخلاء طبي جوي متطورة لمستشفى متخصص في ألمانيا.

سافرنا ألمانيا بعد أسبوع واحد.

هناك، الأطباء خاضوا معركة ثانية لا تقل شراسة. عمر دخل العمليات، وقضى 14 ساعة كاملة في جراحة زراعة كلى متزامنة مع ترميم ودعامة دقيقة للصمام المتأثر في القلب.

كنت قاعد قدام غرفة العمليات في شوارع ميونخ، نفس القعدة اللي قعدتها في القاهرة، بس المرة دي ماكنتش بعيط من الخوف… كنت بدعي وثابته.

خرج الدكتور الألماني، خلع الكمامة، وابتسم قائلًا بالإنجليزية:

— “زوجك بطل… العملية نجحت، والجسم بدأ يستجيب للكلى الجديدة والقلب مستقر.”

دخلت له بعد ما فاق بأيام. كان وشه بدأ يرد فيه اللون، والنفس بيرجع طبيعي من غير أجهزة. مسك إيدي، والمرة دي ما كانش في عينيه كذب ولا تمثيل ولا هروب… كان فيها حب نقي وامتنان يغطي الكون.

دمعت عينيه وقال بصوت واطي:

— سامحيني يا سلمى… كنت فاكر إني بحميكي لما أبعدك.

ابتسمت، ومسحت دموعه وقلتله:

— أنت حميتني بوجودك في حياتي يا عمر… وإحنا اللي بنحارب سوى، وبنكسب سوى.

عدت السنين، وجرح الماضي اتدمد. عمر رجع صحته كاملة، والقضاء جاب لنا كل حقنا والتعويضات اللي أمنت حياتنا. والنهاردة، وأنا قاعدة جنب عمر في بيتنا، وبنفرج على ابننا الصغير وهو بيلعب قدامنا… بفتكر اللحظة اللي الدكتور شدني فيها على جنب وقالي “في حاجة لازم تعرفيها”، وبتأكد إن الحب الحقيقي مش بس إننا نقف جنب بعض في الفرح… الحب هو إننا ندخل الحرب سوا ونطلع منها منتصرين.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى