منوعات

حكايات زهره 1

حمايا بعد ما توفى كتب كل ورثه لاولاده الصبيان ، ومسابليش اي حاجه ليا ولا لمراتي، من يومها وانا مخنوق من مراتي ومش طايقها و بعاملها بجفا وكنت مستغرب انها بتستحمل ، بس اللي حصل بعدها ب ٣ شهور خلاني فهمت سر سكوتها وفهمت اني غلطت غلطة عمري!!!

دعاء مراتي مكانتش جميلة الجمال اللي يخطف العين، ولا أصغر مني في السن، دي كانت أكبر مني بسنة ولا سنتين، بس كل ده مكانش فارق معايا.. أنا كنت شايف اللي ورا دعاء.. كنت شايف ابوها اللي رجله والقبر، القعيد اللي قاعد على ملايين وأطيان وعقارات متلتلة. كنت بقول لنفسي: “اصبر ياض كلها كم شهر والخميرة دي كلها هتتفتح، وساعتها تعوض كل السنين العجاف دي”.
​وفضلت مستني، لحد ما اليوم الموعود جه.. حمايا مات.
​يوم العزا كنت واقف اخد عزاه وأنا من جوايا برقص، مستني اللحظة اللي نقعد فيها ونفتح التركة. وبعد العزا بجمعة، اتجمعنا عشان كل واحد يعرف اللي ليه.. المحامي طلع الورق، وقرأ الوصية وإعلام الوراثة.
​وهنا كانت الصدمة اللي نزلت عليا زي التلج في عز الشتا ​الراجل كاتب كل أملاكه، من أول المتر في الأرض لحد آخر جنيه في البنك، لأولاده التلاتة الصبيان! ودعاء؟ ملهاش أي حاجة.. صفر! ملهاش ولا مليم ولا شبر ولا حتى أي حاجة تتذكر!
​أنا ساعتها عقلي طار، الدم ضرب في نفوخي ومقدرتش أمسك نفسي. وقفت وزعقت في وسطهم : “يعني إيه؟! أبوكم مفرق وظالم! كاتب كل حاجة للصبيان وحارم بنته؟! ربنا مش هيسيب الحق، وأبوكم ده إن شاء الله يتحرق في نار جهنم على الظلم ده!”.
​الجو اتكهرب في ثانية. إخواتها الصبيان عينيهم أحمرت، وأكبرهم قام ونزل عليا وكان هيضربني لولا الناس مسكوه، وزعقوا فيا: “أنت بتدعي على أبونا بسانك الزفر ده…. دي فلوس أبونا وهو حر فيها، ودعاء مراتي بدل ما تقف معايا ولا تدافع عن حقها، لقيتها بصالي بعينين مليانة كسرة ودموع وتقولي بصوت مخنوق: “عيب يا محمود.. ده أبويا الله يرحمه، متدعيش عليه أرجوك”.سابت حقها وكل اللي فرق معاها محدش يدعي على ابوها
​رجعت البيت يومها زي المجنون.. حاسس إني اتخدعت، إن السنين اللي قضيتها معاها راحت بلاش، إن البضاعة اللي اشتريتها طلعت مغشوشة!
​ومن اليوم ده، حياتي مع دعاء اتحولت لجحيم بايدي أنا.
​بقيت أعاملها بجفا، مببصلهاش حتى، وكل كلمة والتانية أذلها.. أقولها في وشها من غير رحمة: “أنتِ فاكرة نفسك ست؟ أنتِ بواقي ستات! أنا لما اتجوزتك قلت يمكن أطلع بأي حاجة من الخميرة اللي هيسيبها أبوكي، بس أهو أبوكي نفسه كان عارف قيمتك وشايف إنك متستاهليش حتى المليم!”.
​كانت تسمع الكلمة من هنا، وعينيها تدمع في صمت، وتروح على أوضة العيال، تحضنهم وتنام في وسطهم عشان تستخبى من لساني وقسوتي.
​حتى أهلي لما عرفوا إن أبوها كتب كل حاجة للصبيان ومسابلهاش حاجة، اتقلبوا عليها ١٨٠ درجة. أمي بقت تعاملها زي الخادمة في البيت، تشيلها الشغل فوق طاقتها وتسمعها كلام مسموم ليل ونهار، وانا كنت بوصي أمي وأختي يضغطوا عليها أكتر وأكتر، ويزودوا الإهانة.. كنت فاكر إني لما أضيق عليها العيشة وأخلي حياتها قرف، هتروح تتصعبن لإخواتها الصبيان وتشكي لهم، فيحسوا على دمهم ويدوها حتة من التركة أو يراضوها بأي حاجة أطلع أنا بيها!
​بس العجيب إنها كانت مستحملة.. راضية وساكتة. تنزل تخدم في بيت أهلي، تطبخ وتكنس، وتستحمل إهاناتي وشتائمي كل ليلة، وتروح تنام في حضن عيالها وهي بتبكي في السر. أنا كنت هتجنن! السكوت ده سره إيه؟ إيه الصبر الأيوبي اللي هي فيه ده؟ معقولة مكسورة للدرجة دي؟ ولا معندهاش كرامة خالص؟
​وفضلت المأساة دي شغالة لمدة ٣ شهور كاملين.. ٣ شهور وأنا بنقطها سم كل يوم، وأهلي نازلين فيها طحن، وهي زي الشمعة بتدوب في صمت ومبتفتحش بقها بكلمة ولا بتشتكي لإخواتها ولا بتقول أه.
​لحد بعد مرور ٣ شهور على وفاة حمايا بالتمام والكمال.
​كنا قاعدين في الصالة، والجو كئيب كالعادة، وأنا كنت لسه مسمعها كلمتين يهدوا الجبال قبلها بساعة. وفجأة، الباب خبط!
​..
​قمت فتحت واتصدمت بشخص غريب على الباب….يومها فهمت دعاء كانت ساكتة كل ده ليه. وفهمت اني غلطت غلطة عمري اللي مش هعرف أصلحها!!!!

فوجئت بشخص غريب وافق أمام الباب، راجل ببدلة أنيقة وفي إيده شنطة جلد سوداء، وملامحه جادة جداً. قبل ما أنطق بكلمة، لقيته بيسأل بصوت هادي ورسمي: “ده منزل الأستاذة دعاء؟”
قلت له وأنا بستغرب وببصله من فوق لتحت: “أيوة هي.. أنت مين وعايز إيه؟”
الراجل طلع كارت من جيبه وهز رأسه وقال: “أنا الأستاذ عادل، مستشار قانوني ومحامي الأستاذ المرحوم والدها، ومعايا تبليغ رسمي وإجراءات قانونية تخصها هي شخصياً ولازم أقعد معاها.”
أنا أول ما سمعت كلمة “مستشار قانوني لوالدها” الدم جرى في عروقي، وعقلي ضرب فيه ألف فكرة وفكرة. جيت أرحب بيه وأقوله اتفضل، لقيت إخواتها التلاتة الصبيان طالعين وراه على السلم! ووجوههم مكشرة وشكلهم يقطع الخميرة من البيت، وكان باين عليهم التوتر والارتباك بشكل غير طبيعي.
دخلوا كلهم الصالة، ودعاء خرجت من أوضتها ودموعها لسه مجفتش من الإهانة اللي كنت مسمعهالها من ساعة. أول ما شافت إخواتها والمحامي، وقفت مكانها ومصدمتش ولا اتفاجئت، بل بالعكس.. رأيتها لأول مرة بتبص لإخواتها بثبات وبنظرة هادية وغريبة جداً، نظرة خالية تماماً من الكسرة اللي كنت بشوفها كل يوم!
المحامي قعد فتح شنطته وطلع منها مجموعة أوراق ومظروف كبير مقفول بالشمع الأحمر، وقال بصوت هز السكون اللي في الأوضة:
“طبعاً حضراتكم عارفين إن المرحوم قبل وفاته بـ 6 شهور، كتب كل العقارات والأطيان والأموال المسجلة باسمه لأولاده الذكور بيع وشراء، ودعاء مكانش باسمها أي حاجة في إعلام الوراثة.. لكن اللي محدش يعرفه، ولا حتى أنتم يا أساتذة، إن الحج الله يرحمه جالي مكتبي لوحده من غير ما حد يدري، وكتب عقد أمانة ووصية واجبة النفاذ، وسجل باسم دعاء أصول وثروة مش ملموسة في الأوراق العادية!”
أنا وقفت من طولي، وعينايا كانت هتنط من مكانها، وقلت بلهفة وشره: “أصول إيه وثروة إيه؟! مش أنتم قلتم ملهاش حاجة؟!”
المحامي بصل بقرف من أسلوبي، وبعدين كمل كلامه وهو بيفتح المظروف: “المرحوم كان عارف كويس قوي إنكم كإخوة هتاكلوا حقها، وكان عارف كمان يا أستاذ محمود إنك متجوزها عشان طمعان في ورثها ومستني موته.. الحج قالها لي بالحرف: ‘أنا اختبرت جوزها وإخواتها.. إخواتها أكلوا طمع، وجوزها هيستغلها.. عشان كده أنا همنع عنها كل حاجة ظاهرية، وهسيب لها اللي يضمن حقها وحق عيالها بعيد عن طمع جوزها وظلم إخواتها’.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى