منوعات

حكايات زهره 1

المحامي طلع أوراق رسمية وشهادات استثمار وعقود محلات تجارية وشركات مسجلة باسم “دعاء” فقط لا غير، وبشرط جزائي لا يخر منه المية، محصنة قانونياً بحيث لا يحق للزوج التصرف فيها أو الإشراف عليها بأي شكل من الأشكال، ولا يحق لإخواتها الطعن عليها لأنها مسجلة كـ “هبة وتنازل نهائي” قبل الوفاة ومودعة في صندوق أمانات بنكي مغلق لا يفتح إلا بعد وفاة الأب بـ 3 شهور بالتمام والكمال!
المحامي كمل وقرأ القيمة المالية للثروة دي.. الرقم كان أضعاف أضعاف اللي أخدوه الصبيان! الأب كان شايل لبنته الوحيدة صفوة أملاكه، الشركات اللي بتطلع أرباح شهرية خيالية، والودائع المغلقة اللي فوائدها تعدل ميزانية دول، وكل ده باسم “دعاء” لوحدها!
إخواتها اتجننوا وقاموا يزعقوا للمحامي: “إزاي ده يحصل؟! ده تزوير! أبويا كاتب لنا كل حاجة!”
المحامي رد عليهم ببرود: “العقود مسجلة بالشهر العقاري وبصمة والدكم عليها، ومعايا فيديو متسجل لوالدكم وهو بيشرح أسبابه وبيعترف بكامل قواه العقلية.. ولو حابين نرفع قضايا، اتفضلوا، بس هتدفعوا مصاريف القضية خسارة لأن الورق مية في المية سليم.”
إخواتها بصوا لدعاء بغل، وبدأوا يحاولوا يكلموها بالحسنى ويتمسكنوا: “يا دعاء.. إحنا إخواتك، معقول أبوكي يعمل فينا كده؟ إحنا لازم نعدل التركة دي بينا بالعدل!”
هنا دعاء اتكلمت.. وبصوت هادي جداً، بس كل كلمة كانت نازلة زي المرزبة على دماغي ودماغ إخواتها. بصت لإخواتها وقالت: “لما أبويا مات وانتم طردتوني وجرّدتوني من كل حاجة، وجوزي وقف يدعي على أبويا في وسطكم، أنتم عملتم إيه؟ أكلتم حقي وسكتوا وقلتم دي فلوس أبونا وهو حر فيها! دلوقتي فاكرين إننا إخوة؟ الورق ده ورق أبويا، واللي عمله أبويا هو اللي يمشي.”
إخواتها خرجوا من البيت وهم بيشتموا ويهددوا، وقفلوا الباب وراهم بعنف.
أنا بقيت واقف في نص الصالة، جثتي بتترعش، ريقي ناشف، وحاسس إن الدنيا بتدور بيا. الخميرة اللي كنت مستنيها طلعت موجودة، وبين إيديها، وبأرقام أنا عمري ما حلمت أملك ربعها!
قربت منها وأنا بحاول أبتسم، وبحاول أصلح اللي هدمته، ونبرة صوتي اتغيرت 180 درجة من الجفا للرجاء: “دعاء.. يا حبيبتي.. والله أنا كنت عارف إن أبوش راجل طيب وميمكنش يظلمك.. أنا أسف يا دعاء، أنا كنت مضغوط الفترة اللي فاتت ومكنتش فاهم، والظروف هي اللي كانت جرحاني.. الحمد لله إن حقك رجعلك يا أم عيالي، إحنا دلوقتي هنفتح صفحة جديدة ونـ…”
دعاء قطعت كلامي بنظرة عمري ما هنسى شكلها في حياتي.. نظرة خالية من أي مشاعر، لا فيها كره ولا حب ولا حتى عتاب. نظرة حد بيبص لشيء ملوش أي قيمة.
بصت للمحامي وقالت له بكل ثبات: “يا أستاذ عادل.. اتفضل أخرج العقود الثانية اللي أنا وطلبتها منك.”
المحامي طلع ورق جديد من شنطته، ودعاء مسكت القلم وبصتلي وقالت:
“أنت كنت مستغرب أنا ساكتة ليه طول الـ 3 شهور اللي فاتوا؟ كنت فاكرني مكسورة عشان الفلوس؟ ولا عشان إهاناتك أنت وأمك وأختك؟
أنا كنت ساكتة لأن أبويا الله يرحمه، قبل ما يموت، قالها لي في أذني: ‘يا دعاء.. أنا هسيب لك حظك مقفول عليه 3 شهور بعد موتي.. الـ 3 شهور دول هما اللي هيوريكي وش جوزك الحقيقي وأهله.. لو صانك وحميكي وأنتِ مفيش في إيدك حاجة، يبقى يستهلك ويستاهل يعيش معاكي في النعيم.. لكن لو باعك وأهانك ورخصك لما افتكرك فقيرة، يبقى تاخدي حقك وتخلعيه وترميه بره حياتك’.”
أنا ركبتني العفرتة، حسيت إن سقف البيت بيقع عليا، وقلت بصوت مخنوق وبيترعش: “دعاء! أنتِ بتقولي إيه؟! خُلع إيه؟! إحنا بينا عيال! أنا جوزك!”
دعاء ابتسمت ابتسامة وجع سخرية وقالت: “عيالي؟ عيالي اللي كنت بدخل أستخبى في حضنهم من شتايمك ولسانك؟ عيالي اللي كنت بتخليني أنزل أخدم أمك كإني خدامة عشان تضغط عليا؟ أنت قولتلي إني ‘بواقي ستات’.. وأنا دلوقتي بعرفك إن البواقي دي هي اللي هترميك.”
دعاء وقعت على ورقة قضية الخُلع والإنذار بالطرد من الشقة اللي طلعت هي كمان من ضمن الأصول المسجلة باسمها!
المحامي أخد الأوراق، ودعاء بصتلي وقالت ببرود قاتل: “أمامك 24 ساعة تفضي الشقة وتطلع منها بهدومك بس.. الشقة دي باسمي، وفلوس أبويا مش هتشوف منها ملغوم واحد.. أنت وأهلك ورتوني وشكم الحقيقي لما فكرتم إني ضعيفة، ودا الوقت اللي تشوفوا فيه وشي وأنا باخد حقي بالقانون.”
أنا وقفت متسمر مكاني، لساني اتعقد، ومش قادر أستوعب إن الجشع والطمع والافتراء اللي عشت فيه 3 شهور، دمروا مستقبلي وحياتي في ثانية واحدة.. وعرفت إن السكوت اللي كنت فاكره ضعف، كان مجرد الهدوء اللي بيسبق الإعصار اللي هيدمرني!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى