روايات وقصص

حكايات زهره 2

وقفت في نص الصالة مش قادر أتحرك ولا أنطق بكلمة.. الأرض كانت بتلف بيا، والورق اللي في إيد المحامي كان زي  اللي بتني بالبطيء. بصيت لدعاء وأنا مش مصدق إن دي نفس الست اللي كانت من كام ساعة بتعيط في الصمت وتستخبى في  العيال عشان تهرب من قسوتي!
المحامي أخد الأوراق اللي دعاء وقعت عليها، حطها في شنطته بكل برود، وقام وقف وقال بصوت رسمي: “أستاذ محمود.. الإخطار بالطرد ودعوى الخلع هيوصلوك رسمياً بكره الصبح، لكن أستاذة دعاء من كرمها مدياك مهلة 24 ساعة تفضي  وتطلع بشنطة  الشخصية بس.. أي حاجة تانية في  مسجلة بالفواتير باسم والدها الله يرحمه، ولو حاولت تاخد حاجة مش بتاعتك هتبقى قضية سرقة.”
خرج المحامي وقفل الباب وراه، وساب هدوء في البيت.. هدوء أتقل من كل الإهانات اللي وجهتها لها طول التلات شهور اللي فاتوا.
قربت منها، وركبي بتخبط في بعضها، نزلت لمستوى مشاعري الدنيئة وبدأت أتمسكن وأترجاها: “دعاء.. عشان خاطر الأيام اللي بينا، عشان خاطر العيال! أنا اتعميت..  دخل بينا، والله العظيم كنت بحبك بس الفلوس والظروف عمتني! اديني فرصة واحدة أثبتلك فيها إني اتغيرت.. اعتبريني غلطت وسامحيني، الله غفور رحيم!”
دعاء بصلتي بنظرة جافة، مفيهاش حتى نبرة غضب، وقالت ببرود : “الله غفور رحيم.. بس أنا مش ربنا يا محمود عشان أسامحك على إهانة كرامتي نفسي. أنت مكنتش مغمى عليك، أنت كنت شايف كل حاجة وبتقولها بوعيك.. أنت قولتلي إني بواقي ستات، ووصيت أمك وأختك يذلوني.. أنت مكنتش متجوزني أنا، أنت كنت متجوز ‘الخميرة’ اللي فاكر أبويا سايبهالي.. ودلوقتي الفلوس موجودة، بس أنت بره المعادلة.”
لفّت ضهرها وسابتني ومشيت ناحية أوضة العيال، وقبل ما تقفل الباب بصتلي وقالت: “الساعة دلوقتي 8 بالليل.. بكرة الساعة 8 بالليل لو لقيتك هنا، هطلب البليس وأعملك محضر عدم تعرض وطرد للغصب.. الـ 24 ساعة بدأوا.”
قفلت الباب، وأنا فضلت واقف في الصالة زي المجنون.. خرجت تجري على بيت أهلي، دخلت عليهم وأنا وشي أصفر وبتنفس بصعوبة. أمي وأختي أول ما شافوني بالمنظر ده اتخضوا: “مالك يا محمود؟ في إيه؟ الست دي عملت فيك إيه؟”
حكيت لهم كل اللي حصل.. حكيت عن المحامي، والعقود، والشركات، والودائع، وعن وصية حمايا اللي اختبرنا بيها التلات شهور دول، وعن قضية الخلع وإخطار الطرد!
أمي وقفت على : “يا مري! يعوض علينا ربنا! يعني كل الثروة دي باسمها هي؟ وأبوها كان عامل اللعبة دي عشان يختبرنا؟!”
أختي اتجننت وقالت: “إيه الافتراء ده؟! وهي فاكرة نفسها إيه؟ دي تطول تتجوزك أصلاً؟! قوم نرجع  ونكسر رأسها، هي مش حيلتها غير شوية ورق، أنت راجل البيت!”
أمي ردت عليها بعصبية: “اسكتي أنتِ مش فاهمة حاجة! المحامي متفق معاها والورق سليم بالشهر العقاري وبصمة أبوها.. لو روحنا نعمل مشاكل هتدخلنا السجن! وبعدين دي بقت قاعدة على أطيان وشركات، إحنا لو خسرناها أملنا في الدنيا ضاع!”
أمي لفت ليا ونبرة صوتها اتغيرت تماماً من القسوة للتمسكن والتوسل: “يا محمود يا ابني.. أنت لازم تروح تبوس إيديها ورجليها! روح هاتها من شعرها بالرضا، أتعفرت، أتمسكن، قولها أمي كانت خرفانة وأختك كانت غيورة.. المهم ترجعها لعصمتك! الفلوس دي لو راحت من إيدنا مش هنشوفها تاني طول عمرنا!”
نزلت من عند أهلي وأنا حاسس بال.. أهلي اللي كانوا بيساعدوني أذلها، هما نفسهم اللي بيطلبوا مني دلوقتي أترجاها وأتمرغ تحت رجليها عشان الفلوس!
قضيت الليل بطوله بلف في الشوارع زي المجذوب، مش عارف أعمل إيه.. كل كلمة إهانة قيلتها لها كانت بترجع تضرب في عقلي زي الصدى: “أنتِ بواقي ستات”، “أبوكي كان عارف قيمتك ومسابلهاش حاجة”.. كل كلمة كانت سهم بيرد في صدري دلوقتي.
لما الصبح طلع، جمعت كل شجاعتي المتبقية ورجعت الشقة.. فتحت الباب بالراحة، لقيتها قاعدة في الصالة ولابسة هدوم الخروج، وحاطة شنطة هدومي الشخصية جنب الباب!
أول ما شافتني، بصت في ساعتها وقالت: “فاضل ساعتين على المهلة.. كتر خيرك إنك جيت تاخد شنطتك بنفسك عشان ماتترميش في الشارع.”
جربت أعمل أخر محاولة.. وقعت على ركبي قدامها، والدموع نزلت من عيني لأول مرة في حياتي قدام ست: “عشان خاطر الولاد يا دعاء.. سامحيني، أنا مستعد أكون خدام تحت رجليكي، مش عايز مليم من فلوسك، بس سيبيني أعيش معاكي ومع عيالي.. بلاش تخربي بيتنا!”
دعاء وقفت وبصتلي من فوق لتحت وقالت بنبرة صلبة زي الحديد: “البيت ده أنت اللي خربته بأيدك من يوم ما طمعت في ورث أبويا، ومن يوم ما هنتني ورخصتني قدام أهلك.. أنا مش بخرب البيت، أنا بنضفه من الظلم والافتراء. الولاد هيشوفوك في مواعيد الرؤية بالقانون، وغير كده مفيش أي رابط بيني وبينك.”
في اللحظة دي، الباب خبط.. فتحت، لقيت إثنين عمال ومعاهم المحامي بتاعها.. العمال دخلوا وبدأوا يغيروا كالون الباب قدام عيني!
المحامي بصل وقال: “أستاذ محمود.. المهلة قربت تخلص، اتفضل خد شنطتك واخرج بالمعروف بدل ما نطلب الشرطة.”
أخدت شنطة هدومي، وبصيت لدعاء أخر بصة.. كانت واقفة شامخة، ضهرها مفرود، وعينيها مليانة قوة عمرها ما كانت فيها زمان. خرجت وقفلوا الباب ورايا، وسمعت صوت الكالون الجديد وهو بيتقفل.. قفلة نهائية لصفحة كاملة من حياتي.
نزلت الشارع بشنطة هدومي، لا حيلتي بيت ولا فلوس ولا زوجة.. أهلي استقبلوني في البيت بوجوه كئيبة ومظلمة، وأمي أول ما شافتني بشنطتي  وقالت: “ضيعتها من إيدك يا خايب! ضيعت الملايين والشركات بلسانك الزفر!”
اتحولت حياتي لصحراء قاحلة.. أصحى كل يوم على حسرة الخسران، وأصوات الإهانات اللي وجهتها لها بتطاردني في نومي وصحياني. عرفت إن حمايا الله يرحمه عمل أكبر ملعوبة في حياته، ملعوبة كشفت النفوس الرخيصة، وحمت بنته من طمع إخواتها وقسوة جوزها.
لكن الأحداث مفيفتش عند النقطة دي.. بعد شهرين من طردي وقضية الخلع، اكتشفت إن إخواتها الصبيان مش ساكتين، وكانوا بيبصوا لثروة اختهم بغيره وغل أكبر بكتير من اللي كان عندي.. وفي يوم جالي اتصال غير متوقع تماماً من أكبر إخواتها، وبيقولي بصوت مليان شر: “محمود.. تعالى أقعد معانا، إحنا محتاجينك في خطة نرجع بيها حقنا وحقك من دعاء!”
مسكت التليفون وأنا بتنفس بصعوبة، صوت أخوها الكبير “مجدي” كان مليان غل وشر وهو بيكرر كلامه: “هستناك في قعدة رجالة الليلة.. بلاش عبط يا محمود، دعاء طارت منك ومننا وكلنا طالعين من المولد ببلح، لكن لو حطينا إيدنا في إيد بعض، الملايين دي كلها هتتفتح وتتقسم علينا بالتساوي.”
سفقت التليفون وأنا متردد، قلبي كان مقسوم نصين؛ نص جائع للفلوس والتعويض عن الذل اللي باكل فيه كل يوم في بيت أمي، ونص تاني مرعوب من اللي ممكن يحصل. طلعت لأمي وأختي وحكيت لهم، أمي عينها لمعت وقالت بانتهازية: “انزل يا محمود وشوف ناويين على إيه! يمكن ربنا يجعل جلاهم على إيدك وتطلع لك بحتة من التركة، دي فلوس ملايين يا ابني، ولو مقدرتش ترجعها بالمعروف، تاخدها بالذراع!”
نزلت في الميعاد المظبوط ولقيت إخواتها التلاتة قاعدين في مخزن قديم بتاع والدها، وشوشهم كانت مظلمة وعينيهم زايغة. مجدي حط قدامي كاس شاي وقال بابتسامة صفرا: “شفت يا محمود؟ الست اللي أنت كنت فاكرها هفأ وعبيطة، طلعت  من أبوها.. ضحكت علينا كلنا وأخدت الجمل بما حمل، ورمتك مرمية الكلاب وأحنا سابتنا بنحسد روحنا. بس اللي أبوها عمله ده فيه تلعّب وثغرات.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى