روايات وقصص

حكايات زهره 2

سألته وأنا  بيترعش من التوتر: “ثغرات إيه؟ المحامي بتاعها قال الورق سليم مية في المية ومبصوم بالشهر العقاري ومحمي.”
أخوها الصغير رد بغل: “الورق سليم لما يكون الأب بكامل قواه العقلية! إحنا متفقين مع دكتور ونفساني هيكتبوا تقرير طبي مبصوم بتاريخ قديم، يثبت إن أبويا في أخر 6 شهور كان عنده ألزهايمر وفاMonthly غايب عن الوعي، وإن دعاء استغلت مرضه وضغطت عليه عشان يكتب لها التنازلات دي في السر! وبكده نرفع قضية حجر ونسقط عقود الهبة، والتركة كلها ترجع للوراثة وتتقسم شرعاً.. وأنت طبعاً هتشهد معانا في المحكمة!”
بصيت ليهم بحيرة وقلت: “وأنا شهادتي هتفرق في إيه؟ إحنا خلاص اتخلعنا والعلاقة انقطعت!”
مجدي قرب مني وحط إيده على كتفي بنبرة مسمومة: “شهادك هي أساس القضية يا محمود! أنت كنت عايش معاهم في نفس البيت وشفته قبل ما يموت، هتشهد أمام القاضي إن الأب كان خرفان وما بيعرفش حد، وإن دعاء كانت بتمنع عنه الأكل والدوا لحد ما وقعته على الأوراق.. وفي مقابل الشهادة دي، أول ما نكسب القضية ونلغي عقودها، هنديك 5 مليون جنيه كاش حلال عليك، غير إننا هنرجع لك عيالك وتحسرها عليهم وعلى عزها!”
الرقم “5 مليون جنيه” نزل على ودني زي . فضلت ساكت والعرق نازل من وشي. عقلي البدائي بدأ يحسبها: لو شهدت زور، هاخد ملايين وأنتقم لنفسي ولكرامتي اللي أتهانت تحت رجليها، وأرجع أقف على رجلي وأحسر دعاء على كل لحظة طردتني فيها وأهانتني قدام المحامي والعمال!
وافقتهم واتفقنا على كل التفاصيل، وأخدت منهم عربون عشان أربط نفسي معاهم في الخطة.
وعلى مدار أسبوعين، كانت دعاء بتكبر ثروتها، فتحت الشركات، وشغلت المحلات، ونقلت عيالي لمدارس دولية راقية، وعاشت في النعيم اللي كنت بحلم بيه طول عمري.. بينما أنا وإخواتها بنحفر لها الحفرة في الضلمة.
وجاء اليوم الموعود.. المحكمة!
دعاء حضرة بالبدلة الرسمية ومعاها المحامي بتاعها، هادية وشامخة، وجمبها عيالي لابسين أنضف لبس. أول ما شافتني داخل القاعة مع إخواتها، عينيها جات في عيني.. نظرة خيبة أمل جديدة، كأنها بتقولي: “كنت فاكراك قاسي وطماع بس، طلعت كمان خاين وبتبيع ضميرك!”
القاضي بدأ الجلسة، والمحامي بتاع إخواتها قدم التقارير الطبية المزورة ودعاني للشهادة كشاهد إثبات رئيسي.
وقفت في المنصة، حطيت إيدي على المصحف وحلفت أقول الحق.. بصيت للقاضي، وبعدين بصيت لدعاء اللي كانت بتبصلي بجمود مرعب، وبصيت لإخواتها اللي كانوا بيهزوا راسهم ليا عشان أقول الكلام المتفق عليه.
الريق جف في زوري، صوابعي كانت بتترعش وأنا ماسك طرف المنصة.. لحظة فاصلة بين إني أبيع دنيا وأخرة عشان 5 مليون جنيه وأدمر ست كل ذنبها إنها كشفت حقارتي، أو إني…
القاضي بصل بصرامة وقال: “قول شهادتك يا أستاذ محمود.. هل المرحوم والد زوجتك كان بكامل قواه العقلية وقت كتابة العقود؟ وهل شهدت أي استغلال من  لوالدها؟”
القاعة كلها سكتت، الكل كان مستني كلمتي اللي هتحدد مصير الملايين دي كلها.. تنفس عميق خرج من صدري، وجات لحظة الحقيقة اللي غيرت كل الموازين!
سادت القاعة برودة مرعبة، الهوا تقريباً اتسحب من المكان وكل العيون اتسمرت عليا. إخواتها الثلاثة كانوا بيبصولي بنظرات كلها تهديد ووعيد، وبيشاوروا لي بعينيهم عشان أنطق الكلام المتفق عليه، والمحامي بتاعهم واقف مستعد يكتب الانتصار. وفي الناحية التانية، دعاء كانت قاعدة بثبات، بتبصلي بنفس النظرة الهادية الصافية، خالية تماماً من الخوف.. كأنها كانت متأكدة إن الخسيس مش هيجيب غير خسس، ومستنية تشوف القاع اللي هأوصل له.
القاضي كرر سؤاله بنبرة أشد صرامة، وضغط بصوته على القاعة: “انطق يا أستاذ محمود.. حطيت إيدك على كتاب الله، قول شهادتك وسيب الحق يظهر!”
في اللحظة دي، شريط حياتي كلها عدى قدام عيني في ثانية واحدة. افتكرت نفسي وأنا واقف أهانها وأقولها “بواقي ستات”.. افتكرت أمي وأختي وهما بيذلوها وتستحمل عشان تدعي لأبوها.. افتكرت فلوس الرشوة والأربعة مليون جنيه اللي طمعان فيها.. وافتكرت وقفتي قدام ربنا بكرة وأنا شايل في رقبتي شهادة زور هتدخلني جهنم وبئس المصير.
جسمي اتنفض، العرق نزل على وشي زي المية، وبصيت للقاضي بصوت عالٍ هز زوايا القاعة:
“لا يا سيادة القاضي! الأستاذ الراجل ده كان في كامل قواه العقلية لحد أخر لحظة في عمره! التقارير دي مزورة، وإخواتها هما اللي جابوني وادوني عربون عشان أشهد زور وأتبلى على مراتي السابقة وأقول إن أبوها كان خرفان عشان ياكلوا حقها!”
القاعة اتكهربت في ثانية! صرخات وضجة هزت المكان، مجدي أخوها الكبير قام من مكانه وهو بيزعق وبيشتمني بأبشع الألفاظ، وكان هيطب عليا في منصة الشهادة لولا الأمن مسكه بالعافية وأمر القاضي بتحرير محضر إهانة هيئة المحكمة ومحاولة التأثير على شاهد!
كملت كلامي وأنا دموعي نازلة ومش قادر أوقفها، وبصيت للقاضي وقلت: “أنا ظلمت الست دي يا سيادة القاضي، هنتها ورخصتها عشان الطمع، وأبوها الله يرحمه كان سيد العارفين وسيد الرجال.. حماها مني ومن إخواتها الأندال، وعمل اللعبة دي عشان يكشف رخصنا كلنا.. أنا مستعد لأي عقوبة، بس مش هشيل ذنبها ولا هقابل ربنا بفلوس حرام!”
القاضي بالمطرقة بغضب شديد، وأمر بإحالة التقارير الطبية للنيابة العامة للتحقيق في التزوير، وإحالة إخواتها التلاتة للنيابة بتهمة محاولة التزوير واستعمال محرر مزور ورشوة شاهد! وفي نفس الجلسة، أصدر القاضي حكماً باتاً برفض الدعوى وتثبيت ملكية دعاء لكل الأصول والعقارات المذكورة في وصية والدها.
خرجت من القاعة وأنا حاسس إن جبل كان مقتول على صدري وانزاح، رغم إني عارف إن حياتي اتدمرت، بس على الأقل نضفت نفسي من الوسخ الأخير.
وأنا طالع على سلم المحكمة، سمعت خطوات ورايا.. لفت لقيت دعاء واقفة، ولأول مرة من 5 شهور بشوف ابتسامة خفيفة وصافية على وشها. قربت مني، والمحامي بتاعها واقف بعيد، وقالت بصوت هادي: “عارف يا محمود؟ أنت النهارده عملت أول حاجة صح في حياتك من يوم ما عرفتك.”
بصيت للأرض من الخجل وقلت لها: “أنا مش طالب منك تسامحيني يا دعاء.. أنا عارف إني أذيتك  بما فيه الكفاية، والشهادة دي مش عشان ترجعيلي، الشهادة دي عشان أعرف أنام وأنا مش حاسس إني أحقر بني آدم على الأرض.. سامحيني على كل كلمة قيلتهالك.”
دعاء بصت للسما ونزلت عينها في عيني وقالت: “أنا سامحتك لله.. مش عشانك، عشان عيالي ميعيشوش وأبوهم مطرود من رحمة ربنا وساقط في شهادة زور. أبويا الله يرحمه كان عنده حق لما قال: ‘الراجل المشبعانش أصل، الفلوس تعميه.. والراجل ابن الأصول، الشدة بتنضفه’. أنت اختارت تنضف نفسك في أخر لحظة، وده يكفيني.”
سابتني ومشيت.. طلعت من باب المحكمة لـ عربية فارهة كانت مستنياها، ومعاها عيالي اللي كانوا بيشاوروا لها بفخر، ومشت في طريقها نحو المستقبل النظيف اللي بنته بصبرها وكرامتها.
أما أنا.. فرجعت لبيت أمي بشنطة هدومي. أمي أول ما عرفت إني شهدت بالحق وعطلت الخطة، صرخت في وشي وطردتني من البيت وقالتلي: “يا خايب الرجاء! ضيعت الملايين وضيعت فرصة العمر!”.
بقيت في الشارع.. لا بيت، ولا زوجة، ولا أهلي عاوزيني. اشتغلت شغلتين وتلاتة عشان أعرف أأجر  صغيرة وأصرف على نفسي وعلى ولادي في مصاريف نفقتهم اللي بقيت بدفعها بانتظام وبكل رضا.
الحكمة:
مرت الأيام والسنوات، وعرفت إن الحكمة اللي سابهالي حمايا الله يرحمه ودعاء بصبرها كانت درس عمري:
* الطيبون لا يُهزمون، وإنما يختبرهم الله: السكوت لم يكن يوماً دليلاً على الضعف أو هوان الكرامة، بل كان صبراً جميلاً وتفويضاً للأمر إلى الله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
* الطمع يقل ما جمع: الظلم أسرع الذنوب عقاباً في الدنيا قبل الآخرة. الفلوس التي تُبنى على حقوق النساء والظلم هي جمر ينقلب ناعماً ليحرق صاحبه.
* معدن الإنسان يظهر في الأزمات: الست الأصيلة لا تُشرى بالمال ولا تُكسر بالإهانة، والراجل الحق هو من يصون زوجه في فقرها قبل غناها.
أنا خسرت كل حاجة مادية، بس كسبت إني فهمت الدرس قبل ما أقابل ربنا.. واليوم، كل ما بشوف عيالي كبروا وبيدرسوا في أحسن المدارس تحت رعاية أمهم الشامخة، ببتسم وأقول: “الحمد لله الذي حفظ دعاء من جشعي، وحفظني من شهادة الزور”.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى