روايات وقصص

حكايات رومانى مكرم 1

انا موظفة ولمّا بقيت مديرة بنك، حماتي وسلفتي عملوا مصيبة. صحيت على ريحة شياط وصوت قماش بيتمزق.
لثوانٍ فضلت متخشبة في سريري، فاكرة نفسي في كابوس، لحد ما قمت ولقيت رماد على تسريحة أوضتي. حماتي، “زينات هانم”، وسلفتي “كاميليا”، كانوا واقفين قدام دولابي. زينات ماسكة مقص ضخم، وكاميليا واقفة وراها بتساعدها وتفرز هدومي وهي مبتسمة بانتصار. ملامحهم مكنش فيها ذرة ندم، بالعكس.. كانوا بيبصولي بشماتة.

“بتعملوا إيه؟” همست بصوت مهزوز.
ردت زينات ببرود وهي بترمي آخر بدلة رسمية مقصوصة على الأرض: “برجعك لحجمك الطبيعي. لو عايزة تفضلي على ذمة ابني، بكرة الصبح هتروحي تقدمي استقالتك، وتقعدي في البيت تتعلمي إزاي تكوني ست وتخدمينا.”
وكملت كاميليا بنبرة هادئة: “معلش يا نادين.. أصل مش معقول تفضلي راكبة رأسك وعاملة فيها المديرة الكبيرة وأنا وأخت جوزك نخدم في البيت وأنتي جاية تتأمري علينا. الشغل ده هو اللي طغّاكِ.”
من كام ساعة بس، كنت واقفة في القاعة الرئيسية لمجلس إدارة البنك وسط كبار المصرفيين بيسقفولي. بعد ١٨ سنة من الشغل، تقييم مخاطر الائتمان، وإدارة الصفقات المليارية، بقيت أصغر مديرة إقليمية لأكبر بنك استثماري في مصر. كان رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية بنفسه بيسلم عليّا كارنيه الترقية الجديد. لأول مرة من سنين، رجعت بيتي وأنا مصدقة إن كل تعبي كان ليه تمن.
ودلوقتي، كارت النادي وكارنيه الهيئة بيتحرقوا، وبدلي الرسمية تتقطع قدام عيني.
“إنتوا حرقتوا ورقي وقطعتوا هدومي وأنا نايمة؟” قلتها وأنا بحاول أسيطر على رجفة صوتي.
زينات ربعت إيديها: “إنتي فاكرة إن المنصب ده بيعملك قيمة؟ الست مكانها بيتها، مش ماشية تدي أوامر للرجالة.”
صوتنا صحى “شريف” جوزي. دخل الأوضة وهو بيفرك في عينه، بص للهدوم المتقطعة، وبقايا الكارنيه المحروق، والمقص اللي في إيد أمه، وكاميليا اللي واقفة.
“ماما وكاميليا مزودينها شوية في القص،” تمتم ببرود.
بصتله بذهول: “ده كل اللي عندك تقوله؟”
هز كتافه: “إنتي اتغيرتي من ساعة ما مسكتي قطاع الائتمان. مابنشوفكيش، دايماً اجتماعات، سفريات، ومسؤوليات. نسيتي إن ليكي جوز له حقوق.”
“أنا اللي بدفع كل مليم في البيت ده بقالي ٥ سنين!” رديت بحسم.
أنا اللي كنت بدفع إيجار الشقة، فواتير الكهربا، مصاريف البيت، قسط عربيته، مصاريف علاج أمه، وحتى الشقة والالتزامات اللي كاميليا وجوزها كانوا بيستقرضوها مني بحجة الظروف. شريف كان شغال محاسب في شركة صغيرة، ورغم كده كان دايماً مقتنع إنه المسؤول الأول عن البيت.
“يعني أنا أستاهل ده؟” سألته.
“الهدوم بتتعوض،” قالها وملامحه قسيت فجأة. “بس البيوت مابتتبنيش على ست ترفض طاعة جوزها.”
الجملة دي كانت نقطة النهاية لجوازنا.
كاميليا ابتسمت بشماتة وغمزت لحماتي: “بكرة الصبح تستقيلي يا نادين.. مفيش بنوك تاني، ومن بكره تنزلي المطبخ معايا.”
ماردتش. دخلت لميت كل الهدوم المتقطعة وبقايا الورق المحروق في كيس بلاستيك ورميته. بصيتلهم وابتسمت بهدوء: “عندكم حق. إنتوا أقنعتوني. بكرة الصبح، أنا هفضي نفسي تماماً للبيت وللعيلة دي.”
زينات ارتاحت فوراً: “أخيراً عقلتي.”
عمرهم ما خدوا بالهم من الهدوء اللي كان في صوتي. بصفتي خبيرة في إدارة المخاطر، أنا متعودة أتعامل مع الأزمات بدم بارد.
بعدها بكام ساعة، وهما غرقانين في النوم، فتحت اللاب توب بتاعي:

لغيت كل الكروت البنكية الإضافية اللي كنت مطلعاها لشريف وأمه وكاميليا.

مسحت أسمائهم من حساباتي المشتركة.

حولت كل مدخراتي لحساب سري جديد في بنك منافس.

وقفت كل الدفعات التلقائية لأقساط عربية شريف وفواتير البيت.

كلمت المحامي بتاعي، وبعت رسالة لصاحب العمارة بلغه إني هسيب الشقة بكرة والمفتاح هيكون مع البواب.

بلغت شركة نقل عفش تيجي الفجر تاخد كل قطعة أثاث أنا شاريها بفلوسي.
كل حاجة كانت قانونية.
كل حاجة كانت متوثقة.
كل حاجة كانت نهائية.
مع طلوع الفجر، لبست طقم كاجوال عادي، وطلعت بدل فاقد من أوراقي الرسمية وخطوط الائتمان كنت شايلاها في خزنة البنك. شريف وزينات وكاميليا كانوا لسه نايمين، فاكرين إني رايحة أقدم استقالتي.
بدل ده، أنا كنت في طريقي لمقر البنك الرئيسي لاستلام منصبي الجديد كمديرة للإقليم. ولما يصحوا على رسايل رفض الكروت البنكية، والعربية اللي هتتسحب بسبب الأقساط المتأخرة، والشقة الفاضية اللي لازم يخلوها النهارده، هيفهموا أخيراً إيه اللي بيحصل.
وأنا بقفل باب الشقة ورايا للأبد، شاشة موبايلي نورت برسالة من المحامي بتاعي.
فتحتها، قريت أول سطر، واكتشفت إن شريف وزينات وكاميليا كانوا مخبيين سر.. مشكلة قانونية ومالية خطيرة.
المحامي كتبلي: “يا نادين هانم.. شريف وأمه وكاميليا واخدين تسهيل بنكي بقيمة ٥ مليون جنيه بضمان الشقة، والأقساط متأخرة والبنك هيتحفظ على كل أملاكهم خلال ٤٨ ساعة.”
ابتسمت، وحطيت الموبايل في جبي، ومشيت.
ترى هيحصل إيه لما يصحوا كمان ساعة وما يلاقوش غير أربع حيطان فاضية، وكروت بنكية ملغية؟
المعركة بدأت.. والمرة دي، الحساب هيتدفع بالكامل.
وفتحت الرسالة تاني، وبصيت لعقود القروض.. الإمضا مظبوطة بتقنية عالية، بس الغباء المصرفي بتاعهم هو اللي وقعهم. هما كفلوا التسهيل بضمان عقد الشقة المفروش، ورخص عربية شريف، وأسهم وهمية، والشركة اللي بيعملوا منها التسهيل كانت ملك جوز كاميليا! يعني شبكة كاملة واستغلال اسمي وصفتي المصرفية في السوق عشان التسهيل يعدي.
المحامي كمل في رسالة تانية: “نادين هانم، البنك الصادر منه التسهيل هو بنك استثماري منافس، وطالبين الحجز التحفظي.”
رديت ببرود وثبات: “سيب الإجراءات تاخد مجراها القانوني تماماً. بلاش أي تدخل.. سيب البنك يتحرك ضدهم كمتعثرين، وهما هيتفاجئوا إن الضامن والاسم الصوري ملوش أي رصيد يتحفظ عليه.”
الساعة ٨ الصبح، كنت قاعدة في مكتبي الجديد في الدور الأخير من المقر الرئيسي. المكتب بإطلالة بانورامية على النيل، الكارنيه الذهبي الجديد بالصفة الرسمية “مدير إقليمي لقطاع مخاطر الائتمان” محطوط قدامي، وقهوتي الساخنة في إيدي.
فجأة، موبايلي بدأ يرن.
الاسم على الشاشة: “شريف”.
سيبته يرن لحد ما فصل. رن تاني، وتالت، ورابع. بعدها بدأت توصل رسايل:
“نادين إنتي فين؟ العفش فين؟!”
“إنتي عملتي إيه؟ أستاذ مجدي بيقول العمال نزلوا كل حاجة الفجر!”
وبعد نص ساعة، جاني الاتصال اللي كنت مستنياه.. كاميليا.
رديت بمنتهى الهدوء: “ألو؟”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى