روايات وقصص

حكايات رومانى مكرم 1

صوت كاميليا كان طالع متقطع ومفزوع: “نادين! إنتي عملتي إيه؟ إحنا صحينا لقينا الشقة مفيهاش حاجة! الكروت كلها مرفوضة في السوبرماركت! وشريف نازل تليفونه مقفول والمشتريات مرفوضة!”
قلت لها بصوت هادي: “أنا مغلطتش يا كاميليا. مش إنتوا قولتوا لي إني أرجع لحجمي الطبيعي وأقعد في البيت؟ أنا فضيت البيت خلاص عشان تقعدوا ترتاحوا.”
دخل شريف على الخط، أخد الموبايل من كاميليا وكان صوته بيترعش من الغضب والذهول: “نادين! إنتي اتجننتي؟ عربيتي اتسحبت من تحت العمارة دلوقتي! بتوع شركة التمويل جم ومعاهم الونش! إزاي تلغي الدفع المباشر والأقساط؟”
رديت عليه بابتسامة: “أنا المديرة الإقليمية للائتمان يا شريف. وأول درس في الائتمان: العملاء اللي ملهمش غطاء مالي بيتقفل حسابهم فوراً. العفش عفشي ورجعته، الشقة إيجارها باسمي وفسخت العقد مع صاحب العمارة، وعربيتك أقساطها كانت بتتدفع من حسابي، ولما الدفع وقف.. الشركة سحبت ضمانها.”
صوت زينات هانم ظهر في الخلفية بتصرخ: “يا بنتي بتطردينا في الشارع؟ ده أنا هشتكيكي!”
قاطعتها ببرود: “تعالي يا زينات هانم.. تعالي المقر الرئيسي. بس يا ريت تيجي قبل ما مباحث الأموال العامة ومندوب البنك المنافس يوصلوا لكم. أصل ٥ مليون جنيه قروض دي قضية كبيرة وتسهيل استيلاء على أموال.”
الخط سكت تماماً.
الذهول والصدمة جمدت ألسنتهم.
شريف قال بصوت مبحوح ومكسور: “إنتي.. إنتي عرفتي إزاي؟”
نادين: “أنا شغلتي في الحياة هي تقييم المخاطر وكشف الحسابات. إنت وأمك وكاميليا افتكرتوا إنكم باللي عملتوه ده هتكسروني.. مكنتوش تعرفوا إنكم شلتوا الحماية الوحيدة اللي كانت حامياكم. أنا كنت بغطي على ديونكم، ودلوقتي.. الحساب اتفصل.”
كاميليا صرخت في التليفون وهي بتبكي: “نادين أرجوكي! جوزي ميعرفش حاجة هو مضى بس على الأوراق! إحنا هنروح في داهية! البنك بعتلنا إنذار.. الحقينَا أرجوكي.. ادفعي الأقساط المتأخرة أو اعملي تسوية باسمك!”
ضحكت بصوت واطي: “تسوية باسمي؟ على قروض مزورة؟ لا يا كاميليا.. أنا دلوقتي رايحة اجتماع مجلس الإدارة، ومعايا محامي البنك بتاعنا عشان نرفع غطاء الحماية عن أي تعاملات مالية شريف كان بيحاول يعملها باسمي. قدامكم بالضبط ٤٨ ساعة.. يا تدفعوا الـ ٥ مليون، يا تتحملوا المسؤولية القانونية.”
قفلت الخط في وشهم، وحطيت الموبايل على الديسك.
بعد ساعة واحدة، كنت واقفة في قاعة الاجتماعات الكبرى بتكلم عن استراتيجية البنك الجديدة في إدارة القروض المتعثرة وتقليل نسبة المخاطر. كلامي كان حاسم، وكل نظرة من رؤسائي كانت بتأكد إن منصبي ده حصن مانع.
وبينما أنا بعرض التقرير على الشاشة الكبيرة، الموبايل على الطاولة نور برسالة جديدة من المحامي:
“نادين هانم.. شريف وزينات وكاميليا راحوا للبنك المنافس يحاولوا يترجوا مدير الفرع، ولما اتكشف الأمر رسمياً، البنك أبلغ الجهات المختصة فوراً. هما حالياً محتجزين للتحقيق، وشريف بيحاول يتصل بيكي وبيقول إن معاه سر ثاني عن أهل جوز كاميليا.”
بصيت لشاشة الموبايل، وطفيت الشاشة بهدوء. كملت عرض استراتيجية المخاطر أمام أعضاء مجلس الإدارة وكأن مفيش أي حاجة حاصلة. الثبات الانفعالي اللي دربت نفسي عليه على مدار ١٨ سنة هو اللي كان بيحركني دلوقتي.
بعد ما انتهى الاجتماع، رجعت مكتبي. رفعت سماعة التليفون وكلمت المحامي: “أستاذ هشام.. شريف محتجز دلوقتي؟”
هشام: “أيوه يا نادين هانم. هو وزينات هانم وكاميليا. الجهات المختصة باشرت التحقيق بناءً على بلاغ البنك. شريف منهار في التحقيق، وبيترجاني أتدخل، وبيقول إنه مستعد يعترف بكل حاجة عن الشبكة اللي ورا كاميليا وجوزها مقابل إنك تسحبي البلاغ.”
سألت بصوت هادي: “إيه السر اللي بيقول عليه؟”
هشام: “بيقول إن كاميليا وجوزها استخدموا أوراق ومستندات خاصة بشركات وهمية مسجلينها ببطاقتك القديمة اللي كانت في الشقة، وبيغسلوا أموال.. وشريف كان مجرد الواجهة اللي بوقع وبتمشي الأوراق.”
ابتسمت بسخرية وقبل ما أرد، مكتب السكرتارية بلغني إن في زيارة غير متوقعة في الاستقبال.
“مين يا سارة؟”
سارة: “واحد اسمه الأستاذ طارق الألفي، بيعرف نفسه إنه الممثل القانوني لمجموعة شركات.. ومصرّ يقابل حضرتك لأمر عاجل يخص التحقيقات.”
طارق الألفي.. جوز كاميليا، العقل المدبر اللي كان مستخفي ورا الستات وجوز أخته.
قلت لسارة: “دخليه.”
دخل طارق المكتب، ملامحه كانت شاحبة. أول ما الباب اتقفل، قال: “أهلاً يا نادين هانم.. أظن دلوقتي عرفتي حجم المشكلة، وأنا جاي أقترح عليكي حل ينقذ كل الأطراف.”
شاورِتله يقعد، وما قمتش من على كرسيي: “اتفضل قول يا أستاذ طارق.. كلي آذان صاغية.”
طارق قعد بقلق: “بصي يا نادين، شريف وغباء أمه وكاميليا هيدوا الكل في داهية. القرض الـ ٥ مليون ده كان مجرد بداية لصفقة أكبر.. والبطاقة الضريبية باسمك.”
نادين ببرود: “وأنا إيه يربطني بصفقاتكم؟”
طارق قرب من المكتب ووطى صوته: “يربطك إن المستندات الرسمية المعتمدة باسمك أنتِ! لو القضية كبرت، اسمك هيدخل في التحقيقات، وسمعتك المصرفية ومنصبك الجديد ده هيروحوا في داهية!”
بصيتله بعيون سردت كل خبرتي في إدارة المخاطر. طارق كان فاكر إنه بيعمل عليا ضغط، ميعرفش إنه بيلعب مع الشخص الصح.
فتحت درج المكتب، طلعت ملف أسود صغير وحطيته قدامه على الطاولة.
طالعني بذهول: “إيه ده؟”
قلتله بنبرة حادة وواثقة: “ده الملف الكامل لشركتك الوهمية يا طارق. الملف ده أنا جمعته في ٤٨ ساعة بفضل شبكة علاقاتي. كل شحنة دخلت، كل تحويل مالي مشبوه، وكل حساب تلاعبت فيه باسمي بدون علمي.. متوثق هنا بالتواريخ وأرقام الحسابات.”
طارق اتسعت عينيه ووشه اصفرّ: “أنتِ.. أنتِ كنتِ عارفة؟”
نادين: “أنا مديرة مخاطر يا طارق. أول ما شريف بدأ يطلب مني مبالغ كبيرة، بدأت أتبع الخيط. كنت مستنية اللحظة اللي تتحركوا فيها رسمي عشان أرد ضربتي. أنت افتكرت إن زينات وكاميليا وشريف بيستغلوني.. بس حقيقتهم إنهم كانوا مجرد طُعم في فخ أنا اللي نصبته لكم.”
وقفت من على الكرسي: “الآن، البلاغ مش مجرد قرض بـ ٥ مليون.. البلاغ تحول لتهمة تشكيل عصابي للتزوير وغسيل الأموال. والضباط بره باب البنك مستنيين إشارتي عشان يقبضوا عليك.”
طارق قام وهو بيصرخ وبيرتعش: “أنتِ مجنونة! أنتِ كده بترميهم كلهم في السجن! جوزك وأمه وأخت جوزك!”
ابتسمت ببرود: “جوزك اللي اتفرج على هدومي وهي بتتعدم وشاركت أمه في إهانتي؟ وأمه اللي كانت عايشة على خيري؟ وأخت جوزك اللي كانت بتضحك؟ هما اختاروا حربهم.. وأنا اخترت طريقة إنهائها.”
في اللحظة دي، تلفون طارق رن. فتح السبيكر وهو إيديه بترتعش.
صوت المحامي بتاعه طالع مفزوع: “طارق بيه! الشرطة داهمت مخازن الشركة وعثروا على الشحنات والأوراق المزورة! وشريف اعترف بكل حاجة وأقر إنك أنت ومادام كاميليا العقل المدبر!”
طارق اسودت الدنيا في وشّه، الموبايل وقع من إيده على السجاد.
بصيت لسارة ولقيتها بتفتح الباب ووراها أفراد أمن البنك مع ضباط المباحث. الضابط قرب منه وقال بصرامة: “طارق الألفي؟ مطلوب القبض عليك بقرار من الجهات المختصة.”
ولما خرجوا بيه، التليفون رن تاني.
المرادي كانت زينات هانم بتتصل، صوتها كان مكسور: “نادين.. يا بنتي! الحقينَا! إحنا محبوسين وشريف ابني منهار وكاميليا أغمى عليها! أرجوكي يا نادين سامحينا! تعالي اسحبي البلاغ!”
رديت عليها بصوت هادي وحاسم: “يا زينات هانم.. مش أنتِ اللي قولتي لي امبارح إن الست مكانها بيتها؟ اديكي في المكان المناسب. القانون مابتعرفش كلمة ‘سامحينا’.. بتعرف بس الحسابات المقفولة والديون.”
قفلت السكة في وشها تماماً، وعملت حظر للرقم.
حطيت الموبايل في جيب جاكيت البدلة الرسمية، رفعت راسي، ومشيت في الممر الطويل للمقر الرئيسي وسط احترام وترحيب كل الموظفين والقيادات.
بس وأنا بفتح باب عربيتي الجديدة تحت مبنى البنك، لقيت ظرف أسود مقفول محطوط على المساحات.. فتحته وقريت الورقة اللي جواه:
“فاكرة إنك قفلتي الحساب يا نادين؟ طارق وشريف مجرد بيادق.. الحساب الحقيقي لسه بيبدأ.”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى