
بعد المشهد اللي حصل في معرض الكتاب ونظرة الانكسار والندم اللي سابت عيون طليقي وهو بيمشي وسط الزحام، حسيت إن صفحة الماضي اتقفلت بشكل نهائي وبلا رجعة. مبقاش جوه قلبي أي مكان لا للزعل ولا للعاتب، وبقت روحي خفيفة وطيّرة، كأن القيود اللي كنت مكتفة نفسي بيها سنين طويلة اتفكت دفعة واحدة.
رجعت لبيتي اللي بقى بينطق سعادة وأمان وسلام داخلي. الأولاد كانوا بيجروا حواليا في الصالة وهم ماسكين نسخ من الرواية اللي اتترجمت وبقوا يشوفوا صور ماما في كل مكان بفخر عمرهم ما حلموا بيه. قعدنا كلنا على السفرة ناكل لقمة هادية وبسيطة، من غير ضيوف مفاجئة، ومن غير قلق من بكرة، ومن غير ذل ولا إهانة. حسيت ساعتها إن نعمة الاستقرار النفسي دي لا تقدر بثمن، وإن ربنا لما بياخد حاجة بيكتب بعدها عوض مبيخطرش على بال بشر.
الأيام اللي بعد كده كانت عبارة عن شريط نجاحات متلاحقة. دار النشر عرضت عليا تحويل الرواية لسيناريو مسلسل تلفزيوني كبير يشارك في السباق الدرامي القادم، وفعلاً بدأت جلسات العمل مع كبار المخرجين وكتنوا بينبهروا بطريقتي في سرد التفاصيل وإدارتي للأحداث الدرامية كأني بكتب عن وجع حقيقي عيشته بكل تفاصيله — وده فعلاً اللي حصل. اسمي بقى يتذكر في كل المحافل الثقافية والفنية، وبقيت وجهة لكل ست بتدور على قوتها وسط صدمات الحياة.
في وسط الزحمة دي كلها، وشغلي المستمر على مشروعي الأدبي الجديد، جاني يوم اتصال غير متوقع من رقم دولي. ترددت ثواني قبل ما أفتح، بس فتحت ولقيت صوت ناعم وهادئ لواحدة بتقدم نفسها على أنها زوجة طليقي الجديدة!
اتصدمت في الأول، بس كملت سماعها بكل هدوء وثبات. قالت لي بصوت مكسور وفيه نبرة عياط: “أنا عارفه إنك ممكن تقفلي السكة في وشي، بس مكنش قدامي حد غيرك أكلمه. هو اتغير تماماً.. بعد ما شاف نجاحك وجنون الناس بيكِ، بقى عصبي، طول الوقت بيقارن بيني وبينك، وبيشتمني وبيقولي إني ولا حاجة جنبك، وحاول يضربني امبارح عشان قلت له كلمة مش عاجباه.. أنا مطلوبة مني أخد بالي من عيالي بس مش قادعة أتحمله، وقولت أكلمك عشان أعرف إزاي قدرتي تقفي على رجلك وتكسري كل ده؟”
سكتُّ لحظات، وبصيت من شباك بيتي على السما الصافية، وحمدت ربنا في سرّي إن النجاة كانت من نصيبي. رديت عليها بصوت هادئ ومحترم وخالي من أي شماتة: “يا بنتي، الراجل اللي ميعرفش يقدر الست اللي صوته في غيابه، ومبيحترمش كرامتها، مستحيل يتغير عشاني ولا عشانه. أنا مقفتش على رجلي بفلوس ولا بمساعدة حد، أنا قمت بكرامتي وإرادتي لما عرفت قيمتي الحقيقية. انصحي لنفسك، واطلبي حقك، ومتقبليش أبدًا تبقي رخيصة في حياة حد ما يعرفش يعني ايه أصول.”
قفلت السكة معاها، وحست بإن الدائرة اتقفلت على حكاية طليقي تمامًا، وإن الإنسان اللي مبيتعلمش من أخطائه بيفضل داير في نفس الساقية لحد ما يقع لوحده.
مرت سنة كاملة، كنت فيها حققت كل أحلامي وأكتر. ولادي دخلوا أفضل المدارس بتفوق، وبقيت أنا كاتبة مشهورة ليها اسمها ووزنها وثقلها في سوق الأدب والنشر، والأهم من ده كله، إني بقيت ست بتنام بالليل وهي راضية عن نفسها، مرتاحة البال، مش خايفة من بكرة، وعارفة كويس قوي إن اللي يملك إرادته وكرامته، يقدر يفرش الورد حتى في عز الشوك.
مرت الشهور بسرعة، وكأن الأيام بتجري عشان تثبت لي إن الحياة بتبتسم من جديد للناس اللي بتجرؤ تختار نفسها. مسلسل الرواية نزل في الموسم الدرامي وحقق نجاح مذهل ومدوي، ومبقاش فيه بيت في مصر ولا في الوطن العربي إلا وبيحكي عن قصة الست اللي قدرت تحول وجعها ودموعها لطاقة نجاح وقوة. كنت بشوف اسمي مكتوب على تتر المسلسل بحروف من نور، وكنت ببتسم وأنا بفتكر أول ليلة كتبت فيها على الدفتر القديم: “البداية الحقيقية.. من غير ذل ولا تنازل”.
في يوم من الأيام، وأنا قاعدة في مكتبي الهادي براجع مسودة روايتي الجديدة اللي بتناقش قضايا الاستقلال النفسي والمادي للمرأة، جاني إشعار على تليفوني من تطبيق البنك بفيد بوجود تحويل مالي ضخم جداً. استغربت وفتحت التفاصيل عشان أكتشف إن ده جزء من أرباح حقوق الملكية الفكرية للمسلسل وترجمة الرواية عالمياً. بصيت للأرقام الكبيرة دي، وابتسمت بهدوء، مش عشان الفلوس في حد ذاتها، ولكن عشان تذكرة بالفرق الهائل بين يوم ما كنت ببيع دهبي عشان أكفي بيت أهله وبين اليوم ده اللي بقيت فيه مالكة لقراري ومالي ومستقبلي بجهدي وتعبي.
ولادي كبروا وبقوا شباب صغيرين واعيين ومتربيين صح. في يوم، ابني الكبير دخل عليّا المكتب وقعد قدامي بابتسامة فخورة وقال لي: “ماما، أنا جالي قبول في منحة دراسية برا مصر في جامعة محترمة جداً، بس كنت خايف أقولك عشان عارف إني هسيبك فترة.. بس رجعت فكرت، لقيت إن أمي هي الإنسانة الوحيدة في الدنيا اللي هتشجعني أنجح وماتخافش.”
حضنته بقوة ودموع الفخر نزلت من عيوني وقلت له: “سافر يا حبيبي، وحقق كل أحلامك. طول ما أنا هنا جنبك وبروحي معاك، متخافش من أي حاجة. أنا ربيتك على الشجاعة وإن الواحد ما يتنازلش عن حلمه أبداً.”
بعد سفر ابني بفترة قصيرة، وفي وسط انشغالي بندوات توقيع الكتب واللقاءات الثقافية اللي بقت جزء أساسي من يومياتي، ظهر في حياتي شخص جديد خالص؛ راجل محترم، مثقف، راقي في تعامله، وكاتب وباحث كبير في مجال الفلسفة وعلم النفس. تعرفت عليه صدفة في إحدى الندوات الكبرى اللي كنت بحاضر فيها، ومن أول لحظة حصل بينا تقارب فكري وروحي عجيب.
كان بيتعامل معايا باحترام مبالغ فيه وتقدير حقيقي لنجاحي وشخصيتي، عمري ما حسيت معاه بأي نوع من الاستخفاف أو التقليل. في البداية، كنت حذرة جداً وخايفة أدخل أي تجربة عاطفية جديدة بعد جرح الماضي العميق، لكنه صبر عليّا واحتضن مخاوفي بكل حب وحنان، لحد ما حسيت إن قلبي بيبتدئ يدق من جديد بس بهدوء وسكينة تليق بناضجة عرفت قيمة نفسها كويس.




