روايات وقصص

العزومه حكايات رومانى مكرم 1

أخو جوزي.عزمنا على الفطار انهارده رحنا أنا وجوزي وولادي، وخدنا معانا علبة حلويات. أول ما دخلنا مراته قالت: “ليه جايبين حلويات؟ إحنا مانعين السكر.” جوزها أخدها من إيد جوزي وشكره، لكن هي كان واضح عليها إنها متضايقة شوية.

 

بعد شوية جه وقت تجهيز الفطار، فقمت أقول لها أساعدها، لكنها قالت إنها مش بتحب حد يدخل المطبخ.بتاعى بعد كده حسيت إن المفروض أساعدها فدخلت تاني، وفي اللحظة دي ابني شد العصير ووقع على الأرض.

هنا حصلت مشكلة كبيرة

كانت الساعة تقترب من أذان المغرب، والشوارع في القاهرة تضج بالحركة والزحام المعتاد في رمضان. كنت أجلس في السيارة بجانب زوجي “خالد”، وخلفنا أطفالنا يضحكون بحماس. كنا في طريقنا لتلبية دعوة “إسماعيل”، شقيق خالد الأكبر، على الإفطار.

رغم صلة القرابة، إلا أن علاقتي بـ “نجوى”، زوجة إسماعيل، كانت دائمًا يشوبها الحذر. هي امرأة تحب السيطرة، وتهتم بالتفاصيل لدرجة المرض. اشترينا علبة حلويات شرقية فاخرة من أحد المحلات الشهيرة، معتبرين أنها الهدية الأنسب لهذه المناسبة.

بمجرد أن فُتح الباب، وخطت أقدامنا الداخل، لم تكن الابتسامة هي أول ما استقبلنا، بل نظرة فاحصة من نجوى لعلبة الحلويات. وقبل أن ينطق خالد بكلمة ترحيب، قالت نجوى بحدة وجفاف: “ليه جايبين حلويات؟ إحنا مانعين السكر تمامًا في البيت ده، والولاد ماشيين على نظام غذائي صارم!” حكايات رومانى مكرم

ساد صمت محرج لثوانٍ، شعرت فيها برغبة في العودة من حيث أتيت. تدارك إسماعيل الموقف بسرعة، وتقدم بخطوات واسعة ليتناول العلبة من يد خالد وهو يبتسم بتكلف: “كتر خيركم يا جماعة، دي تنور السفرة، ما تشغلوش بالكم بكلام نجوى، هي بس خايفة على صحتنا زيادة.”

انسحبت نجوى نحو المطبخ وهي تبرطم بكلمات غير مفهومة. حاولت أنا أن أكون “بنت أصول”، فتركت حقيبتي ودخلت خلفها المطبخ قائلة بابتسامة هادئة: “أساعدك في حاجة يا نجوى؟ السفرة ماشاء الله محتاجة إيد كمان.”

التفتت إليّ وهي تمسك بسكين حاد وتقطع السلطة بعنف، وقالت دون أن تنظر لي: “محدش بيدخل مطبخي يا هند، أنا نظامي غير نظامك، ومش بحب حد يلخبط لي الدنيا.. اتفضلي ارتاحي مع جوزك.”

خرجت وأنا أشعر بالإهانة، لكنني ضغطت على أعصابي من أجل “صلة الرحم”. ومع اقتراب الأذان بـ 10 دقائق، شعرت بتأنيب الضمير؛ الأطباق كثيرة والروائح تشير إلى أصناف متعددة، فقلت لنفسي ربما كانت مضغوطة فقط. دخلت المطبخ مرة أخرى بـ “نية صافية” لأحمل دورق العصير وأضعه على السفرة.

حكايات رومانى مكرم

في تلك اللحظة، دخل ابني الصغير “ياسين” يركض خلف ابنة عمه، لم يرني وأنا أحمل الدورق الزجاجي الكبير المليء بعصير “الكركديه” المركز. اصطدم بي بقوة، فافلتت يدي، وهوى الدورق على الأرض لينفجر إلى ألف قطعة، ويتناثر العصير الأحمر القاني كأنه بركة من الدماء فوق سجاد المطبخ الأبيض “البيج” الذي تفتخر به نجوى دائمًا.

حكايات رومانى مكرم

توقف الزمن للحظة. صرخة نجوى خرقت جدران البيت وهي تنظر للسجادة ثم تنظر لي ولابني بعيون تشتعل غضبًا. لم تكتفِ بالصراخ، بل اندفعت نحو ياسين وجذبته من ذراعه بعنف وهي تصيح: “إنتوا جايين تخربوا البيت؟! إيه القرف ده؟!”

هنا، لم أتمالك نفسي. اندفعت نحوها وجذبت ابني من يدها، وارتفع صوتي لأول مرة في بيت سلفي: “سيبي الولد! السجادة تتغسل، لكن إيدك ما تلمسش ابني!”

دخل خالد وإسماعيل المطبخ على صوت الصياح، ليجدوا المنظر كارثيًا: عصير يغرق المكان، وشظايا زجاج في كل زاوية، ونجوى تنهار بالبكاء الهستيري وهي تشير إلى السجادة وتصرخ: “يا تطردهم من البيت دلوقتي يا إما مش هقعد فيها لحظة واحدة!”

#الكاتب_رومانى_مكرم

نظر إسماعيل لخالد بنظرة

انعقدت الحواجب وتسمرت الأقدام في أرض المطبخ، وكان الصمت الذي تلا تهديد نجوى أكثر ثقلاً من كل الصرخات التي سبقت. نظر إسماعيل إلى أخيه خالد بنظرة مزيجها الخجل الشديد والعجز، عينان تتوسلان الاعتذار وفي الوقت نفسه تحملان ثقل زوجة لا تعرف التنازل. كان العصير الأحمر يتسلل بين أرجاء السجاد الأبيض كأنه يبسط سيطرته على المساحة الفاصلة بين العائلتين، بينما كان ياسين يبكي بانتحاب مكتوم وهو يختبئ خلف ظهري، متمسكاً بطرف عباءتي بكل ما أوتي من قوة أطفال مرعوبين.

تنحنح خالد، وظهرت العروق في رقبته متأثرة بضغط الموقف. لم يكن ابني مجرد طفل أخطأ، بل كان كبرياء زوجي وكرامة بيته يوضعان على المحك أمامه في بيت أخيه الأكبر. خطى خالد خطوة للأمام، جاعلاً جسده حائلاً بيني وبين نجوى التي كانت تتنفس بصعوبة كأنها يخوض معركة حاسمة.

قال خالد بصوت حاد ولكن محاولاً التحكم في أعصابه: “إيه اللي بتقوليه ده يا مدام نجوى؟ تطردي مين؟ إحنا دخلنا بيتكوا بكرامتنا، والولد طفل لم يبلغ السابعة من عمره، ما عملش كده بقصد. السجادة هتتغسل أو تتجاب غيرها فوراً، لكن أسلوب المهانة ده مرفوض.”

ردت نجوى وهي تمسح دموعها بطريقة درامية وتستند إلى حافة الرخامة: “تتغسل؟ دي سجادة يدوية مستوردة بآلاف الجنيهات! وبعدين أنا قلت من الأول مش عايزة حد يدخل المطبخ، هانم جات وعاندت ودخلت برضه! إنتوا جايين تبوظوا عزومتي وفرحتي بلمة رمضان؟”

هنا تطلع إسماعيل إلى زوجته بغضب مكتوم، ورفع يده محاولاً تهدئتها: “بس يا نجوى! العيب مش عليهم، العيب عليا أنا اللي ساكتلك من الصبح. دي غلطة طفل، والعصير يروح وييجي، والمطبخ يتنضف. خالد أخويا ومراته وولاده على راسي من فوق، ومحدش هيخرج من البيت ده إلا وهو فاطر.”

لكن نجوى لم تستسلم، بل اشتعلت أكثر من مواقف زوجها الذي اعتبرته خذلاناً لها أمامنا. صرخت بصوت أعلى: “على راسك إنت! لكن على حساب نظافة بيتي ومشهودي؟ لو الموقف ده حصل في بيتهم كانت حالتهم هتكون إيه؟ أنا مش هطبخ ولا هحط لقمة في بوقي طول ما المكان ده كده، والناس دي هنا!”

كانت كلمة “الناس دي” هي القشة التي قطعت جهيزة كل أمل في الصلح. شعرت بدمائي تغلي، ونظرت إلى خالد الذي أومأ لي بنظرة فهمت مغزاها فوراً. لم نعد نتحمل هذا القدر من التقليل. مسكت يد ياسين ورفعت رأسي بثبات وقيلت: “إحنا آسفين على العصير، وآسفين إننا دخلنا بيتك يا نجوى. حقك علينا، والسجادة بكرة الصبح هيكون بدالها جديدة في بيتك، لكن كرامتنا وكرامة عيالنا أهم من أي فطار.”

انحنيت لأخذ حقيبتي من على الطاولة في الصالة، وبدأ أطفالي الآخرون بالبكاء من أثر التوتر السائد. حاول إسماعيل جاداً الإمساك بذراع خالد وهو يقول ونبرته تتوسل: “والله ما تحصل يا خالد! عشان خاطري أنا، دي ساعة أذان، الشوارع واقفة، تأكلوا لقمتكم والأمر يقضى.”

رد خالد وهو يرفع يده محتضناً كتف إسماعيل بنبل: “عشان خاطرك أنت يا إسماعيل إحنا مش هنكبر الموضوع أكتر من كده، بس القعدة هنا أصبحت غير مريحة للطرفين. مراتك مش قبلانا، وأنا عيالي مش هيعدوا دقيقة واحدة وهم حاسين إنه مرغوب عنهم أو إنهم سبب مشكلة. الأذان بيأذن، روح افطر مع مراتك، وإحنا ربنا متكفل بينا.”

صوت أذان المغرب ارتفع في تلك اللحظة بالذات من المسجد المجاور، يتردد صداه بين جدران الشقة المكتومة بالتوتر: “الله أكبر.. الله أكبر”. كان صوتاً يبعث على السكينة، لكنه زاد من وطأة الحزن في قلوبنا. كنا نتطلع لإفطار رمضاني دافئ ينتهي بنا المطاف مطرودين بكبرياء شريف في لحظة الإفطار.

خرجنا من الشقة، وصوت إسماعيل يرتفع بالنداء خلفنا على السلم وهو يحاول إقناعنا بالعودة، لكن خالد أغلق باب المصعد بصرامة، تاركاً شقيقه في مواجهة زوجته المتجهمة.

في السيارة، ساد صمت رهيب. لم ينطق أحد بكلمة. كانت الشوارع حولنا تخلو تدريجياً مع انطلاق الأذان، وأضواء الفوانيس المعلقة في حواري القاهرة تضيء الزجاج المظلم. تنفس ياسين الصعداء وهو يمسك بيدي ويقول بصوت خافت: “يا بابا، هو أنا كده زعلت ربنا عشان وقعت العصير؟”

التفت خالد إلى الخلف ابتسامة دافئة رغم الحزن العميق في عينيه، وقال: “لا يا حبيبي، إنت ما عملتش حاجة بقصد، وربنا عارف إنك طفل بتلعب. بس لازم نتعلم نكون أهدى في بيوت الناس.”

فتحت حقيبتي، ووجدت فيها بضع تمرات كانت المتبقية من زحام اليوم، وزعتها على الأطفال وعلى خالد. أفطرنا في السيارة على بضع تمرات وزجاجة ماء صغيرة من درج السيارة، في منتصف شارع جانبي بالقرب من منطقتنا. لم تكن هذه هي العزومة التي توقعناها، ولكن الهدوء الذي حل علينا بعد الخروج من ذلك البيت المسموم كان يسوى الدنيا بأسرها.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى