
ومشت أيام قليلة بعد الليلة دي، كأن البيت كله كان بيتنفس لأول مرة من سنين. رجعت الضحكة تدخل بيتنا، وبقيت أشوف أمي وهي شايلة ابني وبنتي على رجليها، بتدعي لنا بالستر والبركة، وكأن كل جرح قديم اتمسح من قلبها.
خالد كمان مكنش بيسيب البيت، وكان كل ما ييجي يبص في عيني بامتنان وخجل، لحد ما جه اليوم اللي حسيت فيه إن النقص اللي كان في حياتنا لازم يكتمل بطريقة صحيحة تريح ضمير الكل.
في يوم خميس، لقيت خالد جاي عندي البيت بعد العشا، ومعاه شنطة صغيرة، وملامح وجهه متبدلة بين التوتر والقلق.
قلتله باستغراب:
— خير يا خالد؟ في إيه تاني؟
قعد قدامي على الكنبة، وتنفس بعمق وقال:
— بص يا محمود.. أنا عارف إننا فتحنا صفحة جديدة، وإن أمنا سامحتنا، بس أنا نومي بقى مخاصم عيني من يوم الليلة اللي ظهرت فيها الورقة دي.
سألته بجدية:
— قصدك إيه؟ ما خلاص، الفلوس راحت وربنا يعوض، والمهم إننا مع بعض.
هز راسه بسرعة وقال:
— لا يا محمود، مش هقدر أكمل وأنا واكل حقك. الفلوس دي مش شوية قروش، دي تحويشة عمرك اللي شقيت فيها، وأنا مهما طال الزمن مش هقبل أبداً أكون سبب في إن أخويا الصغير يتظلم مني. أنا بعت العربية القديمة، وكلمت الشريك اللي في الشغل الجديد، وقدرت أجمع المبلغ كله.
طلع من جيبه شيك وورقة، وحطهم على الترابيزة قدامي وقال:
— دول تمن الفلوس بالكامل.. والله، أنا ما أرتاح غير لما تاخد حقك، عشان لما أقابل ربنا أبقى صافي.
بصيت للشيك، وبعدين بصيت لخالد اللي كانت عيناه مليانة صدق ورغبة حقيقية في التطهر من غلطته. حسيت بنغزة في قلبي.. تذكرت طفولتنا، ومين كان بياخد بايد مين واحنا صغيرين.
خدت الورقة، وقطعتها نصين قدام عينه، ورميتها في سلة المهملات!
خالد اتخض وقال بصوت عالي:
— إنت عملت إيه؟! دي فلوسك!
قمت من مكاني، وقفت قدامه، وحضنته بقوة وقلت بصوت حاسم:
— اسمعني كويس يا خالد.. فلوسي اللي ضاعت دي هي التمن اللي ربنا دفعه عشان يصحيني من الغرور والعند اللي كان عاميني. لو كنت خدت الفلوس دي تاني، كنت هحس إننا رجعنا لنقطة الصفر، وكأن ربنا ما علمنيش درس العمر. الفلوس دي راحت لستر أخويا، ودي أحسن تجارة ربحتها في حياتي كلها.
خالد دمع، وقال بصوت مخنوق:
— بس يا محمود…
قاطعته بابتسامة:
— مفيش بس. اعتبر الموضوع اتنسى، ومسألة الفلوس دي متتفتحش تاني بيننا أبدًا، اعتبرها هدية من أخوك الصغير اللي ربنا هداه.
في اللحظة دي، خرجت مراتي من المطبخ وهي ماسكة صينية الشاي، وبان على وشها ابتسامة واسعة وهي سامعة كلامي. حطت الصينية وقالت:
— والله يا محمود.. طول عمري عارفة إن جوز أبو عيالي راجل، بس النهاردة كبرت في نظري أكتر بكتير.
قعدنا التلاثة، ضحكنا واتكلمنا لأول مرة من سنين بطفاية هموم حقيقية، وحسيت ساعتها إن البيت بقى دافئ بطريقة متتوصفش.
بس.. الحكاية مخلصتش عند كده.
بعدها بشهر، وفي يوم جمعة، كنا متجمعين كلنا عند أمي كالعادة. الغداء كان مالي البيت برائحة الأكل الجميل اللي بنحبه، وولادي بيجروا ويلعبوا حوالين كرسي أمي اللي كانت بتضحك من قلبها.
فجأة، رن جرس الباب.
قمت أفتح، وأنا باصص في الباب باستغراب.. مين هيجيلنا النهاردة والكل متجمع جوه؟
فتحت الباب، ولقيت قدامي شخص غريب. راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة بسيطة، ووشه مألوف شوية كأني شفته في مكان قبل كده.
بص لي وقال بصوت هادئ:
— السلام عليكم.. محمود ابن الحاجة زينب؟
قلت باستغراب:
— وعليكم السلام.. أيوه أنا، مين حضرتك؟
مد إيده بشنطة جلد صغيرة وقال:
— أنا مهندس نبيل.. زميل قديم لخالد أخوك، وجاي لك في موضوع مهم يخص الوالدة ويهمكم كلكم.
قلبي رجع دق بسرعة.. إيه تاني؟ هو لسه فيه أسرار مستخبية؟!
بصيت ورايا لقيت خالد وأمي طلعوا على صوت الكلام، ومراتي وقفت في آخر الصالون وعنيها متعلقة بالراجل الغريب.
قلت بصوت ناشف:
— اتفضل.. ادخل.
دخل وقعد على الكنبة، وكلنا حواليه عيوننا متركزة عليه كأنه جيب بحقيقة تانية خالص.
فتح الشنطة، وطلع منها أوراق قديمة، وبص لأمي وقال:
— ازيك يا أم محمود.. زمان، من خمس سنين تقريبًا، جالي ابنك خالد وهو منهار، وطلب مني أساعده في الأزمة الكبيرة بتاعة الشركة.. وأنا ساعدته وقتها بجهد، بس اللي مكنش حد يعرفه، إن الوالدة الله يطول في عمرها، لما لقتش فلوس كفاية عشان تنقذ ابنها، عملت حاجة تانية غير اللي انتم تعرفوها!
كلنا بصينا لأمي بصدمة.
أمي بلعت ريقها وقالت بصوت مرتعش:
— إنت.. إنت بتقول إيه يا مهندس نبيل؟!
المهندس ابتسم بحزن وقال:
— أنا جيت النهاردة عشان أرد الأمانة لأهلها. يوم ما خالد جه عندي، الوالدة مجتش بس عشان تاخد فلوس محمود.. دي جابت معها عقد البيت القديم اللي ورثته عن أبوها، وعرضت رهنه أو بيعه عشان تسد ديون خالد.. وأنا رفضت آخد بيتها، بس اديتها مبلغ إضافي كقرض شخصي بضماني أنا، عشان أمنع خراب بيت ابنها.. والحمد لله، النهاردة، المشروع اللي دخلنا فيه زمان جاب أرباح خيالية، ونصيب أم محمود من الأرباح دي.. وصل المبلغ ده!




