
الرسالة اللي بعتتها سمر ما هزتش شعرة واحدة مني. مسحت الرقم وعملتله بلوك، وقررت إن حياتي القديمة بكل قذارتها اتدفنت لحظة ما دخلت أوضة العمليات. بعد أسبوع، خرجت من المستشفى ورجعت على بيت أهلي. جسمي كان لسه ضعيف، بس روحي كانت بترجعلي بالتدريج. أختي والمحامي كانوا شغالين على الملفات بكل قوة. اكتشفنا إن حسام ما اكتفاش بأنه ياخد من مرتبي لمصاريف البيت، ده كان بياخد كشوفات حسابه البنكي وبيزيف توقيعاتي على شيكات وسندات عشان يمول بيها الشقة التانية اللي كان قاعد فيها مع سمر، والتجارة الفاشلة اللي دخل فيها وخسر فيها كل حاجة.
في الوقت ده، كان الشارع اللي ساكنة فيه سمر بيشهد كل يوم خناقة جديدة. حسام بعد ما عرف إن البنت مش بنته، اتجنن. دخل شقتها وطردها هي والبنت بالهدوم اللي عليهم، ورفع عليها قضية زنا وإنكار نسب. سمر ما سكتتش، راحت قسم الشرطة وقدمت فيه بلاغات بمبالغ وإيصالات أمانة كان ماضيها على نفسه لما كانت ممشية كلامها عليه.
الإثنين كانوا بينهشوا في بعض زي الكلاب، وكل واحد فيهم بيحاول ينجو بنفسه على حساب التاني.
وفي يوم، وأنا قاعدة مع أختي والمحامي بنراجع الأوراق اللي هتنرفع في المحكمة، التليفون رن. كان رقم غربي بس الصوت كان معروف… كانت أم حسام.
الست اللي طول خمستاشر سنة كنت بعاملها زي أمي، وبشيل عنها وعن بيتها. كانت بتعيط بحرقة وتقول:
— الحقيني يا مريم… حسام مقبوض عليه، سمر حبسته بإيصالات الأمانة، والمحامي بتاعه قال إن القضايا اللي أختك رفعتها عليه بالتبديد والتزوير هتخليه يلبس البدلة الزرقا سنين طويلة… يا بنتي اعفي عنه، المسامح كريم وده كان جوزك!
رديت عليها بصوت هادي جدًا وواثق:
— يا حجة… لما ابنك كان واقف فوق رأسي وأنا داخلة أتقص من مخي، ما افتكرش ربنا ولا افتكر العشرة. ابنك ما سابليش فرصة أسامح، هو اختار طريقه… وخليه دلوقتي يجرب الدفا اللي كان بيدور عليه في السر.
قفلت السكة في وشها من غير ما أتردد لحظة.
بعد شهرين، كانت أول جلسة في المحكمة. دخلت قاعة المحكمة وأنا ماشية على رجلي، بكامل صحتي وأناقتي، مرفوعة الرأس. حسام كان قاعد في القفص، شكله شاحن ومتبهدل، ودقنه طويلة، وأول ما عينه جت في عيني، نزل رأسه في الأرض من الخزي.
المحامي بتاعي قدم كل الأدلة: الفواتير، التحويلات البنكية، وشهادة المستشفى اللي بتثبت إنه استغل مرضي وإقبالي على عملية خطيرة عشان يبتزني ويخليني أمضي على التنازلات والطلاق.
القاضي بص لحسام بنظرة نارية، وأجل الجلسة للنطق بالحكم… وفي نفس اليوم، سمر بعتتلي مع واحدة صاحبتنا مشتركة ترجي جديد، بتقول إنها مستعدة تشهد ضد حسام في قضايا التزوير، مقابل إننا نساعدها تطلع من قضية النسب وتلاقي مكان تعيش فيه هي والبنت.
بصيت لصاحبتنا وقلتلها كلمتين وبس:
— قولي لسمر… اللعبة اللي لعبتوها سوا، هتدفعوا تمنها سوا.
في اللحظة دي، عرفت إن المواجهة الحقيقية لسه ما انتهتش، وأن الورقة الأخيرة في الملف القديم اللي أختي لقيته… كانت مستخبية تحت تقرير الـ DNA، وفيها سر تالت كان كفيل يهد الدنيا فوق دماغ حسام وسمر أكتر وأكتر.
طلبت سمر تقابلني، ولأول مرة وافقت. ماكنتش خايفة ولا مترددة، كنت عايزة أشوف الست اللي هدّت بيتي وهي قعدة تحت رجلي مكسورة.
تقابلنا في مكتب المحامي. سمر كانت شاحبة، شعرها متبهدل، وعينيها متورمة من العياط. الشنطة السودا كانت متمسكة بيها بإيدين بترتعش. أول ما شافتني قامت وقفت، وحاولت تقرب، بس المحامي أشار لها تقعد مكانها.
رمت الشنطة على الترابيزة وقالت بصوت مكسور:
— مريم… أنا عارفة إن ماليش عين أطلب منك تسامحيني، أنا عملت فيكي أبشع حاجة ممكن صاحبة تعملها في صاحبتها. بس حسام طلع أخبث وأحقر منا إحنا الإثنين. الراجل ده ما حبش حد في حياته غير نفسه.
فتحت الشنطة وطلعت منها أجهزة تسجيل قديمة (فلاشات) ودفتر مذكرات غلافه أسود.
كملت سمر وهي بتبصلي بدموع:
— حسام لما عرف إن البنت مش بنته من سنة، ما اتفاجئش زي ما هو فهمك! حسام كان عارف من أول يوم اتجوزنا فيه إن البنت مش بنته… الراجل ده اتفق معايا من تسع سنين إني أتبنى البنت وأنسبها ليه زور عشان يبتزك بملف الأطفال، لأن الدكاترة كانوا قايلينله إن العيب منه هو ومش هيخلف!
الكلام نزل عليا زي المطب الفجائي. بصيت للمحامي، فمسك الفلاشات وشغل واحدة منها على اللاب توب. صوت حسام المألوف طلع من السماعات، بس النبرة كانت مرعبة… كان بيتكلم مع سمر من سبع سنين، وبيقولها بالنص:
“مريم فاكرة إن العيب منها عشان كده شايلاني وشايلا مصاريف البيت وعلاجها… لو عرفت إني أنا اللي مابخلفش هتسيبني. أنا هكتب البنت باسمي وأمثل إنها بنتي من جوازة تانية، وهي هتفضل تدفع وتصرف وهي ساكتة ومكسورة عينها عشان خايفة أطلقها!”
سكت الصوت، والأوضة كلها لفت بيا. 15 سنة عايشة مع شخص مش بس خاين، ده مهندس أمراض نفسية! كان بيمارس عليا ابتزاز عاطفي ونفسي عشان يقنعني إني “ناقصة”، ويخليني أصرف عليه وأشيل البيت، في حين إن المشكلة طبياً كانت عنده هو من الأول، وكمان استغل مرضي وأورامي عشان يثبت الفكرة دي جوايا!
سمر كملت بعياط هيستيري:
— لما حسام عرف إنك هتعملي العملية الدقيقة دي في المخ، وكان فيه احتمال تطلعي منها بآثار جانبية أو ما تطلعيش أصلاً… خاف إن سر الـ DNA والتزوير يتكشف لو أهلك مسكوا تركتك أو فتشوا وراه. عشان كده كان مستعجل على ورقة الطلاق قبل ما تدخلي العمليات، عشان يقطع أي صلة قانونية بيكي ويفلت بفلوسك والشقة قبل ما تكتشفي البشاعة دي!
قفلت عيني وأنا بحاول أتنفس. الوجع المره دي ماكنش وجع خيانة… كان قرف من كمية الغل والتخطيط الشيطاني اللي كان عايش معايا في نفس الأوضة وبياكل معايا في نفس الطبق.
المحامي بص لسمر وقالها بحدة:
— والأوراق دي هتقدميها للمحكمة؟
ردت سمر وهي بتبصلي بترجي:
— سيبوني أنجو ببنتي… أنا هقدم كل حاجة للنيابة، وهشهد ضد حسام في قضية النصب والتزوير والابتزاز الإلكتروني، بس أوعديني يا مريم إنك مش هترفعي عليا قضية مشاركة في التزوير… أنا اتخدعت زيي زيك، وكان مهددني إنه يرميني في الشارع لو ما مشيتش معاه في التمثيلية دي!



