
ابن سلفتي كان لسه يادوب بيتعلم المشي ودخل فرن العيش وهيه شغاله ومحدش شافه غيري، كان ممكن الحقه بس لما افتكرت الكلمتين اللي امه قالتهم قبلها بيومين عملت حاجه عمري ما اتخيلت اعملها !!!!
أنا متجوزه وعايشة في بيت عيلة في الارياف…. البيت كبير بيضمنا كلنا، وشقانا وعرقنا واحد. حتى إحنا الستات، بننزل الأرض نساعد في موسم الحصاد، ونرجع إيدينا تشهد على تعبنا. والحاجة أم جوزي، ربنا يديها الصحة، كانت حقانية على طول. أول ما ينباع المحصول وتستلم القرشين، تقعد وسطنا وتعد بالعدل، تدي كل واحد حق تعبه، واحنا كمان زوجات ولادها كل واحدة زي التانية، ما تفرقش بين حد.
في يوم كنت جوة في شقتي طالعة عيني بغسل السجاد. في الوقت ده، اخو جوزي جاب فلوس الزرعة للحاجة عشان توزعها، الحاجة أدت لسلفتي الصغيرة “رحمة” عشَر آلاف جنيه، وقالت لها: “يا رحمة، الفلوس اهي، ليكي خمسة ولعلية خمسه هيه جوه بتغسل السجاد خدي إديها فلوسها لأن جوزها خرج في مشوار.”
رحمة خدت الفلوس من هنا، وجاتلي شقتي و أديتني تلاتة بس وخدت السبعه. مسكت التلات آلاف وبستهم وش وظهر وقولت: “رضا من عندك يا رب، .” وخبيتهم في الدولاب
مرت كم يوم، وكنا قاعدين كلنا في الحوش، فالحاجة بصت لي بطيبة وقالت: “إيه يا عليه، مش كنتي بتقولي لما تقبضي فلوس الزرعة هتروحي تشتري طقم الحلل الجديد اللي نفسك فيه؟”
رديت بنية صافية خالص: “والله يا حجة سألت عليه في السوق لقيت طقم استانلس نضيف بـ ٥٥٠٠، والتلات آلاف اللي معايا يا دوب ما يكملوش، قولت أصبر شوية.”
لقيت الحاجة ضحكت باستغراب وقالت لي: “يا بت يا مبذرة! لحقتي صرفتي ألفين جنيه في يومين؟”
أول ما الكلمة طلعت منها، شفت وش رحمة اتخطف وشحَب، وبصت بعيد وقالت بسرعة ورعب: “عن أذنكم يا جماعة هروح أشوف اللي في إيدي.”
بس أناوقفتها، راسي دارت وما بقيتش فاهمة حاجة: “تعالي هنا يا رحمة.. صرفت إيه يا حجة؟ أنا ما لمستش مليم من التلات آلاف اللي رحمة جابتهوملي!”
الحاجة عينيها اتفتحت على آخرهم وقالت: “تلاتة إيه يا بنتي؟! أنا مدياها في إيدها عشرة، خمسة ليكي وخمسة ليها!”
سحبت رحمة من إيدها بالراحة قبل ما الدنيا تقوم وما تقعدش قدام الحاجة، وخدتها على احنا الاتين شققنا في دور ارضي . كنت فاكرة إني هلاقيها بتتأسف، مكسوفة، بتترجاني أستر عليها.. بس لقيت وش تاني خالص! مسكت إيدي بغضب وشَدِت نفسها بضيق، وبدل ما تنكسر، ضحكت ببرود وقالت: “في إيه يعني؟! كنت مزنوقة في قرشين واخدتهم …هما ألفين جنيه يعني مش حوار عشان تعملي عليهم قضيه!”
دمي غلى وقولت لها بغل مكتوم: “لو مزنوقة تيجي تستأذنيني يا رحمة! كنت هأديهملك والله، إنما تمدي إيدك وتسرقيهم من ورايا؟!”
هنا وشها تحول لسم صافي، وضحكت بصوت عالٍ كله غل وشماتة، وقالت لي وهي بتجز على سنانها:
“أسرقهم؟! واسرق ليه يا حلوة؟! هو إنتي فاكرة الفلوس دي بتاعتك؟ ده إنتي وكل فلوسك، وفلوس جوزك، وحتى أي قشاية بتشتروها في البيت ده، ورث لابني الصغير ده!”
وشاورت بصباعها على ابنها اللي كان بيلعب في التراب برة، وكملت بصوت زي السكينة المسمومة:
“ولا نسيتي إنك أرض بور؟ آخر نفس هيطلع منك مش هيبقى لك حد بعده يورثك! اللي أدهولك تاخديه وإنتي ساكتة وبايسة إيدك وش وظهر.. كدة كدة يا حبيبتي كل شقاكم ده بيرجع لنا تاني، حتى المسكين جوزك اللي طالعة عينه طول السنة، كل شقاه وتعبه إحنا اللي هنورثه في الآخر.. إلا بقى لو حصلت معجزة وبدلوا لك بطنك اللي زي قلتها دي!”
ضحكت ضحكة هزت كياني، وراحت شايلة ابنها من على الأرض وهي بتقول بصوت عالي يسمع البيت كله: “تعالى يا حبيبي جوة لتتحسد.. قل أعوذ برب الفلق!”
أنا وقفت مكاني مش قادرة أرفع رجلي. الكلمات كانت بتنزل على قلبي زي ضرب السواطير. أترميت على السرير، عيوني اتملت دموع زي المطر، وصرخة مكتومة في صدري مش عارفة أطلعها. كلامها كان صح، وده اللي كان بيقطع في جسمي.. إن راجلي بيشقَى لغيره، وإن سكوتي وحرماني مخليني شايفة تعبه بيروح لناس بتتمنى موتنا عشان تورثنا! فضلت يومين مش بدوق النوم، كلامها يرن في ودني زي الجرس: “أرض بور.. كل شقاكم لابني.. هنورثكم في الآخر!”
بعد يومين، كانت الحاجة بتخبز عيش شمسي في الحوش تحت. ولعت الفرن الطين الكبير، وحطت فيه الحطب والقش، ولعته لما النار بقت ملهلبة من جوة وزي الجحيم. فجأة الباب الخارجي خبط، فالحاجة سابت الفرن قايد وراحت تفتح تشوف مين في الوقت ده.
في اللحظة دي، أنا كنت طالعه من شقتي عشان أساعد الحاجة في الخبيز. وشوفت مشهد مش هنساه عمري كله
ابن رحمة الصغير.. الولد اللي يادوب بيتعلم المشي وبيحبى على الأرض، خرج من باب شقتهم اللي أبوه سابه مفتوح وهو طالع، وأمه كانت محبوسة في المطبخ بتعمل أكل . الولد سحل نفسه ووصل لحد الحوش، وقعد يلعب جنب باب الفرن المفتوح. وهو بيلعب، اللعبة الصغيرة اللي في إيده اترمَت جوة الفرن الملهلب!
الولد، بعقله الصغير وبخطواته المتهززة، قرب خالص من فتحة الفرن، وطبس بجسمه كله لجوة عشان يسحب اللعبة من وسط النار اللي بتاكل في الحطب!
أنا في ثانية، عقلي طار.. كنت هصرخ بكل صوتي، كنت هجري وأسحبه من هدومه قبل ما النار تاكله أو يقع في قلب الفرن..
بس في جزء من الثانية.. في أقل من رمشة عين.. رن في ودني صوت سلفتي والكلام اللي قالتهولي من يومين: “أرض بور.. شقاكي وشقى جوزك لابني ده.. هنورثكم في الآخر!”
ساعتها.. وقفت مكاني! وجسمي اتجمد، وفي اللحظة دي، عملت حاجة في حياتي كلها عمر ما خيالي كان ممكن يتصور إني أعملها…
وقفت مكانك، عينك مش قادرة ترمش ولا رجلك قادرة تتحرك خطوة واحدة لقدام! الشيطان حضر في اللحظة دي، ومسك عقلك من ورا ودنك، وبقى يهمس بنفس صوت “رحمة” ونبرة الِغل اللي في كلامها: “شقاكم لابني ده.. كدة كدة هنورثكم!”
بصيتي للولد الصغير وهو بيوطي بضهره المتذبذب، أيديه الصغيرين بيمسوا هواء الفرن الساخن، وشرار النار القايد بيعكس على وشه الأبيض. الثواني مرت زي الساعات، وقفتي متسمرة، مش قادرة تمدي إيدك ولا تطلعي الصرخة اللي واقفة في حلقك، كان جواكي صراع مسموم بين غلك من أمه وبين فطرتك اللي ربنا خلقك بيها.
وفجأة.. الولد فقد توازنه ورجله اتكعبلت في قشرة حطب، وجسمه مال كلياً لداخل فتحة الفرن الملهلبة!
في اللحظة دي بالذات، الصمت اتكسر بصوت صرخة مرعبة هزت جدران البيت كله، بس الصرخة دي مكنتش منك.. دي كانت صرخة رحمة اللي خرجت من باب شقتها بالصدفة، وعينها وقعت على ابنها وهو بيقع جوة النار، وشايفاكي واقفة بينه وبين الفرن على بعد خطوتين بس ومبتتحركيش!
من غير ما تفكري، ومن غير ما عقلك يترجم أي حاجة من كلامها المسموم، جسمك تحرك بقدَر من ربنا كأن في قوة خفية زقتك! اترميتي على وشك على الأرض الترابية قدام باب الفرن، ومديتي إيديكي الاثنين جوة اللهب المشتعل، حستي بنار الفرن بتاكل في جلد إيديكي وبتلسع وشك، بس مسكتي هدوم الولد من ضهره وشديتيه لبرة بقوة وغل، ورحتي سحباه لراسك وحاضناه في صدرك وأنتي بتتقبلي على التراب برة الفرن!
الولد صرخ برعب من صهد النار اللي لفح وشه، وإنتي مسكتي فيه وإيديكي الاتنين ينقطوا دم والجلد فيهم بيتسلخ من حرارة الشغلة والطين الملهلب. رحمة جرت زي المجنونة، اترمت على الأرض، سحبت الولد من حضنك وهي بتصرخ وتلطم على وشها وتتفحص جسم ابنها اللي ربنا نجاه وما اتأذاش غير بشوية صهد خفيف في وشه ولسعة صغيرة في أيده، لكن إنتي.. إيديكي الاتنين كانوا اتبهدلوا تماماً.
الحاجة أم جوزك جرت على الصوت وهي بتصرخ: “يا مري! إيه اللي حصل؟! يا كافي الشر يا رب!”




