روايات وقصص

حكايات منى 2

جرين بسرعة على البنك أنا وسارة. الطريق كان زحمة والأعصاب مشدودة، وفي السكة اتصلت بيوسف ابني. كان لازم أمهّد له الموضوع من غير ما أكسر فرحته بجمعيته وأيامه في الجامعة، بس في نفس الوقت كان لازم يعرف الحقيقة قبل ما أحمد يروح له ويكذب عليه أو يستغله ضدنا.

أول ما يوسف رد، نبرة صوته كانت فرحانة: “إيه يا ماما؟ أنا خلصت المحاضرات وراجع، على فكرة أنا جايب الخضار معايا عشان أطبخ زي ما وعدتك!”

حسيت بغصة في حقيقي، بلعت ريقي بالعافية وقلت له: “يوسف يا حبيبي.. انزل على شقة تيتة في الهرم فوراً، وما تروحش شقتنا خالص النهاردة. لما توصل هناك هفهمك كل حاجة.. أهم حاجة ما تتصلش بأحمد ولا ترد عليه لو كلمك.”

يوسف نبرة صوته اتغيرت واستغرب: “في إيه يا ماما؟ بابا أحمد فيه حاجة؟ اتخانقتوا ولا إيه؟”

رديت بحزم: “يا يوسف اسمع الكلام، انزل على تيتة حالاً وأنا نص ساعة وهكون عندكم.”

وصلنا البنك قبل الإغلاق بربع ساعة بالضبط. كانت صالة الانتظار تقريباً فاضية. دخلت لمدير الفرع اللي كان عارفنا أنا وأحمد كويس، لأننا فتحنا الحساب المشترك عنده من سنين وكنت بانتظام بحوّل جزء من مرتبي ومكافآتي للحساب ده.

مدير الفرع رحّب بينا، بس أول ما شاف المحامية سارة ومعايا صور التحويلات والمحادثات، وشّه اتغير.

سارة قعدت وقالت له بصوت واطي وبمنتهى الثبات: “يا أستاذ، موكلتي الأستاذة مريم مكتشفة عملية اختلاس وتدليس بيقوم بيها زوجها. الحساب المشترك أتقفل منه جزء كبير بدون علمها وفي ظرف ساعات قليلة، والفلوس أتحولت لحساب والدته سعاد في نفس الفرع هنا. أحنا بنقدم طلب رسمي للتحفظ على المتبقي في الحساب المشترك، وبنبلغ بوجود شبهة استيلاء على أموال.”

مدير الفرع بص في الكمبيوتر، وبعدين بص لي وقال بأسف: “يا أستاذة مريم.. أستاذ أحمد كان هنا من ساعتين بالضبط، وسحب المتبقي في الحساب المشترك نقداً! الحساب المشترك حالياً فيه زيرو.”

نزل الخبر عليا زي المية الساقعة. سحب المليون جنيه الباقية كاش في كيس ومشام!

سارة ما اتفاجأت كررت سؤالها بذكاء: “طب والحساب الثاني اللي باسم سعاد؟ الفلوس اللي أتحولت له من الحساب المشترك الأسبوع اللي فات لسه موجودة ولا اتسحبت؟”

المدير تردد وقال: “أنا ما أقدرش إديكي تفاصيل حساب عميل ثاني، دي سرية حسابات..”

سارة طلعت كارتها وقالت له: “لو الفلوس اتسحبت بعد ما وريتك أدلة التحويلات المشبوهة دي، والإنذار اللي هسلمك صورة منه حالاً، البنك هيكون طرف في الدعوى الجنائية بتهمة التستر والتسهيل. التحويلات طالعة من حساب موكلتي المباشر لحساب أمه بدون وجه حق وبدون عقد تجاري بينهما.”

مدير الفرع اتقلق، وبص في الشاشة تاني وقال بصوت خافت: “المبلغ اللي أتحول لحساب الحاجة سعاد (980 ألف جنيه) لسه موجود ومجمد عليه طلب شراء شهادة استثمارية مش هتتنفذ غير بكرة الصبح. أنا هعمل إيقاف مؤقت للعملية لحين مراجعة الشؤون القانونية بكرة الصبح بناءً على طلبكم والإنذار المقدم.”

أول ما خرجنا من البنك، تنفست الصعداء لأول مرة من الصبح. على الأقل أمكننا إنقاذ قرابة المليون جنيه اللي كان عايز يشتري بيها الشقة لدينا.

سارة بصت لي وقالت: “كده خطوة ممتازة. دلوقتي أحمد معاه الكاش اللي سحبه النهاردة، ومحبوس عن الـ 980 ألف اللي عند أمه. أول ما يكتشف إن الحساب اتجمد بكرة الصبح، هيتجنن.”

رجعت لشقة أمي في الهرم. لقيت يوسف قاعد في الصالة وشكله مشوش ومترقب، وأمي قاعدة جنبه بتمسح دموعها. أول ما دخلت، يوسف وقف وقال بصوت عالي: “في إيه يا جماعة؟ فيه إيه يا ماما؟ بابا أحمد اتصل بيا تلات مرات وأنا ما رديتش زي ما قلتي لي.. هو عمل إيه؟”

قعدت جنبه، ومسكت إيده، وحكيت له كل حاجة بالظبط.. من أول ما سمعت سعاد وصاحبتها في السوق، للرسائل اللي على موبايله، لقصة شقة تيتة اللي كان عايز يبيعها، ولحد ما سحب التحويشة كاش ودمر مستقبل تحويشة الجامعات والشقة اللي كنا بنعملها له.

يوسف كان بيسمع وهو ساكت تماماً. وشه كان بيتحول من الذهول للصدمة، وبعدين للغضب الشديد. عينيه اتملت دموع، مش علشان الفلوس، بس علشان الخيانة. الراجل اللي كان شايفه أبوه، الراجل اللي كان بيتباهى بيه قدام صحابه ويقول “بابا أحمد علمني وسندني”، طلع بيعد الأيام عشان يرميه وياخد فلوسه وبيدور على طريقة يستغل فيها تيتة الكبيرة!

يوسف قام وقف، وصوته كان بيترعش من القهر: “يعني هو طول السنين دي كان بيعمل نفسه بيحبني؟ كان بيعمل نفسه أبوي وهو مستخسر فيا حتى القرشين اللي أنتِ شقيانة فيهم يا ماما؟”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى