روايات وقصص

حكايات منى 2

في لحظتها، موبايل يوسف رن. كان المتصل: “بابا أحمد”.

يوسف بص للموبايل بغل وكان هيحذفه في الأرض، بس سارة وقفته بسرعة وقالت له: “افتح السبيكر يا يوسف، ورد ببرود من غير ما تغلّط نفسك. خلينا نسمع عايز يقول إيه.”

يوسف فتح الخط وحط الموبايل على الترابيزة.

صوت أحمد جه من الناحية الثانية، كان صوته منفعل ومضطرب جداً: “إيه يا يوسف؟ برن عليك من بدري مش بترد ليه؟ أنت فين؟”

يوسف قال بنبرة جافة جداً: “أنا عند تيتة يا أستاذ أحمد.”

كلمة “أستاذ أحمد” نزلت على أحمد زي الصاعقة. سكت ثانية وبعدين قال بمكر: “أستاذ أحمد؟ أمك شحنتك ضدي صح؟ يا يوسف أنت كبرت وبتفهم، أمك فاهمة الموضوع غلط ومكبرة الموضوع! أنا كنت بعمل كل ده عشان أأمن ليكم مستقبلكم، وأمك اتجننت وجايبة لي محاميين في بيت أمه.. انزل لي يا يوسف عند الكافيه اللي جنب البيت، عايز أقعد معاك راجل لراجل ونحل الموضوع ده بعيد عن جنان الستات!”

يوسف بص لي، وبعدين بص للموبايل وقرّب منه وقال بنبرة قوية هادية هزت الصالة: “اللي يسمع أمه وهي بتتكلم عني في السوق ويقول (ابن راجل تاني ما يستاهلش)، ما يتكلمش معايا عن الرجولة يا أستاذ أحمد. الفلوس اللي سحبتها النهاردة هتترجع بالقانون، وشقة تيتة اللي كنت حاطط عينك عليها مش هتشوف منها قشرة بصلة. وما تتصلش بيا تاني!”

وقفل السكة في وشه قبل ما أحمد ينطق كلمة واحدة!

أمي زغرطت بصوت واطي من الفرحة وهي بتضم يوسف، وأنا حسيت إن ضهري اتشد لأول مرة من الصبح. ابني كبر وبقى راجل يقدر يقف في وش اللي يظلمه.

لكن الأحداث ما خلصتش هنا.

الساعة كانت تسعة بليل، لما جالي إشعار على الموبايل من الجيران في عمارتنا.

أم سيد الجارة اتصلت بي وقالت بصوت متوتر: “لحقي يا مريم! أحمد جوزك جه العمارة ومعاه عربية نقل كبيرة، وطالعين الشقة بيطلعوا العفش والأجهزة التلفزيونات والتكييفات وبينزلوها في العربية! ولما سألته قال لي إنكم بتنقلوا، بس شكله كان مغلول وبيعفر في الكلام!”

أحمد كان بيحاول يجرد الشقة من كل حاجة قيمة فيها قبل ما ألحق أخد إجراء قانوني لمنعه!

أول ما سمعت كلام أم سيد الجارة، الدم اتجمد في عروقي. سارة مسكت إيدي بسرعة وقالت بلهجة حاسمة: “مريم، طلبي نجدة فوراً على عنوان الشقة، وأنا هتحرك معاكي. التصرف ده سرقة ومساس بمسكن الزوجية والمنقولات الزوجية، وده هيدبسه في قضية سرقة وتبديد محتويات قبل ما يلحق يهرب بعربية النقل!”

نزلت أنا ويوسف وسارة بسرعة، وركبنا العربية وفي الطريق اتصلت بشرطة النجدة وبلّغت عن واقعة سرقة ونقل منقولات زوجية في العمارتنا بدون وجه حق.

أول ما وصلنا الشقة بعد حوالي ثلث ساعة، لقينا العربية النقل واقفة تحت البيت ومحملة النص بالتكييفات والأجهزة الكهربائية وشاشات التلفزيون. وكان في اثنين عمال شايلين الأنتريه ونازلين بيه على السلم، وأحمد واقف تحت الشارع بيدي أوامر للعمال وشكله مستعجل وموتر جداً.

أول ما شافنا، وشّه اتقلب وشحب. يوسف جرى عليه ووقف قدام العربية النقل وقفل الطريق بجسمه: “وقف عندك يا أستاذ أحمد! الحاجة دي مش بتاعتك لوحدك، دي حاجتنا وحاجة أمي!”

أحمد اندفع نحو يوسف بغضب وحاول يزقه وهو بيصرخ: “ابعد عن وشي يا ولد أنت! الحاجة دي أنا اللي شاريها بفلوسي، وأنا حر أبيعها أو أنقلها! العمارة دي إيجار باسمي وأنا فسخت العقد مع المالك النهاردة الظهر ودلقت له المفاتيح!”

سارة المحامية وقفت بين أحمد ويوسف بكل قوة وقالت بصوت جوري سمع الشارع كله: “قانوناً دي منقولات زوجية ومسكن زوجية قائم لم يقع فيه طلاق! ونقل حبة واحدة منها بدون إذن الزوجة يعتبر جريمة تبديد منقولات وسرقة بالإكراه تحت تهديد السلاح النفسي! والشرطة زمانها على وصول حالاً يا أستاذ أحمد!”

أحمد اتفاجأ وقال بصوت عالي: “شرطة إيه؟ أنتِ بتهددي مين؟ دي شقتي وأنا حر فيها!”

وفي لحظتها، صوت سارينة بوكس الشرطة ظهر من أول الشارع. العمال اللي كانوا مع العربية أول ما شافوا عربية الشرطة جاية، رموا الأنتريه على الأرض وقالوا للخلف در: “أحنا مالناش دعوة يا بيه! الراجل ده قال لنا إنه بيعزل هو ومراته وأنه صاحب الحجة!” وهربوا بسرعة وسابوا العربية والنقل في نص الشارع.

نزلت الشرطة، وضابط المباحث قرب وسأل عن السبب. سارة تقدمت وقدمت بطاقتها وصور العقود وقائمة المنقولات اللي كانت معايا على الموبايل، والإنذار الرسمي. الضابط بص لأحمد وقال له بصرامة: “يا أستاذ، اتفضل اركب مع زمايلك في البوكس على القسم لنظر محضر التبديد والإتلاف وتمكين مسكن الزوجية.”

أحمد اتهز، وبص لي بنظرة ملبانة غل ورعب في نفس الوقت، ومشى مع الضابط للقسم وهو مش مصدق إن كل مخططاته بتتفكك في يوم واحد.

في القسم، اتعمل محضر رسمي بإثبات حالة السرقة والتبديد، وتحفظت الشرطة على العربية النقل والمنقولات لحد ما النيابة تصدر قرارها. وأول ما المحضر خلص الساعة أربعة الفجر، خرجنا من القسم وأنا حاسة بإن كل أجهزة جسمي منهكة، بس جوايا ثبات رهيب.

تاني يوم الصبح الساعة تسعة، النيابة أمرت بمنع التصرف في المنقولات وتسليم الشقة تمكيناً لي ولابني يوسف. وفي نفس التوقيت، المحامية سارة راحت البنك بقرار النيابة التحفظي المؤقت على حساب الحاجة سعاد، وفجّرت المفاجأة الكبرى!

أحمد وأمه سعاد كانوا واقفين في البنك محتارين ومستنيين فك إيقاف شهادة الاستثمار، فلما الموظف بلّغهم إن الحساب اتجمد عليه رسمياً بقرار نيابة بناءً على دعوى إشهار إفلاس وتدليس واستيلاء على أموال القصر والشركاء، سعاد وقعت على الأرض من الصدمة، وأحمد قعد يصرخ في الصالة!

سعاد بصت لأحمد بانهيار وقالت له قدام الناس في البنك: “يا خايب! ضيعتني وضيعت نفسك! أديك خصرت الفلوس والشقة ودينا مش هتنفعنا دلوقتي!”

بعد الظهر، جالي اتصل من رقم غريب.. فتحت الخط، وكان صوت أحمد. بس المرة دي ما كانش الصوت المغرور ولا الشرس. كان صوت راجل مكسور ومذلول بيعيط بحرقة:

“مريم.. عشان خاطر ربنا ارهميني. أمي تعبانة في المستشفى بسبب حجز البنك، والنيابة طالعة فيها ضبط وإحضار بكرة في قضايا النصب.. أنا مستعد أتنازل لك عن كل حاجة، وأرجّع لك كل مليم أخدته كاش، بس اسحبي البلاغات دي وما تخربيش بيتي وتضيعي دينا بنتي!”

وقفت في بلكونة شقة أمي، وبصيت ليوسف اللي كان واقف جنبي وبيديني كوباية شاي وبيبتسم لي بكل فخر، وقلت لأحمد بكل هدوء وثبات:

“اللي افتكر إن بيعي وشقا عمري وشقة أمي شوية فلوس هتتنسى بعد ثمان سنين جواز يا أحمد.. لازم يتأكد إن الفاتورة لسه ما اتدفعتش كاملة. كلامنا الجاي مش معايا.. كلامنا هيكون في القاعة قدام القاضي بكرة الصبح.”

اليوم التالي في المحكمة…

كانت الجلسة محددة للبت في طلب التمكين، ودعوى استرداد الأموال واستعجال أمر الحبس في قضايا التبديد والإتلاف.

وقفتُ في الممر الطويل أمام القاعة، وسارة بجانبي تراجع الأوراق لأخر مرة. من بعيد، رأيت أحمد يدخل الممر رفقة محاميه. لم يكن ذلك الرجل الذي عرفته لشمانية أعوام؛ كان شاحباً، منكسر الرأس، خطواته ثقيلة كأنه يحمل جبالاً فوق كتفيه. أمه سعاد لم تكن معه، فقد نُقلت إلى المستشفى بسبب ارتفاع حاد في الضغط بعد تجميد حسابها.

أما دينا، ابنتُه، فكانت تقف خلفه، تبكي بحرقة وتنظر إليّ برجاء. قربت مني بخطوات مترددة وقالت بصوت متهدج: “طنط مريم.. أنا والله العظيم ما كنت أعرف حاجة عن الفلوس دي ولا عن شقة تيتة.. بابا قال لي إن الفلوس دي تحويشه شخصية منه ومن شغله عشان يساعدني.. أنا آسفة يا طنط، أنا مش عايزة حاجة، بس بلاش يدخل السجن.”

بصيت لها بألم حقيقي، دينا كانت ضحية أنانيته هو وأمه. رفعت رأسي وقلت لها بوضوح: “أنا مش ظالمة يا دينا، وما تمنيتش أبداً إني أشوف أبوكي في الموقف ده.. بس هو اللي استرخصنا، واستغفلني، وكان عايز يرمي أمي في الشارع وياخد شقا عمري وعمر ابني.”

دخلنا قاعة الجلسة. وقفت أمام القاضي وأنا ممسكة ببدلة يوسف، يوسف الذي وقف بجانبي كالطود الشامخ، يربد على كتفي بكل قوة وثبات.

القاضي استمع إلى سارة وهي تعرض المستندات، الأدلة، التسجيلات المصورة للمحادثات، تحويلات البنك المتتالية، وتفريغ تفاصيل المحضر المرفق من النيابة. محامي أحمد حاول يطلب التأجيل أو التصالح المبدئي، لكن القاضي كان حاسماً بعدما رأى حجج النصب المتكامل وصور عقود التنازل الباطلة التي حاول إجبار أمي عليها.

بعد المداولة، صدر القرار:

تمكين كامل ومطلق لي ولابني يوسف من مسكن الزوجية وبطلان فسخ العقد.

إلزام المشهود ضده (أحمد) برد المبالغ المسحوبة كاش كاملة (مليون وثلاثمائة ألف جنيه) خلال 48 ساعة تحت طائلة الحبس الفوري بتهمة خيانة الأمانة.

تجميد الحساب البنكي باسم سعاد نهائياً لصالح إعادة التحويلات الموثقة لحسابي الشخصي.

أحمد انهار على الكرسي داخل القاعة، وغطى وجهه بيديه وهو ينتحب بصوت مكتوم.

خارج القاعة، وقف أحمد أمامي بعدما وقع على كافة أوراق تنازله وتسليمه للشرط المالي وإعادة كل المبالغ لحسابي تحت إشراف المحكمة. نظر إليّ والدموع في عينيه وقال: “مريم.. أنا خسرت كل حاجة في يومين.. خسرتك، وخسرت يوسف، وخسرت الفلوس اللي كنت فاكر إنها هتبني بكرة.. أرجوكي سمحيني.”

بصيت له بمنتهى الهدوء، هدوء النفس التي تعافت من الصدمة وأدركت حقيقتها، وقلت له: “أنا مش هكرهك يا أحمد.. الكره بيحتاج مشاعر، وأنا مابقاش عندي أي مشاعر ناحيتك. أنت ما خسرتناش في يومين.. أنت خسرتنا من أول لحظة قررت فيها تتنازل عن أمانتك وتبيع ناس صانوك وعاملوك كأب وأخ وابن.”

التفت ومشيت.. يوسف مسك إيدي، وسارة كانت على شمالنا. خرجنا من باب المحكمة للشمس، ونسيم الصباح يلفح وجوهنا.

في نفس الليلة، أعدنا كل الأجهزة والعفش لشقتنا. أمي كانت قاعدة في الصالة بتبتسم وهي بتشوف يوسف داخل المطبخ يجهز العشا زي ما وعدني في اليوم الأولاني.

قعدت جنب بلكونتي، وفتحت حسابي البنكي على الموبايل.. الفلوس رجعت كاملة، وشقة أمي أمان، وابني بقى راجل يعتمد عليه، وأنا خرجت من التجربة دي بدرس عمري: أن القوة مش في إنك ما تتخدعش.. القوة في إنك لما تكتشف الخدعة، تقف على رجليكي وتستردي حقك وتكملي حياتك ورأسك مرفوعة للسما.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى