روايات وقصص

حكايات ليلى1

صباح يوم العيد، كنت قاعدة في أمان الله، لقيت مرات ابني “هناء” بتقولي بكل برود: “يا حماتي، كبرتي خلاص، وحان الوقت تروحي دار مسنين، مفيش فايدة في قعدتك معانا”. ما اتكلمتش، ولا نزلت دمعة واحدة. قمت بكل هدوء شغلت التلفزيون على “فلاشة” كنت مجهزة فيها فيديو للعيلة. أول ما الصور بدأت تظهر على الشاشة، البيت كله اتجمد في مكانه.. وبعد دقايق، كان جرس الباب بيضرب، والشرطة واقفة قدامنا.

 

صباح يوم العيد.. الشوارع بره مليانة صوت عيال بتلعب بالبالونات، وراديوهات الجيران شغالة أغاني العيد القديمة اللي بتوجع القلب. كنت قاعدة في الصالة، البيت ريحته قهوة وبخور، بس الجو جوه كان تلاجة.

لقيت مرات ابني “هناء”، اللي دخلت حياتنا من سنين بوش بريء، بتبص لي بنظرة ناشفة وتقولي: “بصي يا حماتي، كتر خيرنا لحد كده. إحنا خلاص رتبنا كل حاجة، وحجزنا لك مكان في دار مسنين.. الدار دي هتعرف تهتم بيكي أحسن مننا، إحنا تعبنا من قرفك ونسيانك وخرفك ده”.

بصيت لها، مكنتش قادرة أصدق إن دي اللي كنت باكلها لقمة هنية، مكنتش قادرة أصدق إن ده “محمود” ابني اللي شقيان عليه طول عمري، قاعد باصص في الأرض ومستنيها هي اللي تقرر مصيري.

ما اتكلمتش. ما بكيتش. بالعكس، حسيت ببرود غريب في عروقي. قمت ببطء، ظهري اللي كان محني من الحمل، اتفرد في اللحظة دي.. وقلت لهم بصوت هادي: “خلاص يا بنتي، زي ما تحبوا. بس قبل ما أمشي، ليا طلب صغير.. فيديو كنت محضراه ليكم، ذكرى لأيامنا الحلوة اللي كانت قبل ما الظروف تتغير”.

هناء كانت عايزة تقوم، بس محمود شاور لها تقعد، يمكن كان حاسس بتأنيب ضمير أو كان عايز ينهي الموضوع بأي شكل. قمت شغلت التلفزيون، ووصلت “الفلاشة” اللي كان “حمادة” جارنا، الشاب الذكي بتاع الكمبيوتر، مساعدني فيها.

بدأ الفيديو.. صور قديمة، جوزي الله يرحمه وهو شايل محمود وهو صغير، صورنا واحنا بنضحك في المصيف، أيام كان البيت لسه فيه روح. دموعي نزلت، بس مسحتها بسرعة.

هناء قالت بملل: “خلاص يا حماتي، كفاية كده، مش وقت ذكريات”.

قلت لها بابتسامة خبيثة: “لا.. ده لسه التقيل ورا”.

فجأة، الشاشة سكتت، وبدأ تسجيلات تشتغل ووقتها عرفت انها هي الي هتمشي مش انا

فجأة، الشاشة سكتت، وبدأ فيديو تسجيل كاميرا ممر الشقة بيتعرض بوضوح عالي. الفيديو كان متسجل من زاوية مخفية فوق مكتبة الصالة.

ظهرت “هناء” في الفيديو وهي واقفة مع شخص غريب في نص الصالة، كانوا بتتكلموا بصوت واطي بس الصوت كان واضح جداً بفضل الميكروفون اللي ثبته لي “حمادة” جارنا. الشخص ده كان المحامي اللي هناء اتفقت معاه، وكانت بتسلم ملف أوراق كامل.

الصوت طالع من سماعات التلفزيون يرن في الصالة: “بص يا أستاذ، دي عقود البيع المزورة بتاعة الشقة، أنا خليتها توقع عليها وهي مش مركزة وبحجة إنها أوراق استلام معاش. محمود جوزي مش فاهم حاجة وماشية عليه نغمة ‘الزهايمر والخرف’ اللي بفهمها له كل يوم. أول ما ننقلها الدار، الشقة هتبقى باسمي رسمياً، وهنبيعها ونقسم النص بالنص”.

محمود ابني رفع رأسه فجأة من الأرض، وشه اتخطف وبقى لون الورق، عينيه كانت بتتطاطا بين الشاشة وبين هناء اللي وقفت مكانها كأن صاعقة ضربتها. دراعاتها اتسمرت جنبها، وشفايفها بدأت تترعش ومنطقتاش بحرف.

كمل الفيديو وهو بيعرض مشهد تاني، هناء وهي بتمسك أشرطة الدوا بتاعتي، وبتبدل الأقراص اللي بآخدها يومياً بتاعة الضغط والمخ والأعصاب بمكملات غذائية وأقراص منومة، عشان تفضل ديماً دايخة ومغيبة، وتثبت أمام ابني والناس إني جالي خرف ومش قادرة أتحكم في تصرفاتي.

الصوت في الفيديو كان بيشرح كل حاجة بالتفصيل وهي بتضحك وبتقول للمحامي: “الدوا ده بيخليها طول اليوم مهيسة وبنسى حتى أكلت ولا لأ، كده محمود يقتنع أسرع إن الدار هي الحل الوحيد”.

محمود قام وقف على حيله، جسمه كله بيفور، وبص لهناء بنظرة عمرها ما شافتها منه، صوته خرج متقطع ومخلوط بصدمة ووجع: “أنتي.. أنتي بتعملي كل ده؟ أنتي بتدسي لأمي سم وبترميها في الشارع عشان شقة؟”.

هناء بدأت ترجع لورا بخطوات مرعوبة، بتحاول تبرر وتلجلج: “محمود.. افهمني.. ده.. ده تركيب! الفيديو ده فبركة من العجوزة دي عشان تكرهك فيا!”.

في اللحظة دي بالذات، رن جرس الباب. دقات قوية ومتتابعة هزت الخشب والسكوت اللي كان خانق المكان.

مشيت بكل ثبات وفتحت الباب. كان واقف بره ضابط شرطة معاه اتنين أمناء شرطة، ومعاهم حمادة جارنا والمحامي بتاع العيلة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى