
وقفت العربية قدام بيت قديم دورين بتصميم ريفي دافي في قريتنا القديمة اللي سبتها من اكتر من تلاتين سنة. المكان ده كان بيت أبويا الله يرحمه، مقفول من سنين وما حدش يعرف إنه لسه باسمي ومكتوب بعقد مسجل بعيد عن عين الكل.
فتحت الباب الحديد المصدي ببطء، ريحة التراب والذكريات استقبلتني. البيت كان محتاج نظافة وشغل، بس كان بيوفر لي حاجة واحدة افتقدتها في شقتي: الأمان والسكينة.
عدت أيام العيد، وأنا بحاول أسترد صحتي. الأقراص المنومة والمواد الغريبة اللي كانت بتدسها لي “هناء” بدأت تروح من جسمي، وذهني بدأ يصفى ويرجع زي زمان وأحسن. كتبت عقود جديدة لإيجار الأراضي الزراعية اللي ورثتها عن أبويا وكانت متأجرة بسعر تراب، ورفعت القيمة وصار عندي دخل شهري محترم يقويني وما يخليش حاجتي لإنسان.
في الوقت ده، كان محمود ابني عايش في جحيم لا يطاق.
بعد ما خرج من النيابة وانتهت التحقيقات الأولية وتم حبس هناء احتياطياً على ذمة القضية، رجع البيت وهو مكسور وبيعيط، يدور عليا في كل شبر في الشقة. مالقاش غير المفتاح ورسالة صغيرة سبتهاله على ترابيزة الصالة مكتوب فيها: “اللي يبيع أمه عشان راحته، ما يلزمهاش بقيتها في عمرها.. ما تدورش عليا يا محمود”.
تلفوني اللي غيرت خطه كان مقفول، ومحمود لف عند قرايبنا كلهم، وعند حمادة الجار، وحافظ كل الأماكن اللي ممكن أروحها، بس مفيش فايدة. الجيران في العمارة بدأوا يشرشحوا له ويتكلموا عن ندالته وقسوته مع أمه، وحالته النفسية ساءت جداً، خصوصاً بعد ما أهالي “هناء” بدأوا يطاردوه ويهددوه عشان يتنازل عن القضية وما يفضحش بنتهم.
بعد شهرين، وأنا قاعدة في جنينة البيت بالليل وبشرب القهوة، لقيت الباب الخارجي للبيت بيتخبط بدقات ضعيفة ومرعوبة.
قمت ببطء وفتحت الباب، لقيت محمود واقف قدامي.. بس مكنش محمود بتاع زمان. كان خاسس للنص، دقنه طويلة، وعينيه غرقانة دموع وهالات سودة.
أول ما شافني، اترص على الأرض عند رجلي وبكى بصوت يقطع القلب: “لقيتك يا أمي.. بقالي شهرين بتمزق وأدور عليكِ في كل شبر.. سامحيني، هناء أهلها هددوني ورفعوا عليا قضايا، وأنا طلقتها رسمي، بس الدنيا اسودت في وشي وأنا من غيرك تسوى ولا حاجة”.
بصيت له بنظرة ثابتة، وما تحركتش من مكاني، وقلت له بجفاء: “عرفت طريقي إزاي يا محمود؟”.
بص لي ودموعه نازلة: “حمادة الجار.. شافني بضيع وبموت كل يوم، فقف على حالي وقال لي إنك هنا.. تعالي ارجعي معايا يا أمي، الشقة شقتك وأنا خدامك تحت رجليكي طول العمر”.
قبل ما أرد عليه، لمحنا نور عربية بوليس بتهدي قدام البيت، ونزل منها محامي “هناء” ومعاه اتنين بلطجية كانوا ماشيين ورا محمود ومراقبينه عشان يعرفوا مكاني ويعملوا معايا الملعوبة الأخيرة.
نزل محامي “هناء” من العربية بكل جراءة، ووراه اتنين بلطجية بأجسام ضخمة وملامح نارية، كانوا ماشيين ورا محمود ومراقبين خطواته خطوة بخطوة عشان يوصلوا لي. الشارع الريفي الهادي أتحول في ثواني لساحة توتر، وصوت قفل أبواب العربية رن في السكون بتاع الليل.
المحامي وقف بثقة مستفزة، وظبط لياقة بدلت وهو بيبص لي بنظرة كلها مكر، وقال بصوت عالي نسمعه كلنا: “أهلاً يا حجة.. أخيراً لقينام في جحرك! طبعاً الأستاذ محمود ابنك البار جه لغاحد عندك عشان يستعطفك، بس الموضوع كبر خلاص ومبقاش بينك وبينه بس.. القضية دي لازم تتقفل الليلة، وبمزاجك أو برضاكي!”.
محمود قام وقف بسرعة، وش أصفر زي الليمونة وجسمه كله بيترعش من الخوف والغضب في نفس الوقت. وقف قدامي يحاول يحميني بظهره، وصرح في وش المحامي: ” أنت جاي ورايا ليه يا بني آدم أنت؟! أنا طلقت هناء، والقضية في النيابة والطب الشرعي أثبت كل حاجة.. امشي من هنا بدل ما أطلب لك البوليس!”.
المحامي ضحك ضحكة استهزاء طويلة، وقرب خطوة وهو بيطلع من جيب بدلت أوراق مطبوعة ومختومة: “بوليس إيه يا أستاذ محمود؟ أنت فاكر نفسك في فيلم؟ البنت محسوبة على عيلة كبيرة ومتحبوسة على ذمة قضية الشروع في قتل والتزوير، وده يمس شرف العيلة كلها. الحاجة أمك لازم تنزل معايا حالاً لعند وكيل النيابة أو تكتب تنازل رسمي عن القضية، وتغير شهادتها وتقول إن الأقراص دي كانت بتاخدها بالغلط، وإن التسجيلات دي كانت مجرد هزار أو فبركة.. غير كده، الرجالة اللي معايا دول مش هيخرجوا من القرية إلا ومعاهم التنازل، أو البيت ده مش هيطلع عليه صبح!”.
البلطجية الاتنين قربوا خطوة، وواحد منهم طلع من جيبه سلاح أبيض وبدأ يقلبه بين صوابعه بتهديد صريح. محمود اتخشب مكانة، الخوف شل حركته كالعادة، وبص لي بعينين عاجزة كأنه بيستغيث بيا أنقذه زي ما كنت بعمل معاه وهو طفل صغير.
أنا في اللحظة دي، حسيت ببرود عجيب. المواد السامة اللي كانت هناء بتحقنها في جسمي راحت، وعقلي اللي حاولوا يقنعوا الناس إنه خرف ورجع أصفى وأقوى من الأول بكتير. ما اتهزتش، ولا رجعت خطوة لورا.
بصيت للمحامي بنظرة ثاقبة وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقالت له: “أنت فاكر إنك جاي لست عجوزة مكسورة في قرية مقطوعة يا أستاذ؟ فاكر إن الذكاء بتاعك وبتاع موكلتك يمش عليا؟”.
المحامي اتفاجأ بثباتي، وقال بنبرة حديد: “بلا كلام فاضي يا حجة! هتمضي على التنازل ولا الرجالة يتصرفوا؟”.
قلت له وأنا برفع إيدي وأشاور على السقف بتاع البيت وعلى شجرة اللبُخ اللي قصاد الباب: “بص فوقك يا متر.. وشوف الكاميرات الحديثة اللي أنا مركباها الداير داير حولين البيت أول ما جيت هنا. الكاميرات دي بتنقل بث مباشر بصوت وصورة لمركز الشرطة بتاع التل الكبير، ولأجهزة الموبايل بتاعة كبار البلد هنا.. والخطوة اللي خطيتها أنت والبلطجية بتوعك جوة حوش بيتي، متسجلة دلوقتي بتهمة التهديد بالسلاح والاقتحام والابتزاز!”.
المحامي وشه اتخطف وبص فوقه بسرعة، وفي نفس اللحظة، اتسمع صوت سرينة عربيات البوليس وهي داخلة من أول الشارع الريفي بسرعة جنونية، والنور الأزرق والأحمر ضرب في حوائط البيت القديم.
حمادة جارنا الشاب الذكي، مكنش بس أداني عنوان البيت لمحمود، ده كان مأمنني ومراقب تحركات محمود من ساعة ما خرج من العمارة، ولما شاف العربيات الغريبة ماشية وراه، بلغني وبلغ مأمور المركز اللي بيقرب لنا من بعيد.



