روايات وقصص

في ذكرى جوازنا، جوزي2

مشيت في الممر الطويل الموصل لخروج المطعم، ورائي الهياج والصراخ بيزيدوا كل ثانية. فريد كان بيزعق في المصورين، وصوت تكسير أطباق وزجاج صادر من اتجاه الترابيزة الرئيسية أعلن إن أعصابه اتفلتت تماماً. المعازيم ينقسموا لنصين؛ نص بيتزاحم عند الباب عشان يلحق يتفرج عليا وأنا طالعة، والنص التاني ملموم حوالين فريد اللي وشه بقى أصفر زي الورق وهو بيحاول يتصل بمحاميه بصوابع بترتعش ومش عارف يجمع أرقام التليفون.

أول ما وصلت للباب الخارجي، لقيته واقف هناك.. الأستاذ عادل الشاذلي المحامي، بلبسه الأنيق وشعره الأبيض المتناسق، ماسك في إيده محفظة جلد سوداء ثقيلة. كان مستنيني برة القاعة بالظبط، وضابط شرطة برتبة نقيب واقف جنبه ومعاه اثنين من أفراد الشرطة.

المعازيم اللي خرجوا ورايا وقفت حركتهم فجأة، والهمس بين الضيوف بقى طنين مرعب أول ما شافوا بدلة الضابط.

فريد خرج بيجري ورايا، كرافتته ملوية وقميصه مفتوح، وبيصرخ بصوت رايح: “إلهام! فكري كويس في اللي بتعمليه! إنتي فاكرة الشرطة والقانون هيمشوا على مزاجك؟ أنا جوزك! الجوازة دي مش هتخلص بالسهولة دي، وأنا ليا حق في كل شبر!”

الأستاذ عادل خطى خطوة هادية لدمدمة فريد، وطلع من المحفظة ورقة رسمية مختومة بختم النسر البرّاق، وبص لفريد بنظرة باردة خالصة من غير أي انفعال.

وقال الأستاذ عادل بصوت واثق ورزين: “يا أستاذ فريد.. اتفضل استلم إذن النيابة العامة بالتفتيش والحفظ التحفظي على أصول شركة (الاستشارات المتكاملة) المملوكة لموكلتي الأستاذة إلهام. وحابب أبلغك بصفتي موكلها إن في بلاغ رسمي أتقدم ضحك بيك النهاردة الصبح الساعة تسعة في نيابة الأموال العامة بتهمة الاختلاس واستغلال التوكيل الملغى من سنتين في سحب مبالغ مالية تجاوزت التسعة مليون جنيه من حسابات الشركة.”

فريد ثبت في مكانه زي ما يكون اتكهرب. الموبيل وقع من إيده على الأرض الرخام واتكسرت شاشته نصين. وشه اتقلب لـ لون الشمع الميت، وبص للضابط وبعدين بصلي وهو مش مصدق.

الضابط قرب منه وقال بلهجة جادة وحازمة: “يا أستاذ فريد، محتاجين حضرتك معانا في القسم فوراً عشان تطلع على البلاغ وتقدم أقوالك، ويفضل تتصل بالمحامي بتاعك يجيلك هناك.”

أخو فريد اللي كان بيتسحب يحاول يخرج من الباب الجانبي للپاركينج، وقفه واحد من أمناء الشرطة بصوت عالي: “استنى عندك يا أستاذ.. اسمك مدرج في البلاغ كشريك في التوقيعات المزورة، اتفضل معانا أنت كمان.”

الصدمة كانت أكبر من القاعة وأكبر من الذكرى الـ 25. الضيوف وقفوا مذهولين، التليفونات اللي كانت بتصور “دراما الزوجين” بقت بتسجل لحظة القبض على فريد وأخوه في قلب مدخل الفندق الفخم. أختي خرجت ورايا ووقفت جنب المحامي، حطت إيدها على كتفي وهي بتتنفس بحرية لأول مرة من سنين.

فريد بصلي بنظرة انكسار مرعبة، الخوف أكل كل الغرور اللي كان فيه. جرب يقرب مني خطوة ولسانه يتلعثم: “إلهام.. أرجوكي.. بلاش توصل للشرطة والسجن.. ده إحنا بيننا 25 سنة! دي عشرة عمر! نتفاهم يا إلهام.. أنزل على رجليكي أستسمحك بس بلاش الموضوع ده!”

قربت منه بضع خطوات، وبصيت في عينيه بثبات تام، وقربت منه لدرجة إن صوتي كان مسموع له وللضابط والمحامي بس: “العشرة دي أنت اللي دهست عليها بجزمتك قدام الكل لما افتكرت إنك بتقدر تذلني في ليلة ذكرى جوازنا. الـ 25 سنة دول مكنوش جواز يا فريد.. دول كانوا فترة عقوبة، والنهاردة صدر قرار الإفراج عني.. وعقوبتك أنت يادوب لسه هتبدأ.”

الضابط حط إيده على كتف فريد ولَفّه بهدوء عشان يكلبشه، وفريد ينظر لي بنظرة طفل بيغرق ومش لاقي قشة يمسك فيها، وبدأ يصرخ ويكرر اسمي بصوت رايح وهو بيتسحب لبرة القاعة باتجاه عربية البوكس اللي كانت واقفة برة والفلاشات بتضرب في وشه من كل اتجاه.

صوت الأغلال الحديدية وهي بتقفل على إيدين فريد كان أخر نغمة اتعزفت في سهرة ليلة ذكراك الـ 25. انقاد هو وأخوه برة صالة الفندق الفخمة، وسط عدسات المصورين اللي حجزهم بنفسه عشان يوثقوا الفضيحة، لكن الفضيحة المرة دي اتغير صاحبها، واتسجلت كواليسها بالكامل في سجلات النيابة العامة.

القاعة ورايا بقت عبارة عن كتلة من الصمت والمفاجأة. المعازيم اللي حضروا عشان يتفرجوا على كسرتي، كانوا واقفين مرصوفين على الجانبين، بيوسعوا لي الطريق وبينظروا لي بنظرات مزيج بين الخوف والذهول والمهابة. محدش تجرأ ينطق كلمة واحدة ولا حتى يهمس، الهيبة اللي غابت 25 سنة تحت مسمى “الصبر والستر” رجعت في ليلة واحدة وألجمت الكل.

الأستاذ عادل قفل محفظته الجلد وقال بابتسامة وقورة: “كل شيء تم حسب الخطه يا مدام إلهام. المحضر اتسجل، والشرطة دلوقتي بتتحفظ على مستندات المكتب والعربية، والساعة 8 الصبح الشقة هتتأمن بالكامل وشنط هدومه الشخصية بس هي اللي هتكون عند الحارس.”

هزيت رأسي بهدوء، وأنا بحس بوزن ثقيل كان كاتم على صدري لسنين وبيترفع فجأة. بصيت لأختي اللي كانت عينيها مليانة دموع، بس المرة دي دموع فخر وانتصار، مسكت إيدها وخرجنا لسلسلة السلالم الرخامية الموصلة لمدخل الفندق الخارجي.

الهوا البارد خبط في وشي أول ما خرجت، وكان أول نفس نقي أتنفسه من سنين طويلة. الشارع كان هادي، وأضواء عربية الشرطة وهي بتبعد وبتبعد معاها فريد كانت بتمسح أخر أثر للماضي القاسي اللي عشته.

الرجالة اللي زي فريد، بيفتكروا إن المرأة لما بتسكت وتسامح وتغفر، بتكون ضعيفة ومالهاش حيلة. مبيفهموش إن السكوت أحياناً بيكون مجرد استراحة محارب، وتجميع للأوراق والحلول لحد ما تيجي اللحظة المناسبة للضربة القاضية. فريد اختار المسرح، واختار التوقيت، واختار الجمهور.. وأنا بس أعدت كتابة النص وغيرت النهاية.

ركبت عربيتي، والأستاذ عادل فتح الملف اللي معاه وقال: “بكرة الصبح عندنا جلسة تحكم في تجميد الحسابات البنكية الشخصية لفريد، وفي قضية تزوير محرر رسمي هترفع بكرة بعد الظهر بناءً على تقرير الخبراء.”

رديت وأنا بصل لشوارع القاهرة الهادية من ورا الإزاز: “تتعمل كل الإجراءات يا أستاذ عادل.. مش هسيب حق قرش واحد، ولا هسيب حق ليلة واحدة قضيتها مقهورة في البيئة دي.”

الشمس كانت لسه بتبدأ تطلع ورتوش النور بتشق ظلام الشارع، لما وصلت العربية التابعة لشركة أمن خاصة ووقفت قدام العمارة. الحارس نزل يجري ووشه باين عليه الذهول والخوف من اللي سمعه عن أحداث ليلة أمس.

نزلت من العربية وبصيت للعمود الرخام الضخم اللي مكتوب عليه اسم العمارة.. المكان اللي عشت فيه 25 سنة حاسة إني غريبة، جارية بتخدم، أو مجرد ديكور كمل بيه فريد وجاهته الاجتماعية.

الأستاذ عادل كان واقف مع فريق الأمن، والأوامر كانت حاسمة ومباشرة: غيروا كالون الباب الرئيسي للفيلا فوراً، وممنوع دخول أي كائن بدون إذن شخصي مني. الشنط الكبيرة اللي اتحطت فيها هدومه الشخصية وأدواته الخاصة، اترصت جنّب غرفة الحارس تحت، ومعاها الورقة الرسمية الصادرة من النيابة بمنعه من دخول العقار.

طلعت الشقة. المكان كان هادي بطريقة مرعبة، الشموع اللي كان مولعها قبل ما ننزل السهرة كانت مخلصة ومطفية، وريحة البرفان بتاعه لسه معلقة في الجو. مشيت في الممر اللي شهد على آلاف المرات اللي اتسحبت فيها لكرامتي، وعلى العياط المكتوم اللي كنت بداريه في المخادع عشان أطفالي ومحدش يحس بحاجة.

دخلت غرفته الخاصة، فتحت الخزنة الحديدية اللي كان فاكر إن الباسورد بتاعها سر لا يعلمه إلا هو. ضربت الأرقام ببرود.. تاريخ ميلادي أنا، التاريخ اللي هو استخدمه كنوع من الاستهزاء وقال قبل كدة إنه مش هينساه عشان يفتكر يوم نكسته. الخزنة اتفتحت.

جوة الخزنة، مكنش في فلوس بس.. كان في الأوراق الأصلية للشركات الوهمية اللي كان بيديرها من ورايا، والدفاتر اللي تثبت عمليات الغسيل والتزوير اللي كان بيمارسها بمساعدة أخوه عشان يهرب من الضرائب ويكتب العقارات باسم أناس تانيين. الأوراق دي مكنتش مجرد أدوات إدانة، دي كانت المسمار الأخير في نعش كل خطة حاول يرسمها عشان يخرج من السجن.

موبايلي رن. كان رقم غريب. فتحت الخط وجاني صوت محامي فريد، كان صوته متوتر ومش قادر يداري ارتباكه: “مدام إلهام.. الأستاذ فريد في محبس النيابة في حالة انهيار تام، وضغطه مرتفع جداً. هو بيترجاكي تسحبي البلاغ، ومستعد يوقع على أي إقرار بالطلاق وبشهادة التنازل عن أي مستحقات، وبدون أي شروط.. بس بلاش قضايا الأموال العامة والتزوير.”

مسكت دفتر الأوراق وأنا بقلب فيه ببرود، وبصيت لنفسي في المراية الكبيرة اللي قدامي. شفت إلهام الجديدة.. الست اللي مقتلتش أملها، لكن أحيت قوتها.

قلت للمحامي بصوت هادي وزي الحديد: “قول لفريد إن 25 سنة كانت كفاية أوي.. هو اللي فتح الباب، وأنا اللي هقفله بيدي. والقانون مش بياخد بالدموع يا أستاذ.. خليه يستعد للجلسة الجاية.”

قفلت السكة في وشه، وحطيت أوراق الإدانة في حقيبتي الجلدية، ودفعت ستائر الصالون عشان الشمس تدخل وتغمر المكان كله بنور جديد.

مرت ستة أشهر على تلك الليلة التي ظن فيها فريد أنه يكتب الفصل الأخير من إهانتي، لكنه في الحقيقة كان يكتب السطر الأول من نهايته.

اليوم، وقفتُ أمام المرآة الكبيرة ذاتها في الصالون، لا لأبحث عن آثار القهر في عينيّ، بل لأتأمل امرأة أعادت بناء نفسها من بين الركام. الشقة الشاسعة التي ملأها بزهوه الكاذب لربع قرن، أصبحت الآن تنبض بالهدوء والسلام، لا صوت فيها يرتفع بالتهديد، ولا قلق يتسلل إلى قلبي مع كل دقة جرس.

أغلقتُ حقيبتي الجلدية وبداخلها الحكم النهائي الصادر من المحكمة: الطلاق للضرر مع الاحتفاظ بكافة حقوقي الشرعية والمالية، وإدانت فريد وشقيقه بالسجن المشدد لمدة سبع سنوات في قضايا التزوير واختلاس أموال الشركة.

في قاعة المحكمة الصباحية، كان المشهد يختصر كل شيء. فريد، الذي كان يرتدي القمصان الحريرية ويتحدث بنبرة التعالي، كان يقف خلف القفص بملابس السجن الزرقاء، وشه شاحب، وجسده هُزل من أثر الخيبة والمرض. لم يتجرأ حتى على رفع عينيه في عينيّ. أما شقيقه، فكان يبكي بحسرة وهو يسمع منطوق الحكم، بعدما أدرك أن ثمن التملق والشر قد حان وقته.

حين سار نحو سيارة الترحيلات، مرّ بالقرب من المساحة التي أقف فيها مع المحامي. توقف لثوانٍ، وبصوت خافت يبحث عن أمل مفقود، قال: “إلهام… كل ده عشان كلمة قلتها في ليلة الذكرى؟”

نظرتُ إليه بابتسامة هادئة، أصلحتُ أطراف معطفي الرمادي الأنيق، وقلتُ له بوضوح ينهي كل شيء: “لا يا فريد… مش عشان الكلمة. الكلمة كانت بس قشة قصمت ظهر صبر دام 25 سنة. أنت افتكرت إنك أعدمتني قدام الناس، بس الحقيقة إنك كنت بتسلمني المفتاح اللي هخرج بيه من سجنك.”

تركته ورحلت، وصوت أقدامي الواثقة يرن في أروقة المحكمة، مصحوباً بنسيم الحرية الذي استعدته بجدارتي.

خرجتُ إلى ساحة الشمس المشرقة، حيث كانت أختي بانتظاري بابتسامة واسعة، والسيارة في انتظارنا لننطلق إلى مكتبي الجديد الذي توسع وأصبح شركة استشارات كبرى تحمل اسمي بكل فخر.

25 سنة لم تذهب هباءً؛ لقد كانت الدرس القاسي الذي صنع مني المرأة التي أنا عليها الآن… امرأة لا تُكسر، ولا تصمت عن حقها بعد اليوم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى