
مرت أسابيع على صدور الحكم النهائي ضد أحمد بالسجن المشدد خمس سنوات، وحكم طلاقي للضرر الذي استرددتُ به حريتي المسلوبة. كانت الشقة التي طالما شهدت على عشر سنوات من زواجي الخالي من الصدق قد أُغلقت تماماً، ووُضعت عليها الشمع الأحمر بقرار من النيابة لاستكمال إجراءات الحجز والتحفظ على الممتلكات لصالح رد المبالغ المستولى عليها.
لكن الصراع لم ينتهِ تماماً عند جدران السجن. فبينما كان أحمد يقضي أيامه الأولى خلف قضبان السجن العمومي، كانت الذيول التي تركها خلفه تحاول العبث في الخفاء.
في صباح يوم حديدي البرودة، كانت أمي تجلس معي في صالة بيت عائلتي، تحاول أن تخفف عني بكلماتها الحنونة وتدعوني للبدء من جديد والتفكير في حياتي وصحتي. وفجأة، رن هاتف البيت الأرضي. رفعت أمي السماعة، ولم تمر ثوانٍ حتى تبدلت ملامح وجهها إلى الوجوم والضيق، ثم مدّت لي السماعة وهي تقول بصوت خفيض:
— دي نهى يا مريم… بتقول لازم تكلمك.
ترددتُ لحظة. نهى التي كانت الخنجر الثاني في ظهري، والتي نالت جزاءها أيضاً بالخروج من هذه الخديعة بلعنة الفضيحة وخسارة كل شيء. رفعت السماعة وقلت بصوت جاف وخالٍ من أي تعاطف:
— خير يا نهى؟ عايشة ليه بتتصلي بيّا تاني؟ القضية وانتهت، وأحمد بيقضي عقوبته.
جاءني صوتها من الناحية الثانية متقطعاً ومصحوباً ببكاء مكتوم وخائف:
— مريم… أرجوكِ ما تقفليش السكة في وشي. أنا مش بتصل عشان أطلب منك تسامحيني أو تتنازلي عن حاجة… أنا بتصل أحذرك!
قطعتُ حاجبَيّ وقلت بحدة:
— تحذريني من إيه؟!
قالت نهى بنبرة مذعورة:
— سمر… أخت أحمد! سمر ما سكتتش يا مريم. بعد ما النيابة بدأت تتحفظ على الحسابات البنكية اللي باسمها والشقة اللي كانت مكتوبة باسمها من فلوسكم، أتجنت تماماً. سمر اتصلت بيا إمبارح بالليل وهي فاكرة إننا لسه في خندق واحد، وكانت بتتكلم بغل مش طبيعي. بتقول إنها مش هنسيبك تهني بالحكم، وإنها بتجهز بلاغ كاذب وشكوى كيدية ضدك وضد أخوكي عمر في مكان شغلك وفي نيابة الأموال العامة!
ابتسمتُ بسخرية واستخفاف:
— شكوى كيدية؟! وبلاغ بإيه إن شاء الله؟ ما خلاص كل المستندات والتحريات والطب الشرعي أثبتوا التزوير والنصب على أحمد وعليها!
ردت نهى بسرعة وخوف:
— هي وجوزها اتفقوا مع محامي فاسد، وبيحاولوا يصنعوا إيصالات أمانة مزورة بتوقيعات قديمة ليكي ولعمر، بيمدوا تاريخها لسنة 2019، وبيقولوا إن الفلوس اللي أحمد أخدها وحولها لسمر كانت مديونية سابقة على أخوكي عمر ليهم! عايزين يلخبطوا الأوراق ويجبروا عمر ويتنازل عن قضايا التحفظ وعن تتبع الأموال مقابل إنه يسحب الإيصالات دي!
شعر رأسي وقف من حجم القذارة والغل الذي يسكن هذه العائلة. لم يكتفوا بضياع عمري وحملي وتزوير أوراقي، بل كانوا يريدون جرف أخي الوحيد الذي كان سندي إلى قاع أوحالهم الكاذبة!
قلت لنهى بثبات ورأس مرفوع:
— شكراً إنك بلغتيني يا نهى… بس قولي لسمر إن اللعبة اللي عملها أخوها وأتمسكت بيها، هي هتقع فيها أسرع مما تتخيل!
قفلت السماعة، وعلى الفور اتصلت بأخي عمر وبالأستاذ رفعت المحامي. التقينا في نفس المساء في مكتب المحامي، وحكيت لهما كل ما دار في المكالمة.
الأستاذ رفعت لم يتفاجأ؛ بل شبّك أطراف أصابعه وقال بهدوء الواثق من خطواته:
— المحاولات الكيدية دي متوقعة جداً من أطراف مزنوقة في الزاوية وبترفض الخسارة. بس سمر وجوزها غافلين عن نقطة جوهرية… النيابة العامة لما تحفظت على حساباتها، أخدت “تفريع كامل” لكافة التحويلات البنكية وتوارخها وربطتها بالحساب المشترك بينك وبين أحمد! أي إيصال أمانة يدّعوا إنه بين عمر وبينهم بتاريخ قديم، هيُعتبر فوراً جنحة تزوير جديدة وتقديم مستندات مزورة للسلطات القضائية، وبدل ما تكون سمر شريكة في النصب بس، هتوجه لها تهمة التزوير واستعمال محررات مزورة زي أخوها بالظبط!
عمر خبط إيده على الطاولة وقال بغضب حاسم:
— أنا مش هسيبهم يتنفسوا يا أستاذ رفعت. إحنا هنبادر فوراً ونقدم طلب رسمي للنيابة العامة بطلب حماية وشكوى استباقية بالتهديد والابتزاز، ونرفق فيه التسجيلات والمستندات!
بالفعل، في اليوم التالي، قدم الأستاذ رفعت عريضة استباقية لرئيس النيابة الكلية، يشرح فيها محاولات عائلة المتهم أحمد لابتزازنا وتهديدنا بإيصالات كيدية لإجبارنا على التنازل عن إجراءات التحفظ واسترداد الأموال.
ولم تمضِ أربعة أيام، حتى وردت أنباء صاعقة: النيابة استدعت سمر وجوزها لمواجهتهما بالتحريات النهائية حول أموال غسيل النصب. وعندما حاولت سمر التلميح بوجود مديونيات على أخي، واجهها وكيل النيابة بالتقرير البنكي الحاسم الذي يثبت أن كل قرش دخل حسابها كان محولاً مباشرة من الحساب المشترك بيني وبين أحمد أو مسحوباً كاش في أيام ولادات نهى!




