روايات وقصص

حكايات امانى 3

فتحت الأجهزة الطبية المعلقة فى غرفة العناية المركزة أصواتاً منتظمة وثابتة، تكسر صمت المكان وتعلن أن صلاح ما زال يحارب لأجل نَفَسٍ آخر. على الكرسي المجاور للفراش، كانت هدير جالسة بوجه هادئ تكسوه ملامح الرحمة، تتلو فى صمت آيات من الذكر الحكيم، بينما يقف ابنها الأكبر مستنداً إلى الجدار، ملامحه جامدة لكنها تحمل كل معاني الرجولة والمسؤولية.

 

لم تكن زياراتهم لصلاح مجاملة باردة، ولا استعراضاً للصفح الشكلي، بل كانت انعكاساً حقيقياً لأصلهم الطيب وتربيتهم التي لم تفسدها قسوة الأيام ولا مرارة الظلم. كانوا يدركون أن الإنسان فى لحظة ضعفه وموته لا يُحاسب على ما مضى بقدر ما يُعامل بإنسانية ونقاء سريرة.

بعد أيام ثقيلة من ترقب الموت والحياة، بدأ صلاح يفتح عينيه ببطء شديد، وكان النور الساطع فى الغرفة يزعجه فى البداية. حاول تحريك شفتيه الجافتين ليتكلم، فمالت هدير نحوه برفق، وسقت قطرات ماء خفيفة على شفتيه، وقالت بصوت هادئ يملؤه الأمان:

ـ اهدأ يا صلاح، لا تتكلم ولا تتعب نفسك، الحمد لله على سلامتك، إحنا جنبك ومش هنتسلى عنك.

التفتت عينا صلاح الباهتتان نحوها، ثم تحركت ببطء لتستقر على وجه ابنه الواقف هناك. فى تلك اللحظة، انحدرت دوع حارة وغزيرة من عيني صلاح العجوز، دموع لم تكن مجرد بكاء على ألم الجسد، بل كانت نهراً جارياً من الندم السحيق الذي حرقه من الداخل. أدرك كم كان أعمى حين ضحى بقلب ينبض له بالوفاء طوال العمر، وبأولاد يحملون اسمه ويقفون معه يوم تخلى عنه الجميع وهربت من ظنها يوماً سنداً له.

حاول صلاح رفع يده المرتعشة وكأنه يسترحمهم أو يطلب العفو، فتقدم الابن بخطوات ثابتة وجلس على حافة الفراش، ومسك يد أبيه الضعيفة، وقال بصوت حنون وخالٍ من أى غل:

ـ ارتاح يا أبى، الصفحة القديمة اتقفت بما فيها، والحمد لله ربنا نجّاك عشان تاخد فرصة تانية تعيش بيها مستريح الضمير. لا تشيل هم حاجة، إحنا أهلك وفى ضهرك، بس الأهم إنك تصفى قلبك وترجع لصحتك.

عاش صلاح الأسابيع التالية رحلة تعافي طويلة، ليس فقط فى الجسد، بل فى الروح والوجدان. عاد إلى البيت، لكن ليس كالسابق جباراً متغطرساً، بل إنساناً مكسور الكبرياء، عرف قدر النعمة التى فرط فيها. أُغلق باب شقة ثريا تماماً وظلت فارغة ومغلقة كذكرى لأيام مظلمة ولّت بلا رجعة، بينما عادت الحياة إلى شقة هدير تحمل دفء العائلة الحقيقية واحترام متبادل يعوض كل سنوات القهر.

جلس صلاح يوماً على كرسيه فى الشرفة، ينظر إلى الشمس وهي تغرب بهدوء، ويشرب شايه الذى صنعته له هدير بيديها، ولسانه لا يمل من الاستغفار والدعاء بأن يغفر الله له ما اقترف، شاكراً ربه أن أمهله عمراً جديداً ليرى بأم عينه أن الوفاء الأصيل لا يموت أبداً مهما اشتدت العواصف.

مرت الأشهر وكأنها بلسم شافٍ على قلوب أنهكتها العواصف، وتحولت جدران البيت تدريجياً إلى مساحة يخيم عليها السكون والسلام الحقيقي. لم يعد الصمت الموحش ولا نظرات التوجس هى ما يطبع أيامهم، بل حل محلها دفء عائلى طال انتظاره.

كان صلاح قد تغير جذرياً؛ فقد كسر المرض كبرياءه القديم، وعلّمته قسوة التجربة أن الإنسان لا يبقى له سوى أصله الطيب ومعدن الناس الأوفياء الذين وقفوا معه فى أسوأ منعرجات حياته. أصبح يقضي جل وقته فى الشرفة أو فى زاويته الهادئة، يراجع أخطائه بصمت، ويداوم على تقديم الاعتذار نظراً وفعلاً لكل فرد فى البيت، وخاصة لهدير التي كانت تواجه ندمه بقلب أبيض لا يعرف الحقد ولا يحمل سوى التسامح.

أما هدير، فقد استردت بكامل إرادتها وعزيمتها بريق حياتها وثقتها بنفسها. لم تعد تلك المرأة المكسورة التى يسهل إرهابها أو النيل من كرامتها، بل أصبحت عمود البيت الحقيقي وتاج رأسه، ينظر إليها صلاح وأولادها بعين التقدير والإجلال. كان ابنها الأكبر يحرص دائماً على أن يحيطها بالرعاية والاهتمام، وكأنه يعوضها عن كل دمعة نزلت من عينيها فى سنوات الظلم والقهر.

وفي يوم ربيعى هادئ، هبت نسائم لطيفة تداعب أوراق الشجر فى الشارع، وجلس الجميع معاً فى الصالة الواسعة التى طالما شهدت أبشع معارك الخداع والمكائد، لكنها اليوم أصبحت مزاراً للسلام والصفاء. قدمت هدير الشاي لصلاح، فنظر إليها بعيون تملؤها الدموع والامتنان، وقال بصوت خفيض يكاد يرتجف:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى