
جوزي جاب أهله الكبار في السن وقعدهم عندي في البيت، وقالها بكل برود: “خلّي بالك منهم لحد ما أرجع”. وطبعاً ما كانش مسافر سفرية شغل عادية.. كان مسافر برا عشان يقضي أربع سنين مع عشيقته. ابتسمت له، وودعته لحد ما اختفى ورا بوابة المطار. وأول ما غاب عن عيني، وقفت كل كروت البنك بتاعته، وطلبت الطلاق، واتأكدت إنه مش هيلاقي مليم واحد لما يفكر يرجع البيت.
لندن؟ وأربع سنين دفعة واحدة؟
الشوكة الفضة اتزحلقت من إيدي ورزعت في طبق الصيني بصوت رنين عالي.
زياد قرب من الترابيزة وحط إيده فوق إيدي، وهو بيبتسم ابتسامته المعتادة اللي بتخليني أسامحه على بلاوي كتيرة مش عايزة أفتكرها.
وقال بصوت هادئ: “الأربع سنين هيعدوا قبل ما تحسي يا فريدة.. أنا بعمل ده عشان مستقبلنا”.
وقبل ما أنطق بحرف، حماتي كوثر خبطت بإيديها الاتنين على الترابيزة وقالت بفرحة: “الحمد لله.. أخيراً ابني جاله الفرصة اللي يستاهلها!”.
وبعدين بصت لي في عيني مباشرة بنفس نظرة التعالي والغطرسة اللي استحملتها طوال فترة جوازنا وقالت: “وطالما زياد مسافر، أنا وأبوكِ هننقل نقعد هنا معاكي.. عشان ما تقعديش لوحدك، وتبقى فرصة ليكي تبقي الصاحبة والكنة الأصلية اللي بجد”.
ولا كأن حد كلف خاطره يسألني رأيي، ولا حتى جه في بالهم إنهم لازم يعملوا كده.
خلاص قرروا إني هقضي الألف ربعمية وستين يوم اللي جايين محبوسة في بيتي، أخدم والدين زياد، وستنا كوثر كل يوم تقعد تنتقد أكلي، ولبسي، وشغلي في البيت، وكل نفس بطلعه.
دي ما كانتش مناقشة ولا اقتراح.. دي كانت حكم بالإعدام.
فضلت باصة للطبق بتاعي اللي ما قربتلوش.. وفجأة حسيت إن الأكل بقى طعمه رمل وتراب.
“خلاص..” قلت بصوت هادئ: “موافقة”.
زياد ابتسم وبان عليه إنه اتنفس الصعداء وارتاح.
وتاني يوم الصبح، وصلته بنفسي للمطار.
حضنني جامد عند بوابة التفتيش ووعدني إننا هنتواصل فيديو كل يوم، وباسني على جبهتي وقال لي إن السنين دي هتغير حياتنا للأحسن.
استنيت لحد ما اختفى جوه بوابة التفتيش.
وبعدين رجعت عربيتي، وقعدت وراء الطارة وقعدت أقنع نفسي إني هقدر استحمل اللي مستنيني في البيت.
وفجأة تليفوني رن.. رسالة إشعار من البنك ظهرت على الشاشة:
> تنبيه بمعاملة مالية: 15,000.00 دولار.
> التاجر: مجوهرات لومينا، شارع بيتشطري، أتلانتا.
نفسي اتخنق فوقفت مكاني.
قريت الرسالة مرة.. والتالتة.
خمسة عشر ألف دولار!
مصروفة في واحدة من أرقى وأغلى محلات المجوهرات في أتلانتا!
حكايات_صافي_هاني | حصرياً
ده المفروض إن طيارة زياد خلاص طالعة وكان مستني على البوابة عشان يسافر لندن!
بس الواضح إن ده ما حصلش.. هو لسه في أتلانتا!
وفجأة، كل الحاجات الصغيرة اللي كنت بطنشها وتعديها بدأت تتجمع قدامي وترسم الصورة كاملة.
التليفون اللي كان بيخبيه بحرص شديد.
الغيابات المفاجئة.
المصروفات الغريبة.
وسفاريته أبو أربع سنين اللي فرضها كأني عيل صغير مالوش حق يناقش.
زياد ما كانش سايبني عشان أخدم أهله وبس.. ده كان مسافر يعمل حياة جديدة مع واحدة تانية، وكمان عايزني أنا اللي أمولها وأصرف عليه من فلوسنا!
الخوف اللي جوايا اختفى تماماً، وحل مكانه هدوء وبرود غريب.. برود الذكاء والوعي الكامل.
وقفت العربية على جنب الطريق واتصلت بخدمة العملاء الخاصة بالبنك:
* خدمة البنك المميز، أقدر أساعد حضرتك بإزاي؟
قلت بهدوء تام وثبات: “اسمي فريدة.. أنا صاحبة الحساب الأساسي وعاوزه أبلغ عن عملية نصب وسرقة كبيرة”.
* أهلاً بحضرتك يا فندم، تحبي نعمل إيه؟
بصيت على المطار من مراية العربية وقلت بحسم: “اقفلوا كل الكروت المرتبطة بحساباتنا فوراً”.
وسكت ثانية وكملت: “كل كروت البلاتينيوم.. والكروت السودا.. الستة كلهم”.
* فوراً يا فندم، تحت أمرك.
صوابعي ضغطت جامد على طارة العربية.
زياد كان فاكر إنه خطط لكل خطوة بذكاء وإنه هرب بالخطة المثالية.. كان فاكر إني هقعد خدامة لأهله بطاعة عمياء وهو بيلعب برا مع عشيقته وبيصرف فلوسنا.
ما كانش يعرف أبداً، وقبل ما طيارته تتحرك من مكانها، إني كنت خلاص دمرت حياته اللي كان بيلف ويرجع لها!
—
لما خرجت من المطار، ما روحتش البيت على طول. فضلت قاعدة في عربيتي في الجراج، والتليفون في إيدي، وبصيت لرسالة البنك للمرة الأخيرة.
خمستاشر ألف دولار.
المبلغ ده ما كانش مجرد فلوس اتصرفت في محل مجوهرات. ده كان دليل إن الراجل اللي عشت معاه سبع سنين، واللي كنت فاكرة إني عارفة كل تفصيلة في حياته، كان بيعيش حياة تانية وأنا آخر واحدة تعرف.
فتحت تطبيق البنك، وراجعت العمليات الأخيرة واحدة واحدة:
* تلاتة آلاف دولار في فندق فاخر في أتلانتا.
* ألفين وممتين دولار في محل ملابس حريمي.
* تمن تذاكر سفر اتدفعت من حسابنا من شهرين.
وبعدين لقيت عملية تحويل كبيرة، تمت من حوالي أسبوع، لحساب باسم شركة استشارات مالية ما سمعتش عنها قبل كده.
فضلت باصة للشاشة وأنا بحاول أربط كل حاجة ببعضها.
زياد كان بيقولي إنه بيجهز للسفر إلى لندن من ست شهور. كان بيحكي عن عقد شغل كبير، وعن شركة دولية طلبته بالاسم، وعن فرصة هتخلينا نعيش بقية عمرنا من غير ما نحسب حساب لأي حاجة.
حتى أهله كانوا عارفين بالموضوع، أو على الأقل ده اللي كنت فاكره.
لكن فيه سؤال واحد فضل يلف في دماغي:
لو زياد مسافر لندن فعلًا، إيه اللي جابه أتلانتا؟
وليه بيشتري مجوهرات بخمستاشر ألف دولار من فلوسنا؟
وليه كل المصاريف دي كانت متسجلة على حسابات أنا صاحبتها الأساسية؟
فتحت سجل المكالمات، ودورت على رقم زياد.
كنت هاتصل بيه، لكني وقفت قبل ما أضغط على الزر.
لأول مرة من سنين، ما كانش عندي أي رغبة إني أسمع صوته وهو بيبرر.
أنا كنت محتاجة أفهم، مش أسمع كدبة جديدة.
اتصلت بالبنك مرة تانية، وطلبت منهم يراجعوا كل الحسابات المشتركة والبطاقات الإضافية المرتبطة باسمي، ويوقفوا أي معاملات جديدة مش مصرح بيها مني، مع الاحتفاظ بسجل العمليات والمستندات الخاصة بيها.
الموظفة أكدتلي إن البطاقات اتوقفت، وإن أي طلبات إضافية هتحتاج مراجعة.
بعدها اتصلت بمحامية كنت اتعاملت معاها من سنتين لما كنت بشتري شقة صغيرة باسمي. اسمها الأستاذة نادية.
أول ما سمعت صوتي، سألتني:
* فريدة؟ مالك يا حبيبتي؟ صوتك مش طبيعي.
قلت لها وأنا ببص قدامي: “أنا عايزة أرفع قضية طلاق، وعايزة أعرف حقوقي في كل الفلوس والممتلكات اللي باسمي وباسم جوزي”.
سكتت لحظة، وبعدين قالت: “حصل إيه؟”
* لسه مش عارفة كل حاجة، بس عارفة إن فيه حاجة غلط كبيرة، ومش عايزة أتصرف تصرف أندم عليه بعدين.
ردت بحزم: “تمام. ما تواجهيهوش دلوقتي، وما تمضيش على أي ورقة، وما تحركيش أي أموال بهدف إخفائها. اجمعي كل المستندات اللي تخصك، وأنا هراجع معاكي كل حاجة خطوة خطوة”.
قفلت معاها، وحطيت التليفون في الشنطة.
كنت عارفة إن اللي جاي مش هيكون سهل.
لكن كان فيه مشكلة تانية مستنياني في البيت.
حماتي كوثر، وحمايا عم حسين، كانوا وصلوا بالفعل.




