
لما فتحت باب الشقة، لقيت شنطهم مرصوصة جنب الكنبة، وهدومهم متعلقة في مدخل الأوضة اللي كنت بستخدمها مكتب لشغلي.
كوثر كانت قاعدة على الكنبة، لابسة جلابية بيت جديدة، وتقلب في التليفزيون كأنها صاحبة المكان من سنين.
أما عم حسين، فكان قاعد على كرسي جنب الشباك، حاطط عصايته على الأرض، وبيحاول يقوم عشان يسلم عليا.
جريت ناحيته وسندته: “حمد لله على السلامة يا عمي. الطريق كان متعب؟”
ابتسم بتعب وقال: “الحمد لله يا بنتي. ربنا يعينك علينا”.
قبل ما أرد، كوثر قالت من مكانها: “هو إحنا لسه هنقعد نستنى الأكل؟ أنا من الصبح ما كلتش حاجة عدلة”.
بصيت لها بهدوء: “الأكل هيكون جاهز كمان شوية يا طنط”.
رفعت حاجبها وقالت: “طنط إيه؟ أنا بقيت زي أمك، ولا نسيتِ إن جوزك مسافر وسايبنا أمانة عندك؟”
الكلمة الأخيرة نزلت عليا تقيلة.. “أمانة”.
زياد ما قالش ليا إنهم هيقعدوا معايا فترة مؤقتة لحد ما يرتبوا أمورهم. هو قالها بكل بساطة إنهم هينقلوا عندي، كأن البيت بتاعي مجرد مكان متاح لخدمة عيلته.
كنت مستعدة أستضيفهم، وأحترم سنهم، وأراعي ظروفهم.
لكن اللي ما كنتش مستعدة له هو إن حياتي تتحول لخدمة إجبارية، وإن جوازي يبقى حجة يتفرض بيها عليا كل شيء.
دخلت المطبخ، وبدأت أجهز الغدا.
وأنا بقطع الخضار، سمعت كوثر بتنده عليا: “فريدة! تعالي هنا شوية”.
مسحت إيدي، وخرجت لها.
كانت واقفة قدام باب أوضتي، وبتبص للسريروالدواليب.
قالت: “الأوضة دي هتبقى ليا أنا وأبو زياد. الأوضة التانية أوسع، وهتنفعكم أنتم الاتنين لما زياد يرجع”.
بصيت لها باستغراب: “بس دي أوضتي يا ماما، والأوضة التانية فيها مكتبي وحاجات شغلي”.
ردت ببرود: “شغلك تقدري تعمليه في الصالة. إنما أنا عندي وجع في ضهري ومحتاجة سرير مريح. وبعدين إنتِ لوحدك دلوقتي، هتعملي إيه بكل المساحة دي؟”
ما رديتش فورًا.
كنت واقفة قدامها، وبحاول أصدق إن دي نفس الست اللي كنت بشتري لها هدايا في كل مناسبة، واللي كنت باخدها للدكاترة وأستنى معاها بالساعات، واللي كنت بقول لنفسي إن معاملتها الصعبة مجرد طبع قديم هيتغير مع الوقت.
قلت بهدوء: “أنا هجهز لحضرتك الأوضة اللي جنب الحمام، سريرها كويس وقريبة من كل حاجة”.
وشها اتغير: “يعني إيه؟ إنتِ بترفضي كلامي؟”
* مش برفض حاجة يا ماما. أنا بحاول أريحكم، وفي نفس الوقت أحافظ على خصوصية كل واحد في البيت.
ضحكت ضحكة قصيرة وقالت: “خصوصية؟ هو إحنا جايين غرب عنك؟ ده أنا أم جوزك!”.
وفي اللحظة دي، ظهر عم حسين عند باب الأوضة.
كان سامع جزء من الكلام، فبص لمراته وقال: “خلاص يا كوثر، البنت لسه راجعة من مشوار. سيبيها ترتاح”.
لفت له بعصبية: “وأنا قلت إيه؟ أنا بطلب حقي!”.
ما علقتش.
رجعت المطبخ، وكملت الغدا.
لكن لأول مرة، وأنا بحط الأطباق على الترابيزة، ما حسيتش إني مطالبة أكسب رضا حد مهما كان الثمن.
كنت هحترمهم، لكن مش هسمح لحد يمسح وجودي من بيتي.
وبعد الغدا، وأنا بغسل الأطباق، رن تليفوني.. رقم دولي غريب.
رديت بحذر: “ألو؟”
جالي صوت ست، هادي وواثق: “مساء الخير. حضرتك فريدة، مرات الأستاذ زياد؟”
حسيت بقلبي بيدق أسرع: “أيوه، مين معايا؟”
قالت: “أنا اسمي ليلى. وآسفة إني بكلمك بالطريقة دي، بس فيه موضوع يخص زياد، ولازم تعرفيه قبل ما يحصل أي حاجة”.
نشفت إيدي في الفوطة، وقلت: “اتفضلي”.
سكتت ثواني، وبعدين سألتني سؤال خلاني أحس إن الأرض بتتحرك من تحتي:
“هو زياد قالك إنه مسافر لندن عشان الشغل؟”
بصيت ناحية الصالة، أتأكد إن حماتي وحمايا مش قريبين: “أيوه. ليه؟”
قالت بصوت منخفض: “لأنه مش مسافر لندن، يا فريدة. هو موجود في أتلانتا، وكان المفروض يقابلني النهارده”.
غمضت عيني.
كنت مستنية أسمع تأكيدًا لشكوك بدأت من ساعة ما شفت رسالة البنك، لكن سماع الحقيقة من حد غريب كان له وقع مختلف تمامًا.
سألتها: “إنتِ مين بالنسبة له؟”
ردت بعد تردد: “أنا كنت شغالة معاه في الشركة اللي قالك إنه بيجهز عقد معاها. وأنا اللي اكتشفت إن فيه مستندات مالية باسمي اتقدمت من غير علمي. لما واجهته، اختفى يومين، وبعدين عرفت إنه كان بيجهز للسفر”.
* وإيه علاقتي أنا بالموضوع؟
قالت: “لأن اسمك موجود في مستندات تانية، وفيه تحويلات مالية مرتبطة حسابات مشتركة بينكم. أنا مش عارفة إذا كنتِ موافقة على ده أو لأ، وعشان كده قررت أتصل بيكي”.
سكتت لحظة، ثم أضافت: “وعندي نسخة من رسالة بعتها لي من أسبوع، بيقول فيها إنه هيكون في أتلانتا أربع سنين، وإنه رتّب كل حاجة في مصر قبل ما يمشي”.
حسيت برودة في أطرافي: “رتّب إيه بالظبط؟”
قالت: “مش هقدر أشرحلك كل حاجة في التليفون. لكن لازم أقولك إن فيه موعد مهم بكرة، ولو ما اتحركتيش بسرعة، ممكن تلاقي نفسك متورطة في حاجة إنتِ ما تعرفيش عنها أي حاجة”.
قبل ما أقدر أسألها، سمعت صوت حركة ورايا.
لفيت، فلقيت حماتي واقفة عند باب المطبخ.
كانت باصة لي بطريقة غريبة، كأنها بتحاول تفهم أنا بتكلم مين.
قلت لليلى بسرعة: “ابعتيلي رسالة باسم الشركة والمستندات اللي تقدري تشاركيها بشكل قانوني، وأنا هراجع الموضوع مع المحامية بتاعتي”.
قالت: “حاضر. بس أوعي تواجهي زياد قبل ما تتأكدي من كل حاجة”.
قفلت المكالمة، وحطيت التليفون على الرخامة.
كوثر قربت مني: “مين اللي كان بيتصل بيكي؟”
ردت وأنا برجع للفوطة: “واحدة من الشغل”.
ضيقت عينيها: “شغل إيه اللي بيتصل بيكي في الوقت ده؟ هو مش المفروض إنك فاضية لجوزك وأهله دلوقتي؟”
بصيت لها للمرة الأولى من غير ما أخفي ضيقي: “شغلي هو اللي بيساعدني أصرف على البيت يا ماما، ولسه هيفضل جزء من حياتي، سواء زياد هنا أو بره”.
وشها احمر من الغضب: “إنتِ اتغيرتي من ساعة ما ابننا سافر!”.
قلت بهدوء: “يمكن عشان بدأت أفهم حاجات ما كنتش واخدة بالي منها”.
سيبتها واقفة مكانها، ودخلت أوضتي.
قفلت الباب، وفتحت التليفون.
كانت ليلى بعتتلي رسالة بالفعل، فيها اسم الشركة ورقم تسجيلها، وصورة لرسالة إلكترونية مكتوبة من زياد.
فتحت الصورة، وبدأت أقرأ.
في أول الرسالة، كان بيقول إنه أنهى كل الترتيبات الخاصة بسفره، وإنه يقدر يعتمد على حساباته المشتركة لتغطية المصاريف خلال الفترة الأولى.
لكن السطر اللي بعده كان أخطر من كل اللي قبله:
“فريدة مش هتعترض على أي تحويلات، لأنها مش بتراجع التفاصيل المالية بنفسها. وأهلي هيكونوا عندها طول فترة غيابي، وده هيخليها مشغولة ومش هتسأل عن حاجة”.
فضلت باصة للكلام.
ما كانش مجرد كدب.. ده كان مخطط كامل، مبني على إنه عارف إني هتحمل، وهسكت، وهفضل أعمل كل اللي يريحه حتى لو على حساب نفسي.
وتحت الرسالة، كان فيه مرفق باسم ملف مالي.. ما فتحتهوش.
بعت الصورة للأستاذة نادية، وشرحت لها اللي حصل، وطلبت منها تحددلي إزاي أحافظ على حقوقي من غير ما أتصرف بطريقة تضر موقفي القانوني.
وبعد أقل من عشر دقايق، ردت عليا: “ما تفتحيش أي روابط مجهولة، وما تمضيش أي مستند، واحتفظي بنسخ من الرسائل الأصلية. بكرة الصبح تعالي المكتب ومعاكي كشوف الحسابات وأي أوراق تخص الشركة”.
كنت لسه بقرأ رسالتها لما وصلني إشعار جديد من ليلى.. صورة تانية.
المرة دي كانت لورقة فيها بيانات تحويل مالي، واسم مستفيد مختلف عن اسم الشركة اللي ظهرت في حساباتنا.
وتحت الصورة، كتبت: “فريدة، أنا آسفة، بس لازم أقولك إن زياد ما كانش بيخطط يسيبك أربع سنين وبس. هو كان بيحاول ينقل جزء كبير من أموالك لمشروع جديد قبل ما تسافري أو تعترضي، واسمك موجود في ورق المشروع”.
حطيت إيدي على بقي.
أنا ما وقعتُش على أي مشروع جديد.. وما وافقتُش على أي تحويل بالشكل ده.. يبقى إزاي اسمي موجود؟
قبل ما أكمل التفكير، خبط الباب: “فريدة، افتحي”.
كان صوت عم حسين.
فتحت له، فلقيته واقف متردد، ماسك ظرف بني قديم.
قال بصوت منخفض: “أنا مش عارف إذا كان المفروض أديكي الظرف ده دلوقتي ولا لأ، بس أنا مش هقدر أفضل ساكت أكتر من كده”.
بصيت للظرف، وبعدين لوشه: “إيه ده يا عمي؟”
دخل الأوضة وقفل الباب وراه، قعد على طرف الكرسي، وحط الظرف في إيدي:
“ده كان عندي من أسبوعين. زياد اداني إياه، وقال لي ما أفتحوش غير لو حصلت مشكلة”.
قلت بوجل: “مشكلة إيه؟”
هز راسه بتعب: “ما قالش. بس قبل ما يمشي، طلب مني أقولك إن كل حاجة تخص البيت لازم تفضل زي ما هي لحد ما يرجع، وإنك ما تتدخليش في أي أمور مالية”.
بصيت له بعدم تصديق: “هو قال لحضرتك الكلام ده؟”
* أيوه.
* وكان عارف إن حضرتك هتقعد معايا هنا؟
اتنهد وقال: “كان هو اللي مصمم على الموضوع. قال إن وجودنا معاكي هيكون أحسن لينا وليكي، وإنه مش عايزك تحسي بالوحدة”.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة: “الوحدة؟ هو كان بيجهز لحياة تانية، وأنا المفروض أقعد أخدم أهله وأستناه أربع سنين؟”
عم حسين وطى راسه: “أنا ما كنتش أعرف كل ده يا بنتي. والله ما كنت أعرف”.
فتحت الظرف.
كان جواه صورة من عقد، وكشف حساب مطبوع، وورقة صغيرة مكتوب عليها بخط زياد: “لو فريدة سألت عن الشركة، قولولها إن كل شيء قانوني”.
رجعت بصيت للعقد.
في الصفحة الأولى، كان فيه اسم شركة استثمار، وتحتها اسم فريدة محمد عبد الرحمن، ورقم هويتي، وتوقيع منسوب ليا.
لكن التوقيع ما كانش توقيعي.. أنا ما عمري وقعت الورقة دي، ولا حتى سمعت باسم الشركة قبل النهارده.
رفعت عيني لعم حسين: “إنت عارف الورقة دي إيه؟”
* لأ. زياد قال لي إنها مجرد ورق شغل.
رجعت أبص للتوقيع، وحسيت إن الڠضب اللي كنت باسيطر عليه بدأ يتحول لحاجة أكبر. زياد ما اكتفاش إنه يصرف فلوسنا على حياته الجديدة، بل كان فيه احتمال إنه استخدم بياناتي من غير موافقتي.
قلت لعم حسين: “أنا محتاجة أخد الورق ده للمحامية”.
هز راسه بالموافقة، وبعدين وقف عشان يخرج.. لكنه قبل ما يفتح الباب، الټفت لي وقال: “فريدة، فيه حاجة تانية لازم تعرفيها”.
استنيت.
قال بصوت مكسور: “كوثر كانت عارفة إنه مش مسافر لندن”.
حسيت إن الكلام وقف في حلقي: “إيه؟”
كمل: “هي عارفة إنه في أتلانتا، وعارفة إنه مرتبط بواحدة هناك. وأنا اكتشفت ده بالصدفة من أسبوع، لما سمعتها بتكلمه في التليفون. لكن ما كنتش أعرف موضوع الفلوس ولا الأوراق”.
وقفت مكاني، مش قادرة أستوعب.. حماتي كانت عارفة!
كانت عارفة إن ابنها بيكذب عليا، ومع ذلك جت تقعد عندي، وتطلب مني أجهزلها أوضتي، وتتكلم معايا كأنها صاحبة الحق في كل حاجة.
سألته: “طب ليه ما قلتليش من الأول؟”
نزل عينيه للأرض: “خفت. أنا راجل كبير، ومراتي وابني هما اللي بيديروا كل حاجة. كنت خايف أخسرهم، لكن لما شوفت الورق ده في إيدك، فهمت إن السكوت ممكن يضيع مستقبلك”.
خرج عم حسين، وأنا فضلت واقفة وسط الأوضة، والظرف في إيدي.
بعد شوية، سمعت صوت كوثر من الصالة: “حسين! إنت فين؟”



