
ما ردش.. وبعدين سمعتها تقرب من باب أوضتي، خبطت مرتين، وفتحت قبل ما أقولها اتفضلي.
كانت عينيها راحت مباشرة للظرف اللي على السرير: “إيه الورق ده؟”
قلت: “أوراق تخص زياد”.
مدت إيدها تاخده، لكني سبقتها وشلته من على السرير.
وقفت تبص لي بحدة: “هاتيه يا فريدة”.
قلت بثبات: “لأ”.
اتغيرت ملامحها، وكأنها مش مصدقة إني رفضت طلبها: “إنتِ بتقوليلي لأ؟”
* أيوه. الورق ده يخصني كمان، وفيه توقيع باسمي أنا ما كتبتوش.
سكتت فجأة.. كانت لحظة صغيرة، لكنها كانت كفاية عشان أفهم إنها عارفة أكتر مما بتقول.
قربت مني خطوة وقالت: “اسمعيني كويس. زياد ابني، وأنا عارفة مصلحته أكتر منك. أي حاجة عملها أكيد ليها سبب، وإنتِ مش هتكوني سبب في ضياع مستقبله”.
قلت: “ومستقبلي أنا؟”
ردت بسرعة: “إنتِ مراته.. يعني مصلحتك من مصلحته”.
* ولو هو بيستخدم اسمي وفلوسي من غير إذني؟
وشها اتغير، لكنها حاولت تتماسك: “ما تكبريش الموضوع. إنتِ مش فاهمة في الشغل، وزياد بيعمل اللي شايفه صح”.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، لأول مرة من غير ما أحس إني مضطرة أبرر نفسي: “يمكن.. بس المحامية بتاعتي هتفهم”.
رجعت خطوة لورا: “محامية؟ إنتِ وصلتي لكده؟”
* أنا لسه في أول الطريق يا ماما.
خرجت من الأوضة، وقبل ما تمشي، قالت بتهديد واضح: “لو رفعتِ قضية على ابني، ما تلوميش غير نفسك”.
ما ردّيتش.. قفلت الباب، وحطيت الورق في درج مقفول، وقعدت على السرير.
كنت متخيلة إن أصعب حاجة ممكن تحصل لي هي اكتشاف إن جوزي بيحب واحدة تانية.. لكن الحقيقة كانت أسوأ، لأن الموضوع ما بقاش مجرد جواز بينتهي، بل بقى متعلق بفلوسي، وبياناتي، واسمي اللي ممكن يتحط على معاملات ما أعرفش عنها حاجة.
وفي اللحظة دي، قررت إني مش هسيب أي حاجة للصدفة.
—
تاني يوم الصبح، صحيت بدري.. ما نمتُش غير ساعتين تقريبا، لكني كنت عارفة إن التأجيل مش هيفيدني.
لبست هدومي، وخدت ملف المستندات وكشوف الحسابات، ونزلت من غير ما أصحي حد.
قبل ما أوصل للمحامية، مريت على البنك، وقدمت طلب رسمي لمراجعة التحويلات، وطلبت نسخة من كل العمليات اللي تمت على الحسابات المرتبطة باسمي.
الموظف شرح لي إن بعض المعاملات محتاجة مراجعة، وإن وقف البطاقات مش معناه تلقائيًا إلغاء كل الالتزامات أو استرداد الأموال، لكنه يقدر يسجل اعتراضي على العمليات اللي بقول إني ما وافقتش عليها.
وقعت على الطلبات اللازمة، وخدت رقم متابعة.
بعدها روحت مكتب الأستاذة نادية.. كانت مستنياني، وأول ما شافت الورق، طلبت مني أحكيلها كل حاجة بالترتيب، من غير ما أسيب أي تفصيلة مهما كانت صغيرة.
حكيت لها عن السفر، ورسالة البنك، ومكالمة ليلى، والرسالة الإلكترونية، والظرف اللي جابه عم حسين.
فضلت تسمع من غير ما تقاطعني، وبعدها بدأت تراجع المستندات.
لما وصلت للعقد اللي فيه توقيعي، وقفت عند الصفحة الأولى، وقالت: “إنتِ متأكدة إنك ما وقعتِش الورقة دي؟”
* متأكدة مية في المية.
* وعندك حسابات مشتركة مع زياد؟
* أيوه، لكن الحساب الأساسي باسمي، وفيه حسابات تانية بينا.
هزت راسها، وكتبت ملاحظات: “هنحتاج نحدد طبيعة كل حساب، ومين له حق التصرف فيه، وهنقدم اعتراض رسمي على أي مستند أو معاملة بتقولي إنك ما وافقتيش عليها. كمان هنراجع وضع الممتلكات المشتركة، وهنبدأ إجراءات الطلاق بالطريقة المناسبة”.
سألتها: “ممكن يكون اسمي اتستخدم في قرض أو التزام مالي؟”
ردت بجدية: “ممكن، لكن ما ينفعش نجزم قبل ما نراجع السجلات. عشان كده لازم نتحرك بسرعة، وبشكل قانوني، ونبلغ الجهات المختصة لو ظهر دليل على تزوير أو استخدام غير مصرح به لبياناتك”.
حسيت إني بدأت أتنفس بشكل طبيعي للمرة الأولى من يومين.. على الأقل، بقى عندي طريق واضح أمشي فيه.
قبل ما أمشي، قالت الأستاذة نادية: “فيه حاجة مهمة يا فريدة. ما تستخدميش حسابات أو مستندات تخص زياد من غير صلاحية قانونية، وما تحاوليش تعاقبيه ماليًا بنفسك. إحنا هنحمي حقك، لكن لازم كل خطوة تكون موثقة”.
هزيت راسي.. أنا ما كنتش عايزة أسرق منه ولا أخبي فلوسه، أنا كنت عايزة أوقف استغلال اسمي، وأحافظ على حقي في أموالي، وأنهي جواز ما بقاش فيه أمان.
خرجت من المكتب، ولقيت خمس مكالمات فائتة من كوثر، وثلاث مكالمات من رقم زياد.
وبعدها وصلتني رسالة منه:
> “فريدة، البنك بيقول إن الكروت مش شغالة. إنتِ عملتي إيه؟ ردي عليا فورًا”.
قريت الرسالة، وقفلت الشاشة.. وبعد أقل من دقيقة، اتصل تاني.
المرة دي رديت.
أول ما سمع صوتي، قال بعصبية: “إنتِ وقفتِ الكروت ليه؟ أنا واقف في الفندق ومش عارف أدفَع!”.
قلت بهدوء: “غريبة.. مش المفروض إنك في لندن؟”
سكت.. كان صمته أطول من أي رد ممكن يقوله، وبعدين قال: “إنتِ بتقولي إيه؟”
* بقول إن آخر عملية على حسابنا كانت في أتلانتا، في محل مجوهرات، بخمستاشر ألف دولار. فحبيت أفهم إزاي إنت في لندن وفلوسنا بتتصرف في أمريكا؟
بدأ صوته يتغير: “فريدة، اسمعيني.. الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة”.
* طيب، فهمني.
* أنا كنت مضطر أغير خط سير الرحلة بسبب الشغل، وفيه إجراءات مالية لازم تتعمل، وأنا كنت هشرحلك كل حاجة لما أستقر.
* والمجوهرات؟
* هدايا لعملاء.
ضحكت من غير ما أحس: “عملاء؟ بخمستاشر ألف دولار؟”
رد بسرعة: “إنتِ مش فاهمة طبيعة شغلي الجديد!”.
قلت: “ممكن. بس أنا فاهمة إن فيه عقد باسمي ما وقعتُش عليه، وإن فيه تحويلات مالية محتاجة مراجعة، وإنك قلت لأهلك إنهم يقعدوا عندي أربع سنين من غير ما تسألني”.
اتنفس بعنف: “مين اللي قالك الكلام ده؟”
* المهم إني عرفته.
* فريدة، إنتِ بتدمري كل حاجة بسبب شكوك سخيفة!
الجملة دي كانت كفاية عشان أفهم إنه لسه شايف نفسه صاحب الحق في كل شيء.
قلت: “أنا مش هدمر حاجة. أنا بس مش هسمح لحد يستخدم اسمي أو فلوسي من غير موافقتي”.
صرخ: “إنتِ مراتي!”.
رديت من غير ما أرفع صوتي: “وده كان المفروض يخليك تحترمني، مش تستغلني”.
سكت ثانية، وبعدها قال بصوت أخفض: “بصي، أنا هبعتلك فلوس أول ما أوصل لحل مع البنك، وإنتِ رجعي الكروت تشتغل، وخلي أهلي مرتاحين. لما أرجع هنقعد ونتكلم”.
* أنا قدمت طلبات مراجعة رسمية، وأي قرار مالي هيتاخد بناءً على حقوق كل طرف، مش بناءً على ضغطك عليا. وبالنسبة لأهلك، أنا هحترمهم، لكن مش هقبل إن حد يفرض عليا أغير حياتي عشان يخدمهم.
قال بحدة: “إنتِ فاكرة نفسك قوية؟ إنتِ لوحدك هناك، وأهلي في بيتك. هتعملي إيه يعني؟”
بصيت قدامي، وقلت: “هعمل اللي كان لازم أعمله من زمان”.
قفلت المكالمة.. وبعدها بلحظات، وصلتني رسالة جديدة.. الممرة دي من رقم ما أعرفوش:
> “فريدة، أنا ليلى. زياد عرف إني كلمتك. خدي بالك، لأنه دلوقتي بيحاول يوصل للمستندات اللي عندي”.
وبعدها بعتت صورة لرسالة من زياد، كان بيطلب منها فيها تسلمه نسخة من ملف المشروع.
لكن اللي لفت نظري مش الرسالة نفسها.. كان اسم شخص تالت ظاهر في نسخة البريد الإلكتروني.
اسم ما كنتش متوقعة أشوفه أبدًا.. اسم أخويا، كريم.
فضلت باصة للاسم، وقلبي بيخبط بعنف.
كريم أخويا كان أقرب شخص ليا بعد وفاة بابا. هو اللي وقف جنبي لما اتجوزت زياد، وهو اللي ساعدني أراجع عقد الشقة، وهو اللي كان بيقولي دايمًا ما أمضيش على أي ورقة من غير ما أقرأها.
إيه اللي جاب اسمه في مراسلات زياد؟
اتصلت بيه فورًا.. رد بعد رنتين: “أيوه يا فريدة، عاملة إيه؟”
حاولت أخلي صوتي طبيعي: “كريم، إنت تعرف شركة اسمها نورث بريدج للاستثمار؟”
سكت لحظة، وقال: “أيوه، سمعت عنها. ليه؟”
* زياد له علاقة بيها؟
* على حد علمي، كان بيدرس معاهم مشروع من فترة. بس إنتِ عرفتي منين؟
سألته مباشرة: “إنت ليك أي علاقة بالعقد اللي فيه اسمي وتوقيع منسوب ليا؟”
الصمت اللي جه بعد السؤال كان كفاية يخوفني.
قلت بصوت أعلى: “كريم، رد عليا!”.
تنهد وقال: “أنا ما كنتش أعرف إن توقيعك موجود على العقد”.
* يعني إنت تعرف العقد؟
* اسمعيني، أنا محتاج أشوفك وأشرحلك.
* لأ. اشرحلي دلوقتي.
صوته بقى متوتر: “زياد كلمني من شهرين، وقال لي إنه داخل مشروع كبير، وإنه محتاج رأي في بعض الحسابات. أنا شغال في المحاسبة، فبعتلي شوية أرقام أراجعها. ما كانش فيه أي حاجة واضحة إنها غلط”.
* وبعدين؟
* بعدين طلب مني أساعده يفهم طريقة تسجيل بعض المصاريف، وأنا قلت له إن أي مستند لازم يكون صحيح وموقع من أصحابه. والله يا فريدة، أنا ما وافقتش على استخدام اسمك في أي حاجة.
غمضت عيني، وحاولت أهدى: “طيب، ليه اسمك ظاهر في المراسلات؟”
* عشان كنت ضمن الناس اللي اتبعت لهم ملف المشروع. لكن أنا ما مضيتش على العقد، وما حولتش فلوس، وما قدمتش أي ورق باسمك.
* تقدر تثبت الكلام ده؟
* أيوه. عندي الإيميلات كلها.
* ما تمسحش أي حاجة، وما تبعتش أي مستند لزياد، وخلي كل حاجة زي ما هي لحد ما محاميتي تكلمك.
رد فورًا: “حاضر. بس يا فريدة، فيه حاجة لازم تعرفيها”.
استنيت.
قال: “المشروع اللي زياد كان بيتكلم عنه، كان المفروض يدخل فيه مبلغ كبير من حسابات مشتركة. ولما سألته عن مصدر الفلوس، قال لي إنك موافقة وإنك عارفة كل التفاصيل”.
حسيت بالڠضب بيزيد جوايا: “وده كدب.. أنا بدأت أشك لما لقيت إن بعض الأرقام مش راكبة، وطلبت منه المستندات الأصلية. من ساعتها وهو بيتهرب”.
* إنت قلتله إنه إنت شاكك؟
* أيوه. ومن يومها ما بقاش يرد عليا.
قفلت المكالمة بعد ما اتفقنا إنه يحتفظ بكل المراسلات، ويبعتها للمحامية لما تطلبها رسميًا.
كنت موجوعة من احتمال إن أخويا اتورط من غير قصد في حاجة تخص جوزي، لكني كنت عارفة إن لازم أفرق بين الشك والدليل.
في اليوم نفسه، قدمت محاميتي طلبات لمراجعة المستندات، وبدأنا نجمع الأوراق الخاصة بالحسابات والممتلكات.
أما زياد، فبدأ يتصل بشكل متكرر.. مرة يهددني، ومرة يعتذر، ومرة يقول إنه بيحبني وإن كل اللي حصل كان بسبب ضغط الشغل.
وفي كل مرة، كنت بسأله نفس السؤال: “ليه اسمي على عقد ما وقعتُش عليه؟”
وما كانش عنده إجابة.
—
بعد يومين، رجعت البيت في وقت متأخر.. لقيت كوثر قاعدة في الصالة، وعم حسين جنبها، وعلى الترابيزة قدامهم كوبايتين شاي ما حدش قرب منهم.
أول ما دخلت، قالت كوثر: “أخيرًا شرفتي! إنتِ بقيتي تخرجي بالساعات من غير ما تقولي لحد”.
حطيت شنطتي على الكرسي: “أنا مش مطالبة أستأذن يا ماما، لكن لو حضرتك محتاجة حاجة، ممكن تتصلي بيا”.
ردت بعصبية: “إحنا في بيتك، يعني من حقنا نعرف إنتِ بتعملي إيه!”.
قلت: “من حقكم تحسوا بالأمان والراحة، وده هيفضل موجود. لكن مش من حق أي حد يراقب تحركاتي أو يتدخل في شغلي”.




