روايات وقصص

حكايات صافى

قامت من مكانها: “إنتِ بتتكلمي كأننا أعداء!”.

بصيت لها مباشرة: “أنا ما قلتش كده. بس إنتِ كنتِ عارفة إن زياد مش مسافر لندن، صح؟”

اتجمدت ملامحها.. وعم حسين رفع راسه وبص لها.

كوثر حاولت تضحك: “إنتِ بتجيبي الكلام ده منين؟”

* جاوبيني بس.

رفعت صوتها: “حتى لو كنت عارفة إنه في أمريكا، ده مش معناه إن فيه حاجة غلط! زياد ابني، وأنا مش هقعد أفضح أسراره لمراته”.

* أنا مش بطلب منك تفضحي أسراره.. أنا بس بسألك ليه وافقتي تقعدي عندي وإنتِ عارفة إنه بيخدعني؟

صرخت: “عشان ما كنتش عايزاكي تبقي لوحدك!”.

* لأ.. عشان كنتِ عايزاني أبقى مشغولة بيكي وبأبو زياد، وما أسألش هو فين وبيعمل إيه.

ما ردتش.. وعم حسين اتكلم لأول مرة: “كوثر، كفاية. البنت من حقها تعرف الحقيقة”.

لفت له بعصبية: “إنت كمان هتقف معاها ضدي؟”

قال بهدوء: “أنا مش ضدك. أنا ضد إننا نعرف إن فيه ظلم ونسكت”.

كوثر قعدت على الكنبة، وحطت إيديها على وشها.. وبعد لحظة، بدأت تتكلم.

قالت إنها عرفت من زياد إنه مرتبط بواحدة اسمها داليا، وإنه ناوي يقعد في أمريكا فترة طويلة.. لكنه أقنعها إن الموضوع مجرد علاقة مؤقتة، وإنه هيرجع لبيته في النهاية.

قالت إنها كانت عارفة إنه بيجهز للسفر، لكنها ما كانتش تعرف تفاصيل التحويلات أو العقد.

سألتها: “وإنتِ لما وافقتي تقعدي عندي، ما فكرتيش إني من حقي أعرف الحقيقة؟”

فضلت ساكتة.

قلت: “إنتِ مش مطالبة تختاري بيني وبين ابنك.. لكن كان لازم على الأقل ما تشاركيش في خداعي”.

رفعت عينيها، وكان فيها غضب ووجع في نفس الوقت: “أنا أم يا فريدة.. كنت فاكرة إني بحمي ابني”.

رديت: “لكن حماية ابنك ما ينفعش تكون على حساب حياة واحدة تانية”.

عم حسين مسك عصايته، وقام ببطء: “كوثر، إحنا لازم نرجع بيتنا”.

بصت له بصدمة: “نرجع فين؟”

* بيتنا. إحنا جينا هنا عشان زياد قال إننا هنكون في أمان، لكن واضح إن وجودنا بالطريقة دي بيزود المشكلة. فريدة مش مسؤولة عن حل مشاكل ابننا، ولا عن إصلاح اللي إحنا سكتنا عنه.

كوثر ما ردتش.. وأنا ما طلبتش منهم يمشوا في اللحظة دي، وقلت لهم إنهم يقدروا يفضلوا لحد ما يرتبوا انتقالهم، وإن احترامهم مش هيتغير بسبب اللي حصل، لكن قواعد البيت لازم تكون واضحة.

ولأول مرة، كوثر ما اعترضتش.. لكن قبل ما تدخل أوضتها، التفتت لي وقالت: “زياد مش هيسيب الموضوع يعدي بسهولة”.

* وأنا كمان مش هسيب حقي.

—

بعد أسبوع، وصلتني رسالة من المحامية نادية بتقول إن فيه مستندات إضافية ظهرت في مراجعة الشركة، وإنها محتاجة تقابلني فورًا.

روحت مكتبها في نفس اليوم.. كانت قاعدة قدامها مجموعة أوراق، وعلى الشاشة ملف إلكتروني مفتوح.

قالت: “إحنا وصلنا لحاجة مهمة. الشركة اللي ظهر اسمها في العقد قدمت طلب تمويل، وفيه مستندات بتشير إنك شريكة في المشروع، وإنك وافقتي على استخدام جزء من أصولك كضمان”.

حسيت بدوخة: “أنا ما وافقتش على أي حاجة من دي!”.

* عارفة، وعشان كده قدمنا اعتراض رسمي. لكن محتاجين نثبت مصدر المستندات، ونتأكد من التوقيعات، ونراجع إذا كان فيه أي تفويض قديم ممكن يكون اتستخدم بطريقة غير صحيحة.
* يعني ممكن أخسر بيتي؟

ردت بحزم: “ما نقدرش نستنتج ده دلوقتي. وجود مستند مش معناه إنه صحيح أو ملزم ليكي. هنراجع التسجيلات، وطبيعة الملكية، وأي التزامات فعلية. المهم إنك ما تتجاهليش أي إخطار رسمي، وتفضلي متعاونة مع الجهات المختصة”.

بعدها عرضت عليا نسخة من رسالة إلكترونية.. كانت من زياد إلى أحد مسؤولي الشركة.

كتب فيها إنه هيقدم المستندات المطلوبة خلال أيام، وإنه بيتوقع إن الأمور تخلص قبل ما أي طرف يعترض.

وتحت الرسالة، كان فيه رد من المسؤول بيسأله بوضوح إذا كانت فريدة على علم بالتفاصيل.

فرد زياد: “هي عارفة إن فيه مشروع، ومش هتعترض”.

حسيت بغصة في حلقي.. حتى وهو بيكتب عني، كان بيتكلم كأن رأيي مش موجود.

سألت المحامية: “هنعمل إيه دلوقتي؟”

* هنطلب التحقيق في صحة التوقيع، وهنقدم كل المستندات اللي بتثبت إنك اعترضتي فور علمك. كمان هنكمل إجراءات الطلاق، وهنطلب تنظيم المسائل المالية والممتلكات بشكل يحفظ حقوقك.

خرجت من المكتب، وكنت حاسة إن الدنيا كلها بتتغير بسرعة أكبر من قدرتي على استيعابها.

لكن وسط كل الخوف ده، كان فيه إحساس جديد بيتكون جوايا.. أنا ما بقيتش بستنى زياد يرجع عشان يشرح لي، أنا بقيت بتحرك عشان أعرف الحقيقة بنفسي.

—

في الليلة نفسها، اتصل زياد بالفيديو.. ظهر على الشاشة قاعد في غرفة فندق، ووشه مرهق، وشعره مبعثر، وعلى الترابيزة قدامه أوراق كتير.

قال من غير مقدمات: “فريدة، إحنا لازم نتكلم”.

* اتفضل.

بص وراه، كأنه بيتأكد إن محدش سامعه: “أنا عارف إنك اتكلمتي مع محامية، وعارف إنك بتراجعي الحسابات.. بس فيه حاجات إنتِ مش فاهماها”.

* اشرح.

تنهد وقال: “المشروع كان هينجح، وأنا كنت محتاج سيولة مؤقتة. كنت ناوي أرجعلك كل فلوسك، ويمكن أكتر كمان”.

* بإذن مين استخدمت اسمي؟
* أنا جوزك!
* السؤال واضح يا زياد.

رفع صوته: “أنا كنت بعمل ده عشان مستقبلنا!”.

* مستقبلنا ما يتبنيش على توقيع مزور، ولا على فلوس بتتصرف من غير موافقتي.

سكت.. وبعدين قال: “داليا مالهاش علاقة بالموضوع المالي”.

بصيت له من غير ما أتكلم، فكمل بسرعة: “أنا عارف إنك فاهمة إنك كنت معاها، بس أنا كنت ناوي أنهي الموضوع. الأربع سنين كانوا مجرد خطة عشان أرتب أموري، وبعدها كنت هرجع”.

* وترجع تعمل إيه؟
* نبدأ من جديد.
* وأنا المفروض أعمل إيه خلال الأربع سنين؟ أستناك، وأخدم أهلك، وأدفع مصاريفك، وأفضل مصدقة إنك بتحبني؟

قرب من الكاميرا: “فريدة، أنا غلطت.. بس مش للدرجة اللي تخليكي تضيعي جوازنا”.

رديت: “الجواز ما ضاعش النهارده يا زياد. هو ضاع كل مرة قررت تكذب عليا، وكل مرة اعتبرت إن سكوتي موافقة، وكل مرة استخدمت ثقتي عشان تعمل حاجة من ورايا”.

وشه اتغير.. وقال بصوت أخفض: “إنتِ هتطلقي مني فعلًا؟”

بصيت له طويلًا.. افتكرت سنين الجواز، والوعود، واللحظات اللي كنت فيها بدافع عنه قدام الناس، وأقول لنفسي إنه طيب لكنه مضغوط.

لكن كل الذكريات دي ما قدرتش تمسح الحقيقة اللي قدامي.

قلت: “أيوه”.

ما اتكلمش.. فضل باصص لي كأنه مستني أضحك وأقول له إن بهزر.

لكن لما فهم إني جادة، اتغير صوته تمامًا: “فريدة، لو عملتي كده، إنتِ هتخسري أكتر مني”.

قلت: “يمكن أخسر جواز، ويمكن أخسر الصورة اللي كنت راسماها لحياتي.. لكن مش هخسر نفسي عشان أشارك في حاجة بقت بتأذيني”.

وبعدين قفلت المكالمة.

—

مرت الأيام التالية ببطء شديد.. المحامية كانت بتتابع الإجراءات، والبنك كان بيراجع العمليات، وأنا كنت بجمع كل المستندات اللي تخصني.

وفي الوقت نفسه، بدأت أرتب حياتي من جديد.. رجعت أشتغل ساعات أطول، ونقلت مكتبي للأوضة اللي كنت بستخدمها قبل كده، وطلبت من شركة الصيانة تصلح باب الشقة اللي كان بيعلق من شهور.

حاجات صغيرة، لكنها كانت بتتحسسني إن البيت بيرجع بيتي تاني.

أما كوثر وعم حسين، فبدأوا يجهزوا للرجوع إلى شقتهم.

في آخر يوم ليهم عندي، كنت بساعد عم حسين يقفل شنطته، لما قال: “فريدة، أنا عارف إن الاعتذار مش هيغير اللي حصل، بس أنا آسف إني سكت”.

بصيت له وقلت: “أنا مش بلوم حضرتك على كل حاجة.. بس كنت أتمنى إن حد فيكم يسألني إذا كنت موافقة قبل ما يقرر حياتي بالنيابة عني”.

هز راسه: “عندك حق”.

وبعدين مد إيده واداني مفتاح صغير.

استغربت: “إيه ده؟”

قال: “ده مفتاح المخزن القديم بتاعنا.. فيه شوية أوراق تخص زياد من أيام ما كان لسه بيبدأ شغله. أنا افتكرت إن ممكن تحتاجيها، خصوصًا بعد اللي حصل”.

بصيت له باستغراب: “أوراق إيه؟”

* مش عارف إذا كانت مهمة ولا لأ، بس يمكن تساعدك تفهمي المشروع اللي دخل فيه.

أخدت المفتاح، وشكرته.

بعد ما مشيوا، فضلت واقفة قدام باب الشقة، أسمع صوت خطواتهم وهي بتبعد في السلم.

ما حسيتش بالانتصار.. حسيت بالحزن.

لأن اللي حصل كان ممكن يتجنب من البداية، لو كل واحد فيهم اختار الصراحة بدل الخوف، والاحترام بدل السيطرة.

لكن الحزن ما منعنيش أكمل.

في اليوم التالي، رحت المخزن، وفتحت الباب بالمفتاح.

كان المكان مليان كراتين قديمة، وملفات متكومة على رفوف حديد.

بدأت أدور وسط الأوراق، لحد ما لقيت ملف مكتوب عليه اسم الشركة اللي ظهرت في العقد.. فتحته.

جواه كانت فيه نسخ من مراسلات قديمة، وفواتير، وكشف حساب لمشروع بدأه زياد من سنين.

وفي آخر الملف، لقيت ورقة صغيرة بخط إيده.. كانت مكتوبة قبل جوازنا بشهور:

> “فريدة عندها ثقة كبيرة فيا، ولازم أفضل محافظ على الثقة دي، لأنها أكتر شخص ممكن يساعدني لو المشروع احتاج دعم”.

قرأت الجملة مرة واتنين.. ما كانش فيها دليل على جريمة لوحدها، لكنها كشفت لي حاجة أوجع من الفلوس.

زياد كان بيشوف ثقتي فيه باعتبارها وسيلة ممكن يستخدمها وقت ما يحتاج.

صورت الورقة وبعتها للمحامية، من غير ما أستنتج منها أكتر من معناها الواضح.

وبينما كنت بقفل الملف، لقيت ظرفًا آخر في قاع الصندوق.. كان مختومًا، ومكتوبًا عليه اسمي كاملًا: `فريدة محمد عبد الرحمن`.

فتحت الظرف بحذر.. لقيت جواه نسخة من عقد بيع قديم، يخص شقة صغيرة كنت اشتريتها قبل الجواز بسنين، ومعاه صورة من توكيل رسمي كنت عاملاه وقتها لإنهاء بعض الإجراءات.

التوكيل كان منتهي الصلاحية من مدة طويلة.

لكن في أسفل الورقة، كان فيه ملاحظة مكتوبة بخط مختلف:

> “يرجى مراجعة صلاحية التوكيل قبل استخدامه في أي معاملة جديدة”.

قلت في نفسي بوجل: هل كان حد حاول يستخدم التوكيل القديم؟

ما قدرتش أعرف من الورق وحده.. لكن دي كانت معلومة لازم المحامية تشوفها فورًا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى