
دخلت بيت ابني بعد شهر من جوازه، لقيت سلة الزبالة مليانة علب دليفري… والأكل اللي أهلها واحنا مودينه لهم، اللحمة والفراخ والخضار، لسه في الفريزر زي ما هو ماحدش لمسه.
بصيت لمرات ابني وقلت لها: إنتوا متجوزين ولا ساكنين في سكن طلبة يابنتي؟
وشها قلب في ثانية…قالت: قصدك إيه يا ماما؟
فتحت الفريزر قدامها، وشاورت على الأكياس المتكومة:قصدي إن كل ده أكل جاهز يتطبخ، وبره في الزبالة مطاعم كفاية تطعم شارع كامل! كل يوم دليفري؟
اتنرفزت وقالت: وإيه المشكلة؟ إحنا مرتاحين كده.
قلت لها: المشكلة إن الجواز مش أوضة نوم وإير فراير وأبلكيشن طلبات. البيت مسؤولية، وإنتِ لازم تتعلمي تديري بيتك بدل ما ابني يصرف نص مرتبه على أكل جاهز.
في اللحظة دي…ابني دخل من باب الشقة.وسمع آخر جملة.
مراته بصت له، وعينيها اتمليت دموع في ثانية، وقالت بصوت مكسور: شوفت؟ أنا قلتلك إن مامتك مش بتحبني.
بصيت لها بصدمة: نعم؟!
قامت جريت على الأوضة وهي بتعيط.
وابني جري وراها يراضيها..أما أنا…
فضلت واقفة قدام الفريزر المفتوح، مش مستوعبة إن نصيحة قلتها لمرات ابني، اتحولت في ثواني لتهمة إني بكرهها.
والأسوأ…إن لما ابني خرج من الأوضة بعد شوية، ماقالهاش إنها غلطت في حقي.
بصلي أنا وقال: يا ماما… اعتذريلها علشان الموضوع يخلص.
ساعتها بس قفلت باب الفريزر.وبصيت له وقلت:
— لا يا ابني… الموضوع لسه ما ابتدأش أصلًا…
— لا يا ابني… الموضوع لسه ما ابتدأش أصلًا.
أحمد بصلي باستغراب وقال:
— يعني إيه يا ماما؟
قلت وأنا بحاول أتحكم في عصبيتي:
— يعني أنا دخلت بيت ابني، لقيت الأكل اللي إحنا وأهلها بعتناه زي ما هو، وسلة الزبالة مليانة علب مطاعم، فسألت سؤال طبيعي. لا شتمتها، ولا عايرتها، ولا قلت لها كلمة تقلل منها.
منة كانت واقفة عند باب الأوضة، ماسكة منديل في إيدها وعينيها حمرا.
قالت: حضرتك مش محتاجة تشتميني علشان تهينيني… طريقتك لوحدها كانت كفاية.
بصيت لها:طريقتي؟
— أيوه. لما تقوليلي “إنتوا متجوزين ولا في سكن طلبة؟” يبقى ده اسمه إيه؟
قلت: اسمه إني مستغربة. إنتوا بقالكم شهر متجوزين وكل يوم تقريبًا دليفري!
رفعت كتفها وقالت: وإحنا أحرار.
قلت:
— طبعًا أحرار. بس طالما كل مرة أشوف ابني ألاقيه بيقول المصاريف كتير والدنيا غالية، يبقى من حقي أقوله وفر شوية واعملوا أكلكم في البيت.
أحمد أتدخل بسرعة: أنا ما اشتكتش يا ماما.
بصيت له:— وأنا قلت إنك اشتكيت؟
سكت…كملت:
— بس من أسبوعين لما سألتك عامل إيه، قلتلي المصاريف مطلعه عينك.
منة بصت له بسرعة…نظرتها اتغيرت.
— إنت بتتكلم مع مامتك عن مصاريف بيتنا؟
أحمد اتوتر:يا منة، أنا ماقلتش حاجة عنك.
— أمال هي عرفت منين؟
قلت لها: يا بنتي أنا أمه! لو قالي الدنيا غالية يبقى كده بيكشف أسرار الدولة؟!
قالت بحدة: لأ، بس واضح إن حضرتك مستنية أي حاجة علشان تدخلي منها في حياتنا.
أنا مش بني آدمة؟ ولا عشان أنا الأم، المفروض أبلع أي كلمة وخلاص؟
أحمد قال بنفاد صبر:
— يا ماما، أنا مش عايز أخسر مراتي بسبب مشاكل بينكم.
الكلمة دي…
كانت كفاية.
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
قلت بهدوء غريب حتى أنا نفسي استغربته:
— وأنا مين قالك إنك لازم تخسر مراتك؟
بصلي.
كملت:
— أنا عمري ما طلبت منك تختار بيني وبينها.
سارة قالت من بعيد:
— ماما…
رفعت إيدي لها.
— لا يا سارة. سيبيني.
وبعدين بصيت لأحمد.
— بس واضح إنك إنت اللي اخترت من غير ما حد يطلب منك.
منة قربت منه شوية.
وأنا شفت الحركة دي.
شفتها وهي بتقف جنبه…
وشفت ابني وهو من غير ما يحس يقف في صفها.
ساعتها فهمت حاجة.
يمكن أنا كنت واقفة في بيت ابني…
لكن البيت ده…
ما بقاش بيتي.
قلت:
— خلاص.
أحمد قال:
— خلاص إيه؟
بصيت حواليّا.
على السفرة اللي أنا اللي ساعدت أختارها.
الستاير اللي دفعت فيها من فلوسي.
الطقم اللي جبته يوم فرحه وأنا فرحانة إنه يبدأ حياته.
وبعدين قلت:
— خلاص يا ابني.
أخدت شنطتي من على الكرسي.
سارة قالت:
— ماما، إحنا هنمشي؟
قلت:
— آه.
أحمد اتفاجئ:
— إنتِ زعلانة يعني؟
بصيت له.
والدمعة كانت خلاص على طرف عيني.
— لأ يا أحمد.
ابتسمت ابتسامة موجوعة.
— أنا مش زعلانة.
وسكت لحظة.
— أنا بس اتعلمت درس.
قال:
— درس إيه؟
فتحت باب الشقة.
وبصيت له للمرة الأخيرة.
— إن الأم لما تبقى تقيلة على ابنها… أحسن لها تبعد قبل ما تسمع منه كلام يوجعها أكتر.
خرجت.
وسارة خرجت ورايا.
وأنا واقفة قدام باب الأسانسير…
سمعت أحمد بينادي:
— يا ماما!
لكن المرة دي…
ما بصيتش ورايا.
دخلت الأسانسير.
وأول ما الباب اتقفل…
انهرت.
دموعي نزلت غصب عني.
سارة مسكت إيدي وقالت:
— ماما، ماتزعليش… أحمد متوتر بس.
بصيت لها وأنا بمسح دموعي.
وقلت:
— لا يا بنتي.
— ابنك لما يتوتر، ممكن يقول كلمة.
لكن أحمد…
قال جملة أنا عمري ما توقعت أسمعها منه.
سارة بصتلي باستغراب:
— قالك إيه؟
سكت شوية.
لأن الجملة كانت لسه بتلف في دماغي.
وبعدين قلت:
— لما قلتله: “إنت شايف إني أهنت مراتك؟”
رد عليا وقال…
وقتها…
حسيت إن قلبي اتكسر للمرة التانية.
لأنه قال:
— أيوه يا ماما… ومنة أهم عندي دلوقتي من أي حد.
سارة شهقت:
— إيه؟!
غمضت عيني.
وقلت:
— أيوه.
— قالها.
ولأول مرة في حياتي…
ما زعلتش من مرات ابني.
زعلت من ابني.
لأن الغريب ممكن يوجعك…
لكن الوجع الحقيقي؟
لما اللي ربيته بإيدك…
هو اللي يختار يوجعك.
رجعت بيتي يومها.
وقررت قرار واحد بس.
مش هتصل.
مش هسأل.
مش هروح.
مش هتدخل في حياتهم تاني.
لكن بعد أسبوع واحد فقط…
صحيت على تليفون في نص الليل.
الساعة كانت اتنين ونص.
رقم أحمد.
بصيت للشاشة…
— ألو يا أحمد؟
لكن اللي سمعته في الناحية التانية…
ماكانش صوت ابني.
كان صوت منة.
وكانت بتصرخ…
— يا مامااااا… إلحقينا!
قومت من مكاني في ثانية.
وقلت بخوف:
— منة؟! في إيه؟ أحمد فين؟
لكن قبل ما ترد…
سمعت صوت خبطة قوية.
وبعدين…
صرخة أحمد.
والتليفون اتقفل.
وقتها…
افتكرت كل كلمة قلتها وأنا خارجة من بيتهم.
وافتكرت دموعي.
وافتكرت وجعي.
لكن مهما حصل…
أنا أم.
ولما ابني يكون في خطر…
مفيش زعل في الدنيا يمنعني أجري عليه.
لبست هدومي وأنا إيدي بتترعش.
لكن…
وأنا خارجة من باب البيت…
كان عندي إحساس غريب جدًا.
إحساس إن اللي حصل الليلة دي…
مش مجرد حادث.
وإن الكارثة اللي هتقلب حياة أحمد ومنة…
كانت بدأت من نفس اليوم…
اللي لقيت فيه الفريزر مليان أكل.
والزبالة…
مليانة علب دليفري….
يتبع




