روايات وقصص

حكايات مشيره محمد

فضلت واقفة مكاني في الممر جنب الأسانسير، أيدي ماسكة في إيد يوسف ابني الصغير بكل قوتي لحد ما صوابعي أبيضّت. يوسف بص لي باستغراب ووشوشني: “ماما.. إحنا واقفين ليه؟”

​شديت نفس عميق، وابتسمت له ابتسامة باهتة وخبيتها في ضلمة الممر: “ولا حاجة يا حبيبي، يلا بينا على أوضتنا.”

​رجعت الجناح وأنا حاسة إن عقلي شغال زي الساعة.. مفيش دمعة واحدة نزلت من عيني. الدموع دي للمصدومين، وأنا خلاص عدّيت مرحلة الصدمة ودخلت في مرحلة الحساب.

​طول الست سنين اللي فاتت، سامح وأهله كانوا شايفينني مجرد بنك متلقح في الصالة! “جيهان سيدة الأعمال الناجحة”، “جيهان اللي ورثت أصول وشركات عن باباها”، “جيهان اللي بتدفع من غير ما تسأل”. كنت فاكرة إن الكرم والمجدعة بيقرّبوا النفوس، لكن اتأكدت الليلة دي إن الرخص طبع، وإن النطع لو أكلته بملايين، برضه حيفضل باصص للقمة اللي في إيدك!

​الساعة جت تمانية الصبح بالظبط.

​قمت، لبست أشيك طقم عندي، ونزلت الرسبشن. مرقص كان واقف وراه أول ما شافني ابتسم بود وقالي: ” صباح الخير يا مدام جيهان.. كل أوامرك تنفذت من دقيقة واحدة بالظبط.”

​”يعني كارتي اتسحب من أربعة أجنحة والأجنحة الأربعة التانية اتفصلت عن حسابي؟”

​”تماماً يا فندم. حالياً الأجنحة الأربعة التانية، والمطاعم، والسبا، والخدمات الخاصة بيهم متوقفة على الشاشة لحين تقديم كارت دافع جديد. وأنا بنفسي بلغت إدارة المطعم الرئيسي وبوفيه الفطار.”

​ابتسمت له ابتسامة صافية: “يسلموا إيديك يا مرقص.. العبّة بدأت.”

​الساعة تسعة ونصف، كنت قاعدة أنا ويوسف في المطعم المطل على البسين بنفطر في هدوء.. بيض أومليت، عصير برتقال فريش، وقهوة بوش.

​وفجأة.. سمعت الصوت!

​صوت دربكة وزعيق جاي من ناحية بوفيه الفطار الرئيسي!

​”يعني إيه الكارت مش شغال؟! انت عارف انت بتكلم مين يا جدع انت؟! أنا هطين عيشتكم وأقفلكم الفندق ده!”

​كان ده صوت حماتي “إلهام”، وجنبها حمايا “حسين”، وأخته “فيكتوريا”، وسامح جوزي واقف وراهم بوش أحمر زي الطماطم ويده في جيبه بيدوّر على أي كارت ينقذ موقفه.

​المدير بتاع المطعم اتكلم بمنتهى الأدب والبرود الإنجليزي: “يا فندم، الحجز الرئيسي بتاع مدام جيهان اتعدل من الساعة تمانية، وحضراتكم حسابكم ينزل منفصل، والمطعم محتاج طريقة دفع للوجبات اللي طالباها العيلة.. حضرتك طالبين أوردر بوفيه مفتوح وجمبري وسالمون وأجهزة سبا لـ 8 أفراد، والمبلغ الحالي للفطار بس 1200 دولار.”

إلهام صرخت: “جيهيييييان!! هي فين الزفتة دي?!”

​مشيت بخطوات هادية ناحيتهم، وأنا ماسكة كاس العصير في إيدي، وابتسامة ثلج على وشي: “خير يا طنط؟ صوتك طالع ليه في الفندق؟ إحنا في ميامي مش في السويقة!”

​سامح جري عليّ وشدي من دراعي بغضب: “جيهان! إيه الهبل اللي عملتيه ده؟! الكارت بتاعك اترفض ليه عند الرسبشن وفي المطعم؟! الناس فاكريننا نصابين!”

​شلت إيده من على دراعي بالراحة وبكل قرف، وقلتله ببرود: “الكارت مترفضش يا سامح.. الكارت أنا اللي سحبته.”

​السكوت حلّ على المكان ثواني.. إلهام بصلتي بذهول: “يعني إيه سحبتيه؟! وحجزنا؟ والأوض؟ والفطار؟”

​”الأوض موجودة يا طنط تقدروا تقعدوا فيها عادي.. بس مصاريفكم من لحظة فتح باب الأوضة لباب المطعم.. من جيبكم! مش من جيبي.”

​حسين حمايا اتكلم بعصبية: “أنتي اتجننتي يا جيهان؟! إحنا عيلتك! بتعملي فينا كده عشان شوية هزار إمبارح؟ عشان سيبناكي ساعتين في اللوبي؟!”

​بصيت لسامح وقلت: “شوية هزار؟ أصل أنا كمان بحب الهزار أوي يا عمي حسين.. وده هزاري الخاص! أصل بصراحة، افتكرت كلامكم إمبارح بالليل في الدور الـ 12.. لما كنتوا بتقولوا إن جيهان غبية وستدفع ضعف المبلغ عشان تثبت إنها فرد من العيلة!”

​وشوشهم كلها اتخطفت!

​سامح ريقه جف، وإلهام بياض وشها اتقلب لأصفر، وفيكتوريا رجعت خطوة لورا!

​كملت كلامي بصوت واطي بس يرن زي الجرس: “سمعت كل كلمة.. سمعت الـ 175 ألف دولار بتوع الشقة Corner unit.. وسمعتك يا سامح وأنت بتقول: ‘أنا هخليها تفتكر إن الفكرة فكرتها هي!’.. صح؟ ولا أنا بتهيألي؟”

​سامح حاول يتدارك الموقف وجري يمسك إيدي: “جيهان.. انتي فهمتي غلط! والله كنا بنهزر! كنا بنشوف رد فعلك..”

​ضحكت بصوت عالٍ خلى الناس في المطعم تبص علينا: “بتهزروا؟! طب والـ 35 ألف دولار بتوع الحجز دول كانوا هزر برضه؟ على العموم، الرحلة دي على حسابكم بالكامل من أول دقيقة.. وبالمناسبة يا سامح، الرسبشن برة محتاج كارتك الفيزا عشان يضمن الأربع أجنحة بتوع أهلك، وإلا شنطهم هتنزل على الشارع خلال نص ساعة!”

​إلهام صرخت: “سامح! اتصرف! ادفع إنت!”

​سامح بصلها بقلة حيلة ووُش مخشوب: “أدفع إيه يا أمي؟! أنا معاييش غير 5 آلاف دولار في الكارت كله! الحساب هنا معدي الـ 40 ألف!”

​قربت من سامح، وهمست في أذنه: “تفتكر مين اللي أتعلم الدرس النهاردة؟ مين اللي هيسدد الثمن؟”

ورفعت صوتي وقالت للمدير: “لو سمحت يا فندم، الحساب ده ملوش أي علاقة بيّا.. ولو حد فيهم مقدرش يدفع، أطلب أمن الفندق فوراً.”

​مشيت وسبتهم واقفين زي الشحاتين في نص المطعم! الجرسونات واقفين حوايلهم، والإدارة مستنية كارت يدخل في الماكينة، وسامح بيحاول يكلم أصحابه في مصر يحولوا له فلوس بسرعة قبل ما الفندق يبلغ البوليس!

​سحبت يوسف من إيده وطلعنا على جناحنا.. لكن الانتقام لسة مخلصش. دي كانت مجرد القرصة الأولى!

​دخلت الجناح، قفلت الباب بالمفتاح، وطلعت تليفوني. كلمت محامي العيلة والأصول بتاعي في القاهرة، الأستاذ “محسن”.

​”ألو.. أستاذ محسن؟”

​”أهلاً يا جيهان هانم، خير؟ الرحلة ماشية تمام؟”

​”محسن.. افتح الملفات فوراً. الشركة المشتركة بيني وبين سامح.. النصيب الأكبر لمين؟”

​”لحضرتك طبعاً يا فندم، أنتي ليكي 70% وهو له 30% بصفته مدير تنفيذي، والأسهم كلها باسمك.”

​”حلو أوي.. والتوكيل العام اللي كنت عاملاه له لإدارة الحسابات الفرعية؟”

​”موجود.”

​”يلغى فوراً يا محسن! مش عايزة التوكيل ده يشتغل دقيقة واحدة بعد دلوقتي. ومن بكرة الصبح، يتعمل جمد كامل لحسابات الشركة، وتتراجع كل القرارات الماليّة اللي اتأخدت في الخمس سنين اللي فاتوا. ولو لقينا قرش واحد اتسحب لحسابه الشخصي أو لحساب أهله.. أرفع قضايا تبديد واختلاس فوراً!”

​الأستاذ محسن سكت ثانية وقال بذهول: “جيهان هانم.. هو إيه اللي حصل؟”

​”اللي حصل إن النطع افتكر إنه ملك السوق، ونسى إن الفلوس دي فلوس جيهان! اعمل اللي بقولك عليه، وشوفلي إزاي أجرده من الإدارة القانونية للشركة خلال 48 ساعة.”

​”تحت أمرك يا فندم.. القرارات هتتنفذ فوراً.”

​قفلت الخط، وبصيت ليوسف اللي كان بيلعب بالألعاب بتاعته: “حبيبي.. بتحب الصعيد؟”

يوسف بصلّي باستغراب: “الصعيد؟ مش إحنا في أمريكا يا ماما؟”

ابتسمت: “إحنا هنخلص سفريتنا دي بسرعة، ونرجع مصر نعمل رحلة أحسن بكتير.. ورحلة سامح وأهله هتكون لجهة واحدة بس: المحكمة!”

​بعد ساعتين، الباب كان بيتخبط بجنون!

​”جيهان! افتحي يا جيهان! يا بنت الناس افتحي نتكلم!”

​فتحت الباب بالبطيء.. كان سامح واقف، قميصه معصر، وشعره منكوش، وعرقان رغم التكييف! ووراه أمه إلهام وفيكتوريا وحسين، وشكلهم يقطع القلب من كتر البهدلة!

​سامح دخل أودام مني بكبرياء مكسور: “انتي يرضيكي كده؟! الفندق حجز على الشنط! وطردونا من الأجنحة! ونزلونا أوضة واحدة صغيرة في الدور الأرضي لحد ما نسدد حساب الفطار والغداء بتوع إمبارح!”

إلهام اتكلمت بدموع تمساحية: “كده يا جيهان؟! تهينينا قدام الأجانب؟! عشان كلمتين اتدالوا في ساعة صفا؟! إحنا عيلة جوزك! مقامنا من مقامك!”

​وقفت قدامهم بصلابة وقاطعتها: “مقامكم؟! مقامكم انتوا اللي حددتوه إمبارح لما قعدتوني أنا وابني 4 ساعات في اللوبي زي الكلاب، وأنتوا طالعين تاكلوا جمبري وتستمتعوا وتضحكوا علينا! مقامكم حددتوه لما خططتم تسحبوا مني 175 ألف دولار عشان تشروا شقة للست هانم ولابنك العزيز، وأنا أدفع وأفتكر إنها فكرتي!”

​سامح زعق: “أنا جوزك! والفلوس اللي معاكي دي خيرنا عليكِ! الشركة شغالة بيا وبمجهودي!”

​ضحكت بشر: “مجهودك؟! الشركة دي بابا الله يرحمه هو اللي أسسها، وأنا اللي كبرتها! أنت كنت مجرد موظف بتاخد مرتب! والنهاردة الصبح.. المرتب ده !”

​سامح بصلّي بصدمة: “يعني إيه؟”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى