
تراجعت سهير لورا وهي بتبص للظابط والمحامي بفزع، حاولت تبتسم ضحكتها الصفرا المعتادة وبدأت تتلعثم:”إيه الهبل ده؟ آدم… آسر… إنتوا اتجننتم؟ جايبين ست خرفانة من الشارع ومأجرينها عشان ؟ أنا اللي ربيتكم! أنا اللي آويتكم لما أمكم دي رمتكم!”
في اللحظة دي، أمي الحقيقية رفعت راسها ببطء، وعينيها اللي كان فيها انكسار السنين تحولت لنظرة قوة جبارة. بصت لسهير وقالت بصوت ثابت هز الأوضة:”أنا ما رمتهمش يا سهير… إنتِ اللي سرقتيهم مني وأنا غايبة عن الوعي في المستشفى. إنتِ اللي زوّرتِ تحاليل مرضي، وإنتِ اللي كتبتِ الجواب المزيف لجوزي عشان تقتلي أمله فيا… إنتِ اللي قفلتي عليا أبواب المصحة سبع سنين وأنا بصرخ وبقول ولادي أحياء!”
سهير اتسمرت مكانها، صدمتها إن فريدة بتتكلم بكامل قواها العقلية وبكل التفاصيل دي كانت زي الصاعقة. حاول تلتفت للظابط وتصرخ:”دول كذابين! دول مأجورين! طردهم أبوه قبل ما يموت عشان مش ولاده أصلاً!”
المحامي خطى خطوة لقدام وفتح ملف أسود ضخم حطه على الترابيزة برزع:”التقرير الطبي المزور من الدكتور رفعت السويفي موجود وموثق، شهادة إدخال المريضة فريدة للمصحة تحت اسم مستعار وبأموال مدفوعة من حسابك الشخصي موجودة، واعتراف الدكتور المسجل صوتاً وصورة بيثبت التزوير والابتزاز. ده غير إننا رفعنا قضية إعادة فتح تركة المرحوم بعد إثبات تزوير عقد التنازل اللي بصّمتيه عليه وهو في غيبوبة الموت.”
الظابط قرب من سهير وطلع الكلبشات:”اتفضلي معانا يا مدام سهير… عندك أقوال كتير هتتقال في النيابة: تزوير، خطف أطفال، وتسهيل احتجاز مواطنة بدون وجه حق.”
سهير بدأت تصرخ وتضرب بإيديها على المكاتب، تتحول من الست الشيك الأنيقة لوحش مكسور ومفضوح. وهي بتتجر للشارع قدام الناس والكلبشات في إيدها، كانت بتبص لنا بغل وتصرخ:”مش هسيبكم! البيت بيتي والفلوس فلوسي! إنتوا ولا حاجة!”
آسر قرب منها وهامس في ودانها بصوت واطي ومحمل بالثأر:”البيت اللي رميتنا منه في الشارع باسم التخرج… هترجعيه، والفلوس اللي سرقتيها هتدفعيها سنين من عمرك ورا القضبان.”
خرجت سهير مطأطأة الراس والمباحث بتقتادها لسيارة الشرطة قدام كل الجيران اللي كانت بتمثل عليهم دور الأرملة الفاضلة. كانت فضيحتها بجرسة في المنطقة كلها، والستر المزيف اللي عاشت فيه عشرين سنة انهار في ثواني.
رجعت أنا وآسر وأمي للشقة الصغار اللي أجرناها. أول مرة الشقة دي تحس بالدفا. قعدنا أمي على السرير، وآسر قعد عند رجليها بيبكي بحرقة، وهي تطبطب على راسه ودموعها نازلة، لكن المرة دي كانت دموع راحة.
لكن الفرحة ما كملتش…
بعد أسبوع واحد بس من حبس سهير وتطور التحقيقات، جه المحامي بتاعنا البيت ووشه مشُوب بالتقطيب والقلق. حط ملف جديد على الترابيزة وقال بصوت واطي:”القضية مش سهلة زي ما كنا فاكرين… سهير مش بتشتغل لوحدها، والفلوس اللي اتسرقت من ورث أبويكم ما راحتش لحسابها هي بس.”
بصيت له بصدمة:”يعني إيه؟ مين تاني معترفين معاه؟”
المحامي بصلنا وقال الجملة اللي جمدت الدم في عروقنا تاني:”سهير كانت مجرد أداة… الشخص اللي خطط لسرقة الأطفال وإخفاء أمكم في المصحة، ودفن سر العيلة ده كله… هو شقيق أبويكم الحقيقي… عمكم ‘توفيق’ اللي فهمكم طول عمركم إنه مسافر برة مصر ومات من سنين!”
الاسم اللي نطقه المحامي نزل علينا زي الجبل. عمنا “توفيق”… الراجل اللي كنا بنشوف صورته في صالون البيت محطوطة في برقع أسود، وأبونا كل ما يفتكره يتنهد ويقول: “الله يرحمه، مات في الغربة وهو شباب.” طلع ولا مات ولا سافر… طلع الشبح اللي بيحرك العرايس من ورا الستار، والعقل المدبر اللي كتب سيناريو عذابنا كله.
أمي أول ما سمعت الاسم، جسمها اتنفض وبدأت تصرخ بصوت مكتوم وهي بتمسك في أيدينا بتوسل: “توفيق؟! توفيق هو اللي عمل كدة؟! ده كان بييجي البيت ويمثل إنه خايف عليا… ده هو اللي جابلي العصير يوم ما دخت واتنقلت للمستشفى!”
كلام أمي كشف لنا جزء جديد ومرعب من الجريمة؛ توفيق ما كانش بس شريك، ده هو اللي بدأ بتخديرها وتسميم أفكار أبونا، واستغل سهير وطمعها علشان تكون هي الواجهة، وفي مقابل ده أخد هو نصيب الأسد من شركات أبونا وأراضيه اللي اتباعت بأوراق مزورة ومقيدة بأسماء شركات وهمية برة وجوة مصر.
آسر قام وقفت ونظرة الشرار في عينيه رجعت أقوى من الأول: “يعني الشياطين طلعوا اتنين؟ والراجل ده عايش ومستمتع بفلوسنا وطول العشرين سنة دي فاكر إننا لعبة في إيده؟”
المحامي كمل كلامه وهو بيفتح الخريطة المالية اللي قدر يوصل لها: “توفيق رجع مصر باسم مستعار ومغير بياناته الرسمية من سنين، وعايش في قصر في التجمع الخامس، ودخل عالم رجال الأعمال تحت اسم ‘توفيق بيه العريان’. هو اللي بيتدخل دلوقتي وبيعين أكبر محامين في مصر عشان يطلع سهير بكفالة أو يثبت إنها مريضة عقلياً، علشان السلسلة ما تتكرش وتوصل له.”
في اللحظة دي، عرفنا إن معركتنا مع سهير كانت مجرد تسخين، وأن الخصم الحقيقي راجل معاه نفوذ وفلوس يقدر يشتري بيها النفوس ويقفل بيها القضايا.
ما كانش ينفع نعتمد على القانون لوحده قصاد راجل بالحجم ده، لأن الفلوس والنفوذ ممكن يماطلوا القضية في المحاكم عشر سنين كمان، وأمنا صحتها ما تستحملش الانتظار ده كله. كان لازم نلعب معاه بنفس أسلوبه: الدهاء والمواجهة المباشرة في نقطة ضعفه.
نقطة ضعف توفيق كانت سمُعته الجديدة في وسط رجال الأعمال، والمشروع الضخم اللي كان بيستعد يفتتحه بعد أيام بحضور كبار الشخصيات والصحافة.
بدأنا نجهز لرّد الصاع صاعين. آسر استغل علاقاته وزمايله في الجامعة اللي شغالين في مجال الإعلام والتكنولوجيا، وقدرنا ننسخ كل الوثائق والتسجيلات، وصوت سهير وهي معترفة في التحقيقات الأولى، بالإضافة لتسجيلات جديدة قدرنا نوصل لها بين سهير وتوفيق وهي بتهدده من جوة السجن إنها هتكر اسمه لو ما طلعهاش.
يوم المؤتمر الصحفي الكبير لإطلاق مشروعه الجديد، كان القصر والمقر مليانين رجال أعمال وصحفيين وعدسات الكاميرات بتلقط كل حركة. توفيق كان واقف على المنصة، لابس بدلة فاخرة وبيبتسم بثقة، وبيحكي عن نجاحه وكفاحه وبنائه لإمبراطوريته من “الصفر”.
وفي لحظة تجلي النفاق، الباب الخلفي للقاعة اتفتح.
دخلت أنا وآسر، ووسطنا أمنا قاعدينها على الكرسي المتحرك، لابسة ثوب أسود وقور. الحضور بدأوا يتوشوشوا ويتطلعوا لينا باستغراب.
توفيق عينه جات علينا، والابتسامة اتجمدت على شفايفه فوراً. وشه اتقلب أصفر، والمايك في إيده بدأ يتهز.
مشيت بالكرسي لحد ما بقيت قدام المنصة بالظبط. آسر طلع على السلم ومسك المايك الثاني الخاص بالقاعة، وصوته رن في كل السماعات: “برحابكم جميعاً في مؤتمر العصامي الكبير… ‘توفيق العريان’… أو بمعنى أصح: توفيق عبد الجواد… الحرامي اللي سرق ورث أخوه، وخطف ولاده، ورمى مراته في المصحة!”
القاعة اتزلزلت بالهمس والصدمة، الكاميرات كلها اتوجهت ناحيتنا وناحية توفيق اللي بدأ يصرخ في الأمن: “أمن! أمن! طلعوا المجانين دول برة! دول مأجورين!”
لكن قبل ما الأمن يتحرك، الشاشة الضخمة اللي كانت ورا توفيق على المنصة، والالي كان المفروض يتعرض عليها فيديو اعلاني للمشروع… اتطفت، واشتغل عليها تسجيل صوتي بصوت توفيق نفسه وهو بيكلم محاميه وبيقول: “سهير لازم تسكت في السجن بأي طريقة، لو جابت سيرة المزرعة وأوراق أخي المرحوم… إحنا الاثنين هنروح في داهية!”




