
## الجزء السابع
عدت الشهور بسرعة، وكأن الزمن حب يصالحني ويعوضني عن كل دقيقة وجع أو حيرة عشتها زمان. البيت بقى ينبض بالضحك الحقيقي، والراحة اللي كنت فاكراها مستحيلة رجعت تفرش أركان الشقة من تاني. ولادي بقوا في حتة تانية خالص؛ مستواهم الدراسي اتحسن بشكل ملحوظ، وبقوا أكتر قرب ليا، كأنهم حسوا إن المسؤولية بقت واقع لازم نشيله مع بعض بحب وتفاهم.
مشروعي الصغير في تفصيل وتصميم الأزياء بدأ يكبر ويسمع في المنطقة أكتر وأكتر. بقيت أصحى الصبح بدري، أخلص طلبات الولاد، وأقعد على مكنة الخياطة بتاعتي بكل شغف وحب. الألوان، الأقمشة، وتنسيق الموديلات بقا هو العالم الجميل اللي بنسج فيه أحلامي الجديدة. خالتي كوثر مكنتش بتسيبني، وكل كام يوم كانت بتعدي عليا بطلتها الحلوة، وتقعد جنبي على الترابيزة وهي بتشرب الشاي وتضحك وتقولي:
— يا بت أختي، أنا لو كنت عرفت إن الانفصال هيخليكي تفتحي العقل والجمال ده كله، كنت زقيتك عليه من عشر سنين!
كنت بضحك من قلبي وأرد عليها:
— الحمد لله إنها جت في وقتها يا خالتي، الإنسان بيفضل نايم لحد ما القلم يصحيه!
في يوم من الأيام، وبالتحديد بعد العصر، كنت قاعدة بظبط شوية دساتير خامات جديدة وصلتني، ولقيت تليفوني بيرقم غير مألوف. كنت متعودة أعمل بلوك لأي رقم غريب، بس الإحساس غلبني المرة دي وفتحت الخط.
— ألو؟
سكت الشخص ثواني طويلة، وبعدين طلع صوت مكسور، عجز، ومليان رجاء وحسرة… صوت طليقي!
— أرجوكِ… متقفلليش السكة يا أم أحمد. دقيقة واحدة بس.. اسمعيني فيها أرجوكِ!
الوقفة اللي وقفتها على المكنة كانت كفيلة تخلي نبضات قلبي تهدى تماماً، مكنش فيه أي غضب، ولا حتى كراهية، كان فيه شعور غريب بالشفقة على إنسان ضيع كل حاجة بيديه. وبكل هدوء وبرود قلت:
— سامعاك.. قول اللي عندك، بس باختصار، لأني ورايا شغل ومسؤوليات زي ما انت عارف.
تنهد بصوت عالي، وكأنه بيحاول يجمع بقايا كرامته المتبقية وقال بلهجة الندم:
— أنا.. أنا بدفع الثمن غالي قوي كل يوم يا أم أحمد. الشقة الإيجار اللي عايش فيها دلوقتي ضيقة وموحشة، والست اللي اسمها «ماما» دي… طلعت مفيش أصل ولا معدن، أول ما فلوسي خلصت والشغل اتهز، سابتني في ثانية وراحت لغيري بكل برود! مبقاش ليا حد في الدنيا غيركم.. ولادي عاملين إيه؟ وحشتيني، وحشني البيت وريحة الأكل والدفء اللي كنت فيه.. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني.. حتى لو نرجع خدام تحت رجليكم!
سمعت كلامه كله من غير ما يرمش لي جفن، ومن غير ما دمعة واحدة تنزل، ولا حتى حزن يلمس قلبي. ولما خلص كلامه واستنا رد فعل، قلت له بكل ثبات:
— زي ما قلت لك قبل كده، الجوابات دي مكانها سلة الزبالة. خسرت بيتك، وخسرت ست صانتك ستاشر سنة، وخسرت ولاد كانوا بيعتبروك مثلهم الأعلى… عشان لحظة طيش وواحدة ما تسواش. العواقب دي مش إحنا اللي صنعناها يا فلان، دي أنت اللي زرعتها بيدك، واحصد بقا لوحدك. ولادي في حمايتي وفي عيني، ومحتاجين أب سوي يحترمهم، مش أب باعهم عشان رسايل في نص الليل. الباب اتقفل للأبد، وربنا يهديك لطريق تاني.
قبل ما يلحق يرد أو يكمل كلامه، ضغطت على زرار الإنهاء وعملت بلوك للرقم نهائي، ورجعت التليفون على التربيزة، وكأن شيئاً لم يكن.
قمت وقفت قدام المرايا، بصيت لنفسي وابتسمت. الست اللي كانت تايهة وخايفة يوم ما ظهرت رسالة “اللبس الأحمر” على شاشة التليفون، مبقاش ليها وجود. دي واحدة جديدة، قوية، عارفة قيمتها كويس، وعارفة إن بكرة دائماً أجمل وأطهر بكتير من إمبارح. رجعت لمكنة الخياطة، وشغلت صوت قرآن هادئ يملي البيت بركة وسلام، وأنا بكمل شغلي بكل رضا وسعادة!
## الجزء التاسع
صوت عياطها وهو بيتردد على السلم ورا الباب المقفول مكانش بيحرك جوة قلبي أي ذرة شماتة، قد ما كان بيأكد لي حكمة ربنا العادلة في الكون؛ إن الظلم له أخرة، وأن كل واحد بيحصد اللي زرعته إيديه بدقة متناهية. رجعت للولاد وقعدنا نكمل سهرتنا الهادية كأن شيئاً لم يكن، لأن الماضي بكل ما فيه من وجع وكدب وخيانة مبقاش له أي مكان بين جدران بيتنا.
بعد اليوم ده بأسبوع، الحياة رجعت لطبيعتها تماماً. الشغل ماشي، والأولاد في تفوق دائم، وأنا نفسي بقيت بحس بطاقة إيجابية ونفسية صافية مشوفتهاش من سنين طويلة. خالتي كوثر عدت عليّا كالعادة في يوم خميس، وجابت معاها صينية بسبوسة بنحبها كلنا، وقعدت تضحك وتحكي لي عن مواقف طريفة حصلت معاها في الشارع.
ولما جابت سيرة طليقي، قالت لي وهي بتاكل لقمة:




