
— على فكرة، خالتك أم صابر شافته امبارح وهو قاعد على القهوة اللي في أول الشارع الجانبي، منظره يصعب على الكافر! قاعد لوحده، لا شغلة ولا مشغلة، والناس كلها بتبصله بنظرات احتقار، لدرجة إنه نزل راسه في الأرض ومقدرش يرفع عينيه في حد!
بصيت للكوباية اللي في إيدي بهدوء، ورديت عليها:
— جزاء اللي فرط في بيته وعشرة عمره يا خالتي. الإنسان اللي بيبيع أصله وكرامته عشان شهوة رخيصة، بيكتشف في الآخر إن القاع هو مكانه الطبيعي. أنا خلاص، صفحة واتقلبت ومشغولة بكرة وبس.
— عشتِ يا بت أختي، والله إنك بمليون راجل!
يوم السبت الصبح، كنت منسجمة على مكنة الخياطة بتاعتي بجهز طلبية جديدة لواحدة من الزبائن، ولقيت تليفوني بيرن برقم غريب تاني. في الأول ترددت، وكنت ناوية أعمل بلوك كالعادة، بس قلبي قالي افتحي وشوفي آخرتها إيه.
— ألو؟
الصوت المرهق التعبان ظهر على الناحية التانية… مش صوت طليقي المرة دي، ده كان صوت أخته الكبيرة (حماتي القديمة)، الست اللي كانت في يوم من الأيام باعتبرها زي أمي!
— ألو… يا أم أحمد، بالله عليكِ اسمعيني ومتقفليش السكة في وشي!
سكتُّ ثواني، وقلت بصوت هادئ وثابت:
— أهلاً يا ختي… سامعاكِ، خير؟ في إيه تاني؟
عيطت بحرقة على الناحية التانية وقالت بصوت مكسور:
— أنا عارفة إننا غلتنا في حقك، وإني أنا نفسي كنت غافلة عن عمايل ابني الهبلة… بس والله العظيم هو دلوقتي في حالة تكسر الكافر! قاعد لوحده في شقة الإيجار، تعب وجاتله أزمة صحية ومحدش سائل فيه، والست اللي خربت بيته طردته ورمته في الشارع بعد ما خلصت عليه. بالله عليكِ يا بنتي، سامحيه… خليه يرجع لعياله، الولاد محتاجين أبوهم، وهو تاب خلاص وعقل!
سمعت كلامها كله للآخر، ومفيش ولا دمعة نزلت، ولا حتى غضب اتحرك جوايا، حسيت بس بأسف على أم دافعت عن الغلط لحد ما وقعت في حفره هي وابنها.
قلت لها بصوت رزين وحاسم:
— يا خالتي، مع كل الاحترام لسنك ومقامك، انتِ بتقولي “سامحيه عشان الولاد محتاجين أبوهم”… بس تسألي نفسك الولاد كانوا محتاجين أب يبعهم عشان رسايل في نص الليل وعشيقته اللي مسجل اسمها “ماما”؟! الولاد محتاجين أب سوي، يحترم أمهم ويعلمهم الشرف والأصول، مش أب منكسر عشان فلوسه خلصت والست سابته! ابني وبنتي بيتربوا في أمان وكرامة، ومش هسمح لأي حد يهدم السلام اللي تعبت فيه عشان أوصله. ربنا يشفيه، ويرزقه توبة نصوحة بعيد عننا. الشاب انكسر بإيديه، والباب اتقفل للأبد!
قبل ما تلحق ترد أو تكمل كلامها، قفلت الخط وعملت بلوك للرقم، وقمت وقفت قدام الشباك، بصيت للسما الصافية وفتحت الهوا النقي جوه صدري، وأنا واثقة مليون في المية إن القرار الصح هو اللي بيخلي الواحد يبص قدامه من غير ما يلتفت ورا أبداً!
## الجزء العاشر والأخير
مرت السنين خفيفة ونقية، كأنها بتغسل قلبي وبتعوضني عن كل لحظة مرارة دقتها زمان. مشروعي الصغير كبر وبقى ليه اسم معروف في المنطقة، والستات بقا ييجوا لي من كل حتة عشان يطلبوا تصميماتي اللي كنت بحط فيها كل حبي وشغفي للحياة. البيت بقى بينبض بالدفء والأمان، وولادي بقوا فخر ليا؛ ابني الكبير دخل الجامعة اللي بيحلم بيها، وبنتى بقت شاطرة ومجتهدة في دراستها، وكل ما نبص لبعض، بنحس إننا كسبنا الأهم: كرامتنا وسلامنا النفسي.
خالتي كوثر بقت الحكاية الحلوة اللي دايما منورة قعداتنا، وكل ما تفكرني باللي حصل زمان، نضحك سوا ونقول: *”الست اللي تعرف تقف على رجليها، مفيش قوة في الدنيا تقدر تكسرها!”*
في يوم من الأيام، ونا قاعدة على مكنة الخياطة بتاعتي كالعادة، وبظبط شوية أقمشة جديدة، جرس الباب رن.
قمت بهدوء، وفتحت الباب.
مكش طليقي، ولا أمه، ولا حتى العشيقة… كان واحد من جيران القدامى، واقف باصص للأرض بكسفة، وفي إيده ظرف صغير. بص لي وقال بصوت واطي ومكسور:
— البقاء لله يا أم أحمد… فلان (طليقي) اتوفى امبارح بالليل في شقته الإيجار، لوحده، ومحدش حس بيه غير الصبح لما الجيران شموا ريحة… وأهله طلبوا يبلغوكِ، وعشان هو مكنش معاه حد، دفنوه في مسقط راسه.
وقفت مكاني ثواني طويلة، اتقفلت للأبد ومبقاش ليها أي وجود في كتاب حياتي.
بصيت للجار بهدوء وقاتل وثبات، وقلت:
— ربنا يرحمه، البقاء لله.
قفلت الباب ورايا بهدوء، ورجعت قعدت مكاني على مكنة الخياطة. بصيت لعيالي اللي كانوا قاعدين في الصالة بيضحكوا ويهزروا، وفتحت صوت قرآن هادئ يملي البيت بركة وسلام.
عرفت وقتها إن الحياة بتدي لكل واحد على قد نيته وفعله. واللي بيزرع الخيانة والكدب، بيحصد الوحدة والضياع. أما أنا… فكنت قاعدة في بيتي، وسط ولادي، لابسة تيجان الكرامة والشموخ، وباصة لقدام.. لأن بكرة كان دايماً أجمل وأطهر بكتير!




