روايات وقصص

حكايات اسما 2

## الجزء الرابع

البيت كله كان غارق في صمت تام، مكسور بس صوت عياط بنتي الخافت وهي مستخبية في حضني. بصيت لها بحنان وطبطبت على شعرها، وطلبت من خالتي كوثر تدخلها هي والولدين جوه الأوضة عشان بعيد عن المشهد ده، وخالتي نفذت بذكائها المعتاد وسحبتهم بهدوء، وسابتنا في الصالون أنا وهو… وهو، والست اللي كانت فاكرة نفسها هتاخد مكاني.

جوزي كان لسه قاعد على ركبتيه في الأرض، منظره كان يكسر الخاطر لو كان راجل يستاهل، لكن بعد كل اللي عمله، مكنش فاضل جوه قلبي غير إحساس واحد… الشماتة والازدراء.

أما الهانم «العشيقـة»، فوقفت مكانها جنب الباب وهي مرعوبة، بتبص لطليقي بنظرات كلها حقد وكراهية لأنها اتكشفت واتحطت في الموقف المهين ده بسببه. وبصوت   قالت:

— أنا مالـي ومال الليلة السودا دي؟! هو اللي قالي إن مراته مغفلة ومش هتعرف حاجة، وإنه مطلقني شرعي وسيبها شكلياً عشان العيال! أنا مالي أنا؟!

التفتُّ ليها وبصيت لها ببرود ، وقولت بصوت واثق وثابت:

— إنتِ ليكي النصيب الأكبر من القرف ده! كنتِ عارفة إنه متجوز وعنده تلات عيال، ومع ذلك قبلتي تكوني في الظل، بل والأبشع من كده إنك قبلتي تاخدينى مكان مش مكانك وتسجلي رقمك بكلمة «ماما» عشان تضحكي عليا وأنا اللي كنت بساعده يكلمك! بس معلش يا حبيبتي، القعدة الحلوة دي مش هتكبر غير لما تدفعي ثمنها زي ما هو هيدفعه بالظبط.

جوزي رفع راسه ببطء، وعينيه الحمرا كانت مليانة دموع الندم الكداب، وصوت بحبح وهو بينطق اسمي:

— حقك عليا يا أم عيالي… الشيطان ضحك عليا والله العظيم الشيطان ضحك عليا! ستاشر سنة عشرة وعيش وملح، بالله عليكِ متخربيناش ولا تفضحينا برا، سامحيني والمصحف دي آخر مرة وهعقل!

ضحكت ضحكة قصيرة مليانة سخرية ووجع مكتوم، وقولتله:

— الشيطان؟! دايماً بتعلقوا غلطاتكم على شماعة الشيطان وهو أطهر منكم بكتير! الشيطان مبيعلمش الخيانة، الشيطان مبيخليش راجل يطأطئ راسه ويضحك في وش مراته الصبح وبالليل يخونها، الشيطان مبيخليش أم مقهورة تخدم جوزها وهي مفكراه بيكلم أمه العجوزة! إنتَ اللي اخترت، وإنتَ اللي بتدفع الثمن دلوقتي.

وقفت بكل طولى وثبات، وبصيت للاتنين وقولت بلهجة حاسمة لا تقبل التراجع:

— القسمة والنصيب بيننا انتهت من اللحظة دي. الشقة دي باسمي أنا وبحكم القانون وبمساعدة أهلي كل شبر فيها بتاعي، وورقة طلاقي هتوصلني وأنا قاعدة هنا في بيتي مع عيالي، مش بره! أما الأستاذة «ماما»… فيا ريت تشرفينا بخروجك من الباب حالا، لأن البوليس لو جه دلوقتي بسبب بلاغ الإزعاج والتعرض، هتكون فضيحة تانية في القسم مش في البيت وبس!

الست مسكت شنطتها بسرعة البرق، وفتحت الباب وجريت على السلم زي المسعورة وهي بتسب وتشتمه بأفظع الشتايم، وهو قاعد مكان بيعيط زي العيال الصغار.

بعد ما مشيت، بصيت له نظرة أخيرة ونزلت لمستواه، وقولت بصوت هادئ جداً:

— قوم اجمع هدومك في شنطة، واطلع برا بيتي… وسيب المفتاح على الترابيزة.

قام وهو مكسور ومنهار، ولم هدومه في دقايق معدودة وهو بيبص لي كأنه بيبص لكابوس حقيقي مستحيل يصحي منه. وفعلاً، خرج من الباب، وقفله وراه، ولأول مرة من ستاشر سنة أحس إن الهوا اللي داخل البيت نقي وخالي من أي كذب أو خيانة.

دخلت للعيال وطمنتهم، وحضنت بنتي اللي نامت في حضني وهي حاسة بالأمان، وقعدت مع خالتي كوثر نشرب الشاي ونرتب خطوتنا الجاية. كنت عارفة إن الحرب لسه مخلصتش بالكامل وإن فيه قضايا ونفقة ومحاكم مستنيانا، بس الأهم من كل ده… إني كسبت نفسي، وكسرت الخطة الوسخة اللي اتلعبت ورا ضهري!

## الجزء الخامس

تاني يوم الصبح، الشمس دخلت من شباك الأوضة بنورها الدافئ، ولأول مرة من فترة طويلة أحس إن طاقة البيت هادية ومرتاحة، مفيهاش توتر ولا خوف من خبطة باب مفاجئة أو رنة تليفون في نص الليل. الأولاد صحوا، جهزت لهم الفطار ودخلتهم المدارس والجامعة كالعادة، وبكل نشاط وقوة كأن على كتافي جبل واتزاح.

خالتي كوثر كانت بايتة معايا الليلة دي عشان تطمّن علينا، وقعدنا الصبح نشرب القهوة مع بعض، وهي بتبصلي باعتزاز وتقولي:

— طول عمري عارفة إنك ست بمليت راجل يا بت أختي، بس اللي عملتيه امبارح ده يدرس في الأصول والكبرياء!

ابتسمت لها وأنا برد:

— الكبرياء مش هيبني حياتنا ولا هيجيب حق ولادي يا خالتي، بس السكوت على الغلط كان هيهدنا كلنا. ودلوقتي بقى لازم نبدأ الخطوة الجاية، الجانب القانوني والمحاكم، عشان أضمن حقوق العيال وكل قرش يخصنا.

من غير تردد، كلمت محامي العيلة، وقعدت معاه شرحت له كل التفاصيل، وقدمنا بلاغ رسمي بكل الإجراءات، وطلبنا الطلاق للضرر مع توثيق كل أدلة الخيانة اللي كانت في التليفون الرسائل والمكالمات، خصوصاً إن التسجيلات والرسائل كانت واضحة وصريحة ومفيش فيها أي مجال للشك أو الإنكار.

في الناحية التانية، طليقي كان بيلف حوالين نفسه. حاول يكلمني عشرات المرات من أرقام مختلفة، وكل مرة كنت بعمل بلوك من غير ما أرد ولا حتى أسمع صوته. بعت لي رسايل طويييلة مليانة ندم واعتذارات، وبيقول إنه مش قادرة يعيش من غيرنا وإنه مستعد يكتب الشقة وكل ما يملك باسمي وباسم عياله، بس كل ده ما كانش بيحرك جوة قلبي شعرة واحدة. اللي ينكسر ويتخون بالشكل ده، رجوعه بيبقى مستحيل، والصفحة دي اتقفلت إلى الأبد.

بعد أسبوعين بالضبط، كان المحامي متصل بيا وبيقولي إن القضية ماشية في صالحنا تماماً، وإن طليقي وافق على كل الشروط والشهر العقاري جاهز عشان نخلص إجراءات الطلاق الرسمي ونفقة العيال والتمكين من الشقة.

يومها، لبست أحسن ما عندي، وحطيت روج أحمر خفيف — اه والله، أحمر! كنوع من الانتصار لنفسي ولليوم ده — ونزلت مع خالتي كوثر على المحكمة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى