روايات وقصص

حكايات اسما 2

لما دخلت وشوفت طليقي قاعد على الكرسي في ممر المحكمة، منظره كان متبهدل ووشه شاحب وذقنه طايلة، وبص لي بنظرة كلها انكسار وذل. وقف أول ما شافني وحاول يقرب، بس خالتي كوثر وقفت قدامه بحسم وقالت بصوت عالي:

— عيب.. احترم نفسك وإنت بتبص في وش ست الكل اللي صانتك ستاشر سنة وأنت ضيعتها! خلصنا ومشينا.

دخلنا قدام القاضي، وخلصت الإجراءات في دقايق معدودة. خرجت من باب المحكمة، ومعايا ورقة طلاقي في إيدي، حسيت ببرودة الهوا على وشي كأنها طوق نجاة جديد. مكنتش زعلانة ولا مكسورة، بالعكس، كنت حاسة إني اتولدت من جديد، وإن الحياة لسه قدامي أنا وعيالي، هنبنيها من أول وجديد على أساس من الصدق والاحترام، من غير أي «ماما» كدابة ولا أي خيانة في الظلام!

## الجزء السادس

بعد ما خلصت إجراءات المحكمة وطلعت ومعي ورقة طلاقي، كانت صفحة الماضي انطوت للأبد، وبدأت رحلة جديدة عنوانها السلام والاستقرار ليا ولعيالي. الشقة بقت باسمنا رسميًا، ومصاريف الأولاد اتأمنت بقوة القانون، ومبقاش فيه أي مكان للتوتر أو الخوف في بيتنا.

في الأول، كنت خايفة رد فعل الولد والبنت الكبيرة يكون عامل إزاي بعد انفصالنا، خصوصاً إنهم اتعودوا يشوفونا عيلة واحدة طول السنين دي. لكن بالاحتواء والحب والكلام بهدوء، فهموا إن الاحترام والراحة النفسية أهم بكتير من شكل العيلة الوهمي اللي كان مبني على الكذب والخيانة. ابني وبنتي بقوا أقرب ليا, ولقيت فيهم السند الحقيقي اللي بيعوضني عن كل ليلة حزن عشتها وأنا مغفلة.

أما طليقي؟ فالحياة ضربته بالقلم الأقوى. الست اللي اسمها «ماما» واللي باع بيته وعشرة ستاشر سنة عشانها، لما لقت إنه مبقاش معاه فلوس ولا شقة، وإن الشضيحة طالت شغله وصوته في العيلة، سابته فوراً وخلعت من حياته بنفس السرعة اللي دخلت بيها! دي سنة الحياة؛ اللي يبدأ بالباطل نهايته دايماً بتكون الخراب والوحدة. بقى عايش لوحده في شقة إيجار صغيرة، مبيزوروش حد، وكل ما يقابل حد من المعارف القديمة يلف وشه من الكسفة والفضيحة اللي عملها في نفسه.

أنا بقى؟ فرجعت لنشاطي وحبي للحياة. بدأت أهتم بنفسي وبمشروعي الصغير اللي كنت مؤجلاه سنين طويلة بسبب المسؤوليات وضغط البيت. بدأت أفتح كورسات خياطة وتصميم أزياء مصغر من البيت، وكونت شبكة معارف وصحاب جداد من الستات الجدعة اللي بيدعموا بعض بجد، مش اللي بيجوا على حساب بعض.

في يوم من الأيام، كنت قاعدة في الصالون، بظبط حاجات الشغل وبشرب كوباية القهوة بمزاج عالي، ولقيت جرس الباب بيضرب.

قمت بهدوء وفتحت الباب، ولقيت واحد من جيران القدامى واقف وشه في الأرض، ومعاه ظرف مقفول. بص لي وقال بصوت واطي ومكسوف:

— استأذنك يا أم أحمد… ده جواب بعته فلان (طليقي)، وبيترجاكِ تقبليه وتفتحيه، بيقول إنه مش عارف يوصلك في أي حكان تاني.

بصيت للظرف ببرود تام، من غير حتى ما أمد إيدي آخده، وقولت للجيران بكل ثقة وهدوء:

— تسلم يا أستاذ فلان على ذوقك، بس وصل سلامي للي ببعته، وقله إن العنوان ده اتقفل للأبد، والجوابات دي مكانها الوحيد سلة الزبالة!

خدت خطوة ورا وقفلت الباب في وشه بكل هدوء وثبات، ورجعت قعدت مكاني وأنا ببتسم لعيالي اللي كانوا قاعدين بيضحكوا ويهزروا في الصالة.

الحياة مش بتوقف عند حد خائن، والست اللي بتعرف تقف على رجليها وبكرامتها، مفيش قوة في الأرض تقدر تكسرها أبداً. اللعبة اللي بدأت بمكالمة في نص الليل، انتهت بانتصار حقيقي طعم العزة فيه ما يتوصفش!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى