روايات وقصص

حكايات اسما السيد 2

ثم اتعرضت صور المستندات المزورة بأسماء أبونا وأمنا على الشاشة بوضوح قدام كل الصحفيين.

التفتت أمنا ونادت عليه بصوت هز القاعة كلها: “فاكرني يا توفيق؟ فاكر العصير اللي سقيتهولي؟ فاكر وأنا بترجاك تسيبلي ولادي؟ ربنا ما  يا توفيق!”

توفيق مسك صدره وهو بيلهث، ونظرات الرعب والحسرة غطت وشه وهو بيشوف إمبراطوريتها وسمعته بتنهار في ثواني أمام عدسات كل القنوات المحلية والدولية اللي كانت بتنقل الحدث على المباشر.

وفي نفس اللحظة، دخلت قوات الشرطة للشركة بناءً على البلاغ الأخير المدعم بالتسجيلات والوثائق اللي سلمناها للنيابة العامة قبل الحفل بساعة.

القائد قرب من توفيق وهو مذهول ومصدوم، وحط الكلبشات في إيده قدام كل الحضور والصحفيين اللي كانت كاميراتهم بتسجل السقوط المدوي للرجل اللي بنى عرشه على دموع أيتام وامرأة مظلومة.

توفيق اتسحب وهو بيحاول يغطي وشه من الكاميرات، وهو بيبص لنا بنظرة غل وانكسار، وفي لحظة مروره جنب أمنا، بصت له وقالت له بصلابة: “حقنا رجع… وعذابك في الدنيا بدأ.”

لكن بعد ما القبض على توفيق وسهير وبدأت إمبراطوريتهم تنقرض، ورجع لنا حقنا الشرعي والبيت والفلوس… افتكرنا إن الكابوس انتهى وإننا هنبدأ نعيش بسلام.

لكن بعد شهر واحد بس من حبسهم، وأثناء ما كنا بنوضب بيت أبونا القديم علشان نرجع نعيش فيه مع أمنا… لقينا صندوق خشبي مصفح بالحديد، مخفي ورا جدار الصالون.

لما فتحناه بمساعدة نجار، لقينا جواه مذكرات أبونا المتوفي، وبجوارها تحليل D.N.A قديم جداً ورسالة بخط إيد أبونا مكتوب عليها:

“إلى ابنيّ آدم وآسر… إذا قرأتم هذه الرسالة، فاعلموا أن السر الحقيقي ليس في أمكم… بل في أصلكم أنتم الاثنين.”

مسكت الرسالة وإيدي ب do ترتعش زي الورقة في مهب الريح. آسر كان واقف جنبي، بيتنفس بصعوبة، وعينيه متثبتة على الصندوق الخشبي والورق المكتوب بخط أبونا اللي ربانا.

أمي كانت قاعدة على كراسي الصالون القديم، بتبص لنا بوجل وعدم فهم، ومش عارفة إيه الصندوق ده ولا إيه اللي جواه.

فتحت الرسالة المصفّرة اللي عدى عليها سنين طويلة، وبدأت أقرأ بصوت متقطع، وكل كلمة كانت بتخرج من لساني كانت بتهد كل حقيقة عشناها أو صدقناها:

“ولادي آدم وآسر… لو الورقة دي وقعت في إيديكم، يبقى أنا بقيت في دار الحق، ويبقى توفيق وسهير عملوا اللي كانوا بيخططوا له من زمان.

لازم تعرفوا الحقيقة اللي حبستها في قلبي وقطعت في عمري… فريدة مش أمكم البيولوجية… وفريدة ما كانتش تعرف الحقيقة دي.

أنا وفريدة لما اتجوزنا، الدكاترة أكدوا لنا إننا مش بنخلف… لكن فريدة كان نفسها في طفل بشكل جنوني، وحالتها النفسية كانت بتتدمر. في نفس الوقت، أخويا توفيق دخل في تجارة مشبوهة مع ناس خطيرة برة مصر، وفي يوم جه البيت ومعه طفلين توأم اتولدوا في ظروف غامضة، وأمهم الحقيقية اتوفت أثناء الولادة… أمكم الحقيقية كانت سيدة من عيلة ثرية جداً وذات نفوذ ضخم، وتوفيق سرقكم منها وهي بتموت عشان يستغل نسبكم ويساوم بيه على ثروة عيلتكم الأصلية!

أنا أخدتكم منه وعملت أوراق مزورة بمساعدة دكتور ورشوة، وإديتكم لفريدة على إنكم أولادها اللي اتولدوا منها وهي تحت تأثير المخدر بعد عملية ولادة وهمية صعبة عملناها لها… فريدة عاشت طول عمرها فاكرة إنكم عيالها اللي خرجوا من بطنها!

ولما توفيق اكتشف إن السير معندوش حدود، وممكن يتقفل عليه، اتعاون مع سهير عشان يخلصوا مني ومن فريدة، ويرموكم في الشارع عشان الحقيقة تدفن للأبد، وما تطالبوش بورث عيلتكم الحقيقية اللي توفيق مستولي عليه باسمكم!”

الورقة وقعت من إيدي على الأرض.

الدنيا لفت بيا بشكل أرعب من كل اللي فات. التفتت لأمي… فريدة… الست اللي نحتت جسمها علشاننا، الست اللي أكلت الذل في المصحة والدار وهي فاكرة إننا ولادها اللي خرجوا من أحشائها… طلعت هي كمان مخدوعة بنفس القدر!

آسر جثى على ركبه وهو بيمسك رأسه بصرخة مكتومة:”إيه الكابوس ده؟! إيه المرض ده؟! يعني إحنا مين؟! وأمنا دي تبقى إيه؟!”

أمي فريدة شافت حالة الانهيار اللي إحنا فيها، قربت بلطف وبخوف مننا وهي بتبص للورق اللي على الأرض وقالت بصوت يرتعش:”في إيه يا ولادي؟ أبويكم كاتب إيه في الرسالة؟ مالكم بتبصولي كدة ليه؟”

خبّيت الرسالة ورا ظهري بسرعة، ونزلت على ركبتي قدامها، مسكت إيدها الباردة وبوستها بدموع مغرقة وشي:”مافيش حاجة يا أمي… أبوي بيوصينا عليكي… بيقولنا إنك أغلى حاجة في حياتنا.”

ما قدرتش أقولها… ما قدرتش أكسر قلب الست اللي عاشت عشرين سنة بتتعذب في المصحة علشان كلمة “ولادي”. بالنسبة لي ولآسر، فريدة هي أمنا الحقيقية والوحيدة، حتى لو المزيّة والجينات قالت غير كدة.

لكن الكارثة ما وقفتش هنا.

في نفس الليلة، وأنا وآسر قاعدين في الغرفة بنحاول نستوعب مين عيلتنا الأصلية ومين الناس اللي توفيق سرقنا منهم، تليفون آسر رن من رقم غير معروف.

آسر فتح السبيكر، وجينا نسمع صوت هادي لكنه صارم ومحمل بنفوذ يرهب:

“آدم… آسر… أنا عارف إنكم فتحتم الصندوق وقرأتم رسالة المرحوم. توفيق وسهير أخدوا جزاءهم في السجن، بس اللعبة الحقيقية يلا هتبدأ دلوقتي. الصندوق كان فيه كارت صغير بجانب الرسالة، عليه ختم عيلتكم الحقيقية… عيلة ‘الراوي’. ورثكم ونسبكم الحقيقي مطارد من ناس أقوى وأخطر بكتير من عمكم توفيق… لو عايزين تعرفوا مين أمكم اللي ماتت ومين أبويكم الحي اللي بيدور عليكم من عشرين سنة… جهزوا نفسكم، لأنهم عرفوا مكانكم وجايين ياخدوكم بكرة الصبح… بالرضا أو بالدم.”

قفل الخط، وبقينا أنا وآسر بنبص لبعض في ضلمة الأوضة، والبيت كله ساكت، ونبضات قلوبنا هي الصوت الوحيد اللي بيصرخ في المكان.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى