
وقفت في نص المكتب ورجليا مش شايلاني، الشوم كان مكسّر جسمي، والكلبش بيعضّ في معصمي اللي نزل منه الدم. النيابة كانت زحمة وصوت القضايا والورق يرن في المكان، لكن مكتب رئيس النيابة كان هادي كأنه مرة.
وكيل النيابة كان قاعد ورا مكتبه الأبنوس، بيبص في الملفات بنظرات حادة، وقاعد على الكرسي الجلد قدامه أستاذ سامح، محامي فجر، وفي إيده الشنطة الجلديا إياها اللي بقت بالنسبة لي رمز للكوابيس.
الضابط زقني خفيف من ظهري وقال: “المتهم فلان يا فندم، الصادر ضده أمر ضبط وإحضار في بلاغ التزوير وقرض المؤسسة.”
وكيل النيابة رفعت رأسه، بصلي بتمعن من فوق النظارة، ومنظري بالدم والطين والهدوم المتقطعة كان كفيل يخليه يتنفس بضيق: “اتفضل اقعد هنا يا أستاذ.. وبص للمحامي وقال: “تفضل يا أستاذ سامح، المستندات المقدمة منكم خطيرة جداً، اتهام رسمي بتزوير توقيع الشاكية واستخدام توكيل ملغي لسحب قرض بقيمة نص مليون جنيه باسمها.”
حسيت بالدنيا بتلف بيا، نص مليون جنيه؟! التزوير جناية عقوبتها من 7 لـ 10 سنين مع الشغل والنفاذ!
رفعت إيديا المتكلبشة وبكيت بصرخة مكسورة: “والله العظيم ما زورّت حاجة يا باشا! الفلوس دي أنا أخدتها وهي كانت عارفة، المحل صاحب صديقي هو اللي عمل الفواتير والتوكيل كان معايا من زمان وهي اللي مدياهولي عشان أدير شؤونها!”
أستاذ سامح ابتسم ابتسامة هادية جداً، وسحب من شنطته ورقة مسجلة بالشمع الأحمر وحطها قدام وكيل النيابة وقال بصوت واثق: “يا فندم المتهم بيكدب. التوكيل اللي استخدمه كان توكيل إدارة محدد ومؤرخ، والشاكية قامت بإلغائه رسمياً في الشهر العقاري بعلم الوصول قبل العقد بسنة كاملة، وفيه ما يثبت إنه استلم إخطار الإلغاء بنفسه وتوقع عليه. استخدام توكيل ملغي لسحب مبالغ مالية وتحرير إيصالات على المجني عليها يُعتبر جناية تزوير واستيلاء كامل الأركان.”
وكيل النيابة هز رأسه وبدأ يكتب في ورقة التحقيق بصرامة، وكل حركة من قلمه كانت بتنزل على قلبي زي السكين: “يعني الشاكية متمسكة بالاتهام والجناية؟”
أستاذ سامح اتعدل في قعدته وقفل شنطته وقال جملة خلّت عروقي تتجمد: “الشاكية موكلتي، مدام فجر، متمسكة بالقانون كاملاً يا فندم.. بس هي وضعت شرط واحد فقط في مذكرتها الشارحة، شرط ممكن يغير مسار القضية نهائياً لو المتهم وافق عليه فوراً.”
وكيل النيابة بص للمحامي باستغراب: “شرط إيه؟”
أستاذ سامح التفت لي، وبص في عيني بنظرة نصر جافة وقال: “موكلتي مدام فجر مستعدة تنازل نهائياً عن اتهام التزوير والاستيلاء، وتقلّب القضية لمدني، وتتنازل عن حظر السفر وملاحقتك القضائية.. بشرط واحد: توقيعك دلوقتي على عقد تنازل نهائي وبيع قطعي عن أرض العائلة القديمة في الصعيد، الأرض اللي أنت ووالدتك ورثتوها عن أبوك، واللي أنت مخبي عقودها وعامل فيها ناصح ومحدش يعرف عنها حاجة!”
أنا اتصدمت.. الأرض؟! أرض الصعيد اللي كنت مأمن بيها نفسي وخايف أقرب منها عشان ما تدخلش في قسمة الورث أو تعينني للزمن! الأرض الوحيدة اللي حيلتي اللي كان مفروض أتبنى بيها حياتي من جديد بعد ما أطلع من القاع ده!
صرخت بذهول: “أرض أبويا؟! أنتِ عرفتِ مكان العقود منين؟ دي مكتوبة باسمي وباسم أمي في الصعيد ومحدش يعلم بيها غيرنا!”
المحامي ابتسم وقال ببرود ينقط سم: “مدام فجر كانت عارفة كل قرش وكل حبر على ورق يخصك من أول يوم اتجوزتكم فيه. الشنطة اللي رمتهالك عند البواب؟ ما كانش فيها هدوم بس.. كان فيها كل المستندات والأوراق الخاصة بأرض الصعيد بعد ما صورتها ووثقت وجودها. قدامك دقيقتين يا أستاذ: توقّع وتتنازل عن نصيبك ونصيب والدتك بموجب التوكيل اللي معاك منها.. وتطلع حُر طليق كارت أبيض مفيش عليك ولا مليم ولا قضية، يا إما تجري الجناية وتدخل طرة 10 سنين بتهمة التزوير الجسيم، وساعتها الأرض برضه هتتاخد منك في أحكام التعويضات المدنية!”
بصيت للورق المفرود قدامي على المكتب.. قلم أسود محطوط جنب خانة التوقيع. بصيت للحديد اللي في إيدي، وافتكرت ظلام السجن، والضرب اللي أكلته، وأمي اللي اغمى عليها ومستناني في دار الرعاية، وإخواتي اللي باعونا، والعروسة اللي فضحتني.
كل أسلحتي اتكسرت، كل حصوني انهارت.. فجر ما سابتليش منفذ واحد أتنفس منه، أخدت العمارة، والشقة، والفلوس، والكرامة، والدلوقتي أخدت آخر أرض أملكها تحت السماء!
مسكت القلم بإيد بتترعش، وجسمي المكسور بيهتز بالبكاء، ووقّعت.. وقّعت اسمي بحروف مكسورة حفرت نهايتي كاملة ومحت كل شيء ملكته في دنيتي.
المحامي أخد الأوراق، راجع التوقيعات بدقة، وحطها في الشنطة وقال للنيابة: “نحن بنقدم إقرار تنازل رسمي وإبراء ذمة يا فندم.”
وكيل النيابة هز رأسه وقال بصرامة: “يُفرج عن المتهم فلان من مقر القسم بضمان محل إقامته بعد استيفاء الأوراق، ما لم يكن مطلوباً على ذمة قضايا أخرى.”
العسكري فك الحديد من معصمي.. أول ما الحديد اتفك، حسيت بإيدي فاضية، كأن روحي هي اللي اتسحبت مني. خرجت من مكتب النيابة وأنا بأجر رجلي، أستاذ سامح كان ماشي قدامي بوقار، ولما وصلنا لبهو المحكمة الخارجي، وقف واستناني.
بصيت له بصوت جاف وميت: “خلاص؟ كدة فجر شبعت؟ أخدت كل حاجة؟ طيرت أرضي وبيتي وعزي ورمتني في الشارع؟”
أستاذ سامح فتح شنطته وطلع منها ظرف صغير رخيص، ورمائه في إيدي وقال بصوت هادي: “مدام فجر مش المفترية يا فلان.. دول 500 جنيه أجر التاكسي اللي هيركبك لدار الرعاية اللي أمك محجوزة فيها، وفيه هناك كارت باسم أستاذة الدار، أكلكم وشربكم وسكن والدتك مدفوع لمدة سنة كاملة من جيبها الشخصي.”
بصيت للفلوس في إيدي، حسيت بحسرة وأهانة أشد بمئة مرة من الضرب والسجن.. بتتصدق عليا! بتديني العطف من الفلوس اللي أخدتها مني!
كمل أستاذ سامح وهو بيلف ويديني ظهره: “هي قالتلي أقولك جملة أخيرة قبل ما أمشي.. ‘الراجل اللي يعتمد على دهاءه لكسر مراته، يتأكد إن ربك بيسلط عليه ذكائها لحد ما يجيبه الأرض’.”
سابني ومشي وسط زحمة المحكمة.. وقفت في نص البهو، لابس هدوم متقرفة بالدم والطين، في إيدي 500 جنيه صدقة من مراتي اللي كنت عايز أكسرها، ومفيش في جيبي غير حسرة ونار بتاكل في صدري.
خرجت للشارع.. الشمس كانت طالعة بس كان جويا ظلمة كاحلة. ركبت التاكسي ورحت للعنوان المكتوب في الكارت عشان أشوف أمي.. لكن أول ما وصلت لدار الرعاية ودخلت الأوضة اللي فيها أمي، اتفاجئت براجل غريب قاعد جنب سريرها، وبصلي بنظرة غموض أول ما دخلت!
وقفت على باب الأوضة ورجلي مش قادرة تشيلني. ريحة المطهرات في دار الرعاية كانت بتقلب بطني، وأمي نايمة على السرير، وشها أصفر وزي الشمع الميت، متوصلة بأجهزة ومحاليل بتنقط ببطء.
لكن الراجل اللي قاعد على الكرسي جنب سريرها هو اللي جمد الدم في عروقي.
كان راجل في الخمسينات من عمره، هيئته حادة، لابس جلباب بلدي فاخر وتحتيه صديري، وفي إيده سبحة كوك بيفرها ببطء، وعيونه مثبتة عليا بنظرة فيها كبرياء وصرامة مش غريبة عليا أبداً.
أول ما خطيت خطوة لجوة، أمي فتحت عيونها بالعافية، ولما شافتني صرخت بصوت ضعيف ومبحوح ودموعها نزلت: “يا فلان.. يا ابني! ألحقني يا ابني.. أخوك جه! خاليكم ما يرموناش ثاني!”
أخويا؟!
الكلمة نزلت عليا زي الصدمة.. أخويا الكبير من أبوي! الأخ اللي أبويا كتبله حقه ومشى وساب الصعيد من ثلاثين سنة بعد مشاكل كبيرة على الورث، وانقطعت أخباره تماماً وكنا فاكرينه مات أو هاجر ومالوش أثر!
الراجل قام وقف بكل ثبات، فر السبحة ورمى عليا نظرة تفحصت منظري المبهدل، والدم الناشف على قميصي، والكسرة اللي مالياني. قرب مني بخطوات ثقيلة وقال بصوت جهوري يرجع في الصالة: “أهلاً يا ابن أصول.. أهلاً بـ’الناصح’ اللي كان فاكر إن أرض الصعيد ملهاش صاحب ومخبي عقودها تحت البلاطة!”
بلعت ريقي بصعوبة وصوتي طالع بالعافية: “أنت.. أنت إيه اللي جابك هنا؟ وعرفتا مكاننا إزاي؟”
ضحك ضحكة قاسية هزت المكان وقال: “إيه اللي جابني؟ اللي جابني هو اللي صحاني من النوم إمبارح بالليل! مراتك.. الأستاذة فجر!”
حسيت بدوخة شديدة ومسكت في أكرة الباب عشان ما أقعش. فجر ثاني؟!
كمل كلامه وهو بيطلع من جيب جلبابه صور عقود التنازل اللي أنا لسة موقّع عليها في النيابة من ساعة واحدة بس: “مدام فجر اتصلت بيا من أسبوع، وقالتلي ‘أرض أبوك في الصعيد اللي إخواتك مخبينها عنك وبيحاولوا يستولوا عليها، أنا هرجعهالك لحد عندك بالحق والقانون’. اتفقت معاها، واشترت مني حصتي الشرعية والتوكيلات القديمة بفلوس كاش.. والنهاردة، بعد ما أنت وقّعت لها على التنازل في النيابة عشان تهرب من جناية التزوير، هي نقلت الملكية بالكامل ليا أنا!”
بصيت له بذهول مش قادر أستوعب: “نقلت الملكية ليك أنت؟! يعني الأرض راحت.. راحت ليك بالكامل؟!”
قرب من وشي وقال بمنتهى القسوة: “الأرض رجعت لأصحابها الأصليين اللي أنت وأمك أكلتم حقهم سنين طوال! أنت فاكر إنك لما تظلم وتفتري على بنت الناس، ربنا هيبار كلك في الأرض اللي سرقتها من إخواتك؟ فجر ما أخدتش الأرض ليها.. فجر استخدمت الأرض عشان تكسرك وتأدبك، وترجع الحق لأصحابه اللي أنت كلت حقهم!”
أمي قعدت تبكي وتشهق من على السرير: “يا كمال يا ابني.. حن على أخوك! إحنا في الشارع، والست فجر رمتنا ودمرتنا!”
كمال اتلفت لأمي وبصلها بنظرة مفيهاش نقطة رحمة: “رمتكم؟ فجر مدفعتش مصاريف الدار دي عشان خاطر عيونكم.. فجر دفعت المصاريف دي عشان تحطكم تحت ضرتي وتحت إيدي! الأرض اللي في الصعيد خلاص بقت ملكي برسم القانون، والعقد اللي معاك يا فلان بقى مجرد ورقة بليتها وشربت ميتها.”
سكت لحظة وشال شنطته الصغيرة وقال بصوت زي السم: “أنا جاي أبلغك قرار واحد مفيش فيه مراجعة.. قدامك 24 ساعة بالضبط تأخد أمك وتطلعوا من الدار دي. أنا مش هدفع مليم واحد بعد السنة اللي مدفوعة، ولا هسيبكم تقعدوا في أي بيت من أملاك أبويا القديمة. دورلك على لقمة عيش أو حيطة تداريك أنت وأمك، لأن اللي يعمل في مراته كدة، ما يلزموش أصل ولا عيلة تنستر بيه!”




