روايات وقصص

مراتي ورثت حكايات امانى 4

سابنا ومشى.. خطواته كانت بتهز الأرض تحتيا وهو طالع من الباب، وسابني واقف في نص الأوضة مشلول تماماً.
الأرض اللي كنت مأمن بيها مستقبلي وخايف أفرط فيها.. راحت في ثانية! راحت لأخويا اللي أكلنا حقه زمان، وفجر ما احتفظتش بيها لنفسها، دي استخدمتها سيف قطع بيه آخر عرق أمل كان فاضلي في الدنيا!
بصيت لإيدي.. الـ 500 جنيه المبلولة في جيب قميصي هي كل ما أملكه في هذا العالم. مفيش أرض، مفيش شقة، مفيش شغل، مفيش نفوذ، مفيش عيلة تقف جنبي. إخواتي البنات سرقوا أمي وهربوا، أخويا الصعيدي أخد الأرض وطردنا، والعروسة الجديدة ضربتني وفضحتني.
أمي قعدت تصرخ على السرير: “هنروح فين يا فلان؟! هنروح فين بكرة لما السنة تخلص ويترموا في الشارع؟ اتصل بفجر يا ابني! اتصل بيها أبوس إيدك، اترجاها ترحمنا، انزل تحت جزمتها واستعطفها!”
مسكت تليفوني المكسور من الشحاذة، وجريت على برة الأوضة. صوابعي كانت بترتعش وأنا بكتب رقم فجر.. الرقم اللي حافظه عن ظهر قلب.
اتصلت.. التليفون كان بيرن! قلبي كان بينبض زي الطبلة، مستني الصوت اللي هينقذني أو يجهز على البقية المتبقية من روحي.
بعد أربع رنات.. الخط اتفتح!
سمعت صوت هدوء أنفاسها من الناحية الثانية، وسكوت رهيب.
صرخت في التليفون وبكيت بحرقة، صوت راجل اتدشمل وكرامته اتدعت في التراب: “فجر! أرجوكي يا فجر.. ارحميني! عملتلك إيه تاني؟ أخدتي الشقة، وأخدتي التحويشة، وحبستيني، وضربتيني، وأديتي الأرض لأخويا الصعيدي! حرمتيني من كل حاجة في الدنيا.. أرجوكي يا بنت الناس، أمي بتضيع وأنا بقيت في الشارع حافي! حني عليا ولو بكلمة واحدة.. قوليلي أعمل إيه عشان تسامحيني؟!”
السكوت فضِل ثواني على الخط.. ثواني كانت أطول من السنين اللي عشتها.
وفجأة.. جاني صوتها. بس ما كانش صوت غضب، ولا صوت انتقام.. كان صوت هادي جداً، بارد وزي التلج، وقالتلي الجملة اللي غيرت كل حساباتي وجمدت الدم في قلبي:
“أنت فاكر إن اللعبة خلصت يا فلان؟ أنت فاكر إن كل ده كان عشان الأرض والشقة؟ افتح الظرف الصغير اللي المحامي رمائهولك مع الـ 500 جنيه.. وشوف المفاجأة الأخيرة اللي أنا مستنياك فيها بكرة الصبح في المحكمة!”
الخط اتأفل!
بقيت ماسك التليفون وببص له بذهول ورعب.. ظَرْف؟ الظرف اللي أداهولي أستاذ سامح مع فلوس التاكسي!
سحبت الظرف من جيبي بإيد بترتعش، وقطعته بسرعة عشان أطلع الورقة اللي جوة.. ولما قريت المكتوب في أول السطر، ركبي اتسحبت مني ووقعت على الأرض في طابور المستشفى وأنا بصرح بصوت مكتوم هز المكان كله!
وقعت على أرض المستشفى والورقة في إيدي بترتعش، عيني مش قادرة تستوعب السطور المكتوبة ببنود رسمية من النيابة العامة. الورقة ما كانتش مجرد ورقة طلاق أو تنازل، الورقة كانت دعوى قضائية جديدة مرفوعة عليا وعلى أمي وإخواتي البنات بتهمة “التآمر والمشاركة في الاستيلاء على أموال القاصر”!
القاصر؟!
عقلي طار من راسي ومبقيتش فاهم حاجة.. مين القاصر اللي استولينا على فلوسه؟!
نزلت عيني لأسفل الصفحة لقراءة الاسم المكتوب في خانة المجني عليه، وكانت الصدمة الأكبر والضربة القاضية التي قضت على ما تبقى من عقلي.. الاسم كان “ابني”!
ابني اللي فجر كانت حامل فيه من أربع شهور وقبل ما تبدأ حكايتنا دي كلها! كانت شايلة في بطنها ابني، قطعة مني ومنها، وساكتة، كاتمة السِر ومخبية الحمل عني وعن أمي عشان عارفة إننا لو عرفنا كنا هنسومها ونستغل الطفل عشان نضغط عليها ونكسرها أكتر!
قرأت المذكرة والدموع مغرقة عيني وصوتي مخنوق: “حيث إن المدعى عليه وزوجته ووالدته تآمروا لإنهاك الذمة المالية للزوجة وإجبارها على التصرف في تركتها وحرمان طفلها القادم من حقوقه الشرعية في ملكية والدته، واستغلال أموال التركة في مصاريف شخصية وبذخ غير مشروع..”
فجر ما كانتش بتحاربني أنا وأمي وإخواتي بس.. فجر كانت بتحارب عشان تحمي ابنها اللي في بطنها من أب جشع وعيلة طماعة! كانت شايفانا وحوش ممكن ننهكها وننهك ابنها عشان نزوة جوازة تانية وعنصريّة فارغة.
في الصبح، خرجت من المستشفى زي الخيال.. أجر جسمي المكسور ورجلي المربوطة بالشاش، مسحوب كالذبيحة لمقر المحكمة.
وقفت في قاعة الجلسات، القاعة كانت زحمة بالمحامين والناس، لكن عيني ما شافتش غيرها.. كانت قاعدة في الصف الأول، لابسة فستان أسود أنيق، وبطنها بادي عليها الانتفاخ الخفيف.. تحفها هيبة وقوة، وحواليها محامين وحراسة.
أول ما القاضي نادى على القضايا ودخلت، وقفت قدام المنصة.. بصيت لفجر بنظرة توسل مكسورة، نظرة راجل اتجرد من كل دروعه، ونطقت بصوت ضئيل هزه الدموع: “يا سيادة القاضي.. أنا مش جاي أدافع عن نفسي، ولا جاي أطلب أرض ولا شقة ولا فلوس.. أنا اعترفت بكل حاجة، اعترفت بجشعي وبقلة أصلي وبظلمي لست أصيلة سألتني الأمانة فخنتها.”
التفت لفجر، ونزلت على ركبتي قدام القاعة كلها، في مشهد أهان كل غروري القديم ونسخ وجودي: “يا فجر.. خدي كل حاجة، خدي الأرض والشقة والفلوس وحريتي.. بس ما تحرمينيش إني أكون أب، ما تخليش ابني يتولد وهو بيحتقر اسمي ويشوفني مجرم في ورق المحاكم.. أنا أتعاقبت، وربنا أخدلي حقي مني وزيادة.”
فجر بصتلي من فوق، ملامحها ما اهتزتش، لكن عيونها كان فيها لمعة حزن نادمة على الراجل اللي دمر نفسه بنفسه. وقفت بكل ثبات، وقربت خطوات من القاضي وقالت بصوت هادي وواثق هز أركان القاعة:
“يا سيادة القاضي.. أنا مش جاية أحبس أب ابني، ولا جاية أرميه في السجن.. أنا رفعت الدعوى دي بس عشان أخليه يقف الموقف ده، عشان يعرف إن الطفل اللي كان هيضيع بسبب طمعه، هو نفسه اللي أمه حمت حقه بالقانون والعقل. أنا بتنازل عن الدعوى الأخيرة، وبطلب إثبات الطلاق النهائي والإبراء التام، وبسيبله حريته.. يدور على نفسه ويتعلم يعيش راجل من الصفر.”
القاضي دق بمطرقته: “حُكمت المحكمة بإثبات الطلاق والإبراء، وانقضاء الدعوى بالتنازل.”
خرجت فجر من القاعة بخطوات واثقة ومرفوعة الرأس، كأنها ملكة توجت حريتها وكرامتها وحق ابنها بالكامل.. وسابتني واقف في نص القاعة، حُر.. بس حرية أشد قسوة من قيد السجن. حرية إنسان خسَر كل شيء: خسر بيته، وزوجته، وابنه، وأرضه، وكرامته، وعيلته اللي اتفككت وتشتت بسبب الجشع والطمع.
خرجت للشارع، الهواء كان بارد، والمسافات قدامي ممتدة ومظلمة. مشيت حافي، بلا مال ولا سقف ولا سند.. وعرفت إن العلقة اللي أكلتها والأرض اللي ضاعت مني ما كانتش غير ثمن بسيط لقانون العدالة الإلهية.
🌟 العبرة والحكمة من القصة:
* الجزاء من جلعمل: من زرع الغدر والضغط على أقرب الناس إليه، حصد الخيانة والشتات من أقرب الناس له (كما فعلت أمه وإخواته البنات به).
* البيت لا يُبنى على خراب بيت آخر: الطمع في حق الزوجة أو استغلال ورثها لبناء نزوات جديدة أو إرضاء للغرور، هو أقصر طريق للدمار الشامل والفقر الأبدي.
* الدهاء الملتزم بالقانون يحمي الحقوق: المرأه الذكية والأصيلة لا ترد على الإهانة والظلم بالصراخ والصوت العالي، بل بالعقل والتدبير وتأمين المستقبل وأخذ الحق كاملاً بالقانون والعدل.
* العنف والجشع يقطعان الأرحام: عندما يدخل الطمع بين الأهل والشركاء، تنكشف المعادن الرخيصة، وتتحول العلاقات الأسرية إلى الجميع ولا تترك أحداً رابحاً.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى