منوعات

مراتي ورثت حكايات امانى 3

الصدمة جمدت الد.م في عروقنا.. المالك الجديد لشقة أمي؟! الشقة الوحيدة اللي فاضلة لينا في الدنيا والتي كانت الحيطة الأخيرة اللي هتسترينا بعد ما اتر.ميت في الشارع وظهرنا اتكسر!
أمي مسكت في جلابيتي المتقطعة وهي بترتعش زي الفرحة في العاصفة، وصوت بكائها تحول لشهقات مكتومة: “يا لهوي يا ابني.. حتى الشقة دي؟ إخواتك البنات ما اكتفوش بأخذ الدهب والفلوس، دول باعوا السقف اللي بيلمنا عشان يضمنوا إننا ما نرجعش نطلب منهم مليم!”
الخبط على الباب بقى أشد، وصوت الراجل برة تحول لزعير يهز الجدران المتهالكة: “افتح يا جدع أنت وهو بدل ما أكسر الباب وأجيب البوليس! العقد معايا والتوكيل من إخواتك مسجل في الشهر العقاري، قدامكم خمس دقائق تطلعوا برة، الشقة دي بقيت ملكي رسمياً!”
قمت بالعافية من على الأرض، وأنا أجر رجلي المكسورة والوجع بينخر في عظامي من ضب الشوم. فتحت الباب نص فتحة وأنا ساند على الحيطة، ووشي كله دم وجروح. كان واقف قدامي راجل ضخم، ملامحه حادة وعيونه مفيهاش نقطة رحمة، ومعاه اثنين عمال شايلين أقفال جديدة وعدة كسر.
بصلي بقرف وارتداد لوراء خطوة لما شاف منظري وااللي مغطي قميصي: “إيه ده؟! أنت مين يا جدع أنت؟ وإيه المنظر ده؟ أنا اشتريت الة دي النهاردة كاش من أصحابها، ومعايا أمر بتسلمها فاضية. يلا يا حبيبي أنت والحاجة اللي جوة، خدو كراكيبكم وانزلوا من غير دوشة.”
اترجيتها بصوت مكسور ومبحوح، صوت واحد فقد كل معاني الرجولة والكرامة: “يا حاج الله يخليك.. أسترنا الليلادي بس! أمي ست كبيرة ومش قادرة تقف على حيلها، وأنا زي ما أنت شايف متقطع ومضروب ومش معايا مليم نمشي بيه. الصبح هنمشي، والله الصبح هنغور من هنا!”
الراجل زق الباب برجله بقوة خلاني أرجع لوراء وأقع على الأرض فوق أمي، وقال بصرامة وقطع: “أستر مين يا أستاذ؟! هي جمعية خيرية ولا إيه؟ إخواتك قالولي إن الشقة فاضية ومفيش فيها حد، وأنا مش هدخل نفسي في مشاكل عائلية. قدامكم عشر دقائق، لو ما نزلتمش، العمال دول سيرموكم أنتم وكراكيبكم في الشارع وهطلب النجدة!”
سابنا ومشي وقف على السلم يتابع العمال وهم بيبدأوا يفكوا في كالون الباب الخارجي ببرود شديد.
أمي قعدت تصرخ وتلطم على خدودها وهي بتدعي على إخواتي البنات وعليا: “منك لله يا فلان! منك لله يا ابني.. أنت اللي فتحت باب الجشع والخراب! أختك عملت كدة لما شافتك بتبيع وتشتري في مرتك، تعلموا منك الغدر وقلة الأصل! حسبي الله ونعم الوكيل فيكم كلكم!”
دعائها كان ينزل على قلبي زي السيوف. صمتت تماماً.. مفيش كلام أقوله، مفيش دفاع أقدمه. أنا اللي زرعت الشوك، ودلوقتي باجني حصاده على جثتي وجثة أمي.
سحبت أمي من إيدها بالعافية، ولمينا باقي الهدوم القديمة في ملاية سرير ومسكناها من الأطراف. خرجنا من الشقة والعمال بيبصولنا بنظرات احتقار وسخرية، ونزلنا السلم درجة درجة في ظلام العمارة، وأنا حاسس إن كل خطوة بنزلها هي نزول لأعمق نقطة في القاع.
خرجنا للشارع.. الشارع كان فاضي والبرد بينخر في العظم. المطر بدأ ينزل خفيف، نقط باردة بتنزل على جروحي وتزود وجعها. أمي قعدت على الرصيف قدام مدخل العمارة، وحطت الملاية تحتها وبقت تتكتك من البرد والدموع نازلة على خدودها التجاعيد.
أنا قعدت جنبها على الأسفلت، حاطط رأسي بين ركبي ومسند ظهري المكسور على سور العمارة. بقيت أفتكر بيتي.. الصالة الدافيّة، الشاي اللي كانت بتعملهولي مراتي، الهدوء والأمان اللي كنت عايش فيه ورامي النعمة برجلي عشان أطمع في ورثها وأجيب غيرها.
وفجأة، وأنا قاعد في المطر والظلمة وسط الحسرة دي كلها، سمعت صوت عربية فخمة جداً بتفرمل قدام الرصيف اللي إحنا قاعدين عليه.
النور الأبيض القوي بتاع العربية عمى عيوني.. الاتنين بتوع العربية نزلوا الزجاج، وأنا رفعت رأسي بالعافية عشان أشوف مين اللي واقف قدامنا.
كانت عربية مراتي القديمة.. بس مش هي اللي كانت سايقة!
نزل من باب السائق راجل في الأربعينات، أنيق جداً، ولابس بدلة فاخرة.. وبصلي وهو بيعدل ساعته بابتسامة غموض، وبعدها لف وفتح الباب الخلفي للعربية.
وخرجت منها مراتي!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى