
حماتي فضلت تبص لأحمد بنظرات فيها مزيج من الذهول والترجي، إيدها كانت بترتعش وهي بتشد الغطا على صدرها، وشها اللي كان دايماً مليان كبرياء وجبروت اتحول لكتلة من الإحراج والخزي. بصت لي لأول مرة من ساعة ما دخلنا الأوضة، ونظرتها ماكانتش نظرة التحدي بتاعت يوم الثلاثاء، كانت نظرة ست حاسة إن سقف بيتها بيتكركب فوق رأسها.
-
حكايات رشا خالد 1منذ ساعة واحدة
-
هتعملو ايه بلاش ياحماتىمنذ ساعتين
-
حكايات امانى السيدمنذ ساعتين
-
حكايات اسما السيد 2منذ 15 ساعة
قالت بصوت واطي ومكسور، عكس نبرتها العالية اللي كانت بتزلزل البيت:
— يا أحمد… يا ابني ما تعملش في أمك كده. إنت هتهون عليك أمك تدحّك الناس عليها في آخر عمرها؟ إنت عاوز تفضحني قدام قرايبنا وعيلتك؟
أحمد ما تحركش من مكانه، وفضل ماسك الموبايل وموجهه ناحيتها، ونبرة صوته كانت ثابته وهادية بشكل يخوف:
— وإنتِ ما هانتش عليكِ مرات ابنك؟ ما هانتش عليكِ كرامتها وهي تعبانة ودرجة حرارتها بتعدي الـ39؟ ما فكرتيش في شكلها قدام الغريب والريب لما نزلتي صورتها وهي نايمة ومش قادرة ترفع رأسها من على المخدة؟ ولا هي مالهاش أهل ومفيش حد يزعل عليها، لكن إنتِ اللي خط أحمر؟
حماتي بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تلاقي أي مبرر ترمي بيه اللوم علينا، فقالت وهي بتمسح بوشها:
— أنا… أنا ما كانش قصدي أفضحها يا أحمد! أنا كنت أقصاد أقرص أذنها عشان تتعدل وتهتم بيك وببيتك! ما تظلمنيش يا ابني، الأم دايماً عاوزة مصلحة ابنها!
هنا أحمد ضحك ضحكة قصيرة مليانة سخرية وقال لها:
— مصلحتي؟ مصلحتي إنك تدخلي أوضة نومي بالمفتاح الاحتياطي اللي مديهولك للطوارئ، وتستغلي مرض مراتي وتصوريها وتنزليها على فيسبوك عشان تخلي اللي يسوى واللي ما يسواش يتنمر عليها ويشتمها؟ إنتِ عارفة إن الدكتور مديها إجازة وشايف روبرتاتها بنفسه؟ إنتِ عارفة إنها بتصحى كل يوم الساعة ستة الصبح تعمل شغلي وشغل بيتها وشغل شركتها وما قصرتش معايا يوم واحد؟
حماتي سكتت تماماً وما عرفتش ترد. الكلمات هربت منها، لأن الموقف كان مكشوف ومفيش أي حجة تقدر تستخبى وراها. منظرها وهي قاعدة في السرير، شعرها منكوش، والنوم باين في عينها، كاشف كل الادعاءات اللي كانت بتتباها بيها قدام الناس عن المثالية والصحيان البدري.
أحمد قرب خطوة كمان، ونزل إيده بالموبايل لكنه ما قفلش الفيديو، وقال لها بوضوح شديد:
— البوست اللي نزل يوم الثلاثاء هيتمسح فوراً يا أمي. وهينزل بداله اعتذار صريح لمراتي قدام كل الناس اللي شافوا البوست القديم. والمفتاح الاحتياطي اللي معاكي للبيت بتاعنا، هاخده دلوقتي وفي لحظتي دي.
سناء حماتي اتسعت عينها بصدمة وقالت:
— آخد منك المفتاح؟! واعتذر كمان قدام الناس؟! إنت عاوز تصغرني قدام العيلة يا أحمد؟!
رد أحمد بصرامة قاطعة ما شفتهاش فيه قبل كده:
— اللي يستر كرامة مراتي ويحفظ هيبتي في بيتي مش بيصغّرك يا أمي. ده الحق. لو البوست ما اتمسحش، والاعتذار ما نزلش قبل ما الشمس تطلع… الفيديو ده بالكامل بالصوت والصورة، مع اللقطة اللي بتترجيني فيها دلوقتي، هيكون هو البوست الجديد على صفحتي وعلى صفحتك. واختاري إنتِ عاوزة الناس تشوف إيه بكرة الصبح.
حماتي بصت لأحمد، وبعدين بصت لي، وكانت عارفة كويس إن ابنها مش بيهدد وخلاص، إنه تنفيذ الكلام ده هيكون أسهل حاجة عنده لو هي أصرت على موقفها. وقبل ما تفتح بؤها ترد، أحمد مد إيده على التسريحة جنب السرير، مسك ميدالية المفاتيح بتاعته اللي فيها مفتاح شقتنا الاحتياطي، وحطها في جيبه بكل هدوء.
سحب أحمد المفتاح من على التسريحة وحطه في جيبه بكل ثبات، وصوت رنة المفاتيح في الهدوء ده كان كفيل يخلي حماتي تحس إن كل خطوط دفاعها انهارت تمامًا.
فضلت حماتي بصالي وبصالوا بحسرة، وبدأت إيدها ترتعش وهي بتمسك موبايلها اللي كان محطوط جنب السرير. مسكت الموبايل ببطء شديد، وكأن الجهاز وزنه بقى طن، ودخلت على فيسبوك وإيدها بتهتز. بصلاتنا كانت معلقة بصوابعها وهي بتدور على البوست القديم، لحد ما لقيته وضغطت على مسح.
بصت لأحمد وقالت بنبرة مخنوقة ودمعة محبوسة في عينها:
— مسحت البوست يا أحمد… ارتحت كده؟
أحمد ما تحركش من مكانه ولا نبرة صوته الهادية تغيرت، قال لها بصرامة:
— النصف الأولاني بس من الشروط هو اللي اتنفذ يا أمي. فاضل الاعتذار.
حماتي اتسعت عينها ورجعت لوراء، وقالت بنبرة فيها بقايا كبرياء بيحتضر:
— اعتذار إيه يا بني اللي أكتبه قدام الناس؟ أنت عاوز قرايبنا وعمامك يضحكوا عليا؟ يقولوا سناء بتعتذر لمرات ابنها؟! دي ما حصلتش في العيلة دي قبل كده!
هنا أحمد خد نفس طويل، وبص في موبايله اللي لسه بيسجل وقال لها:
— ومفيش حد في العيلة دي قبل كده دخل أوضة نوم حد وصوره وهو عيان ونزل صورته يفضحه يا أمي. أنتِ اللي بدأتي اللعبة دي، ولازم تنهيها بالحق. معاكي لحد ما نوصل البيت… لو ما لقيتش بوست الاعتذار نزل بكلام واضح وصريح يرد لمراتي اعتبارها قدام كل واحد كتب كلمة بايخة، الفيديو ده هيبقى هو تريند العيلة النهاردة.
لفت أحمد وشها ناحيتي، ومسك إيدي بكل حنية ودعم قدامها، وقال لي بصوت دافي:
— يلا بينا يا حبيبتي، احنا خلصنا هنا.
خرجنا من الأوضة ومن الشقة كلها، وسبناها قاعدة على سريرها مذهولة ومش مستوعبة إن ابنها اللي كانت فاكراه هيقف معاها أو يسكت على تصرفها، هو اللي حطها في الزاوية دي وعلمها درس عمرها ما هتنساه.
طول طريق الرجوع في العربية، كنت حاسة بمزيج غريب من المشاعر… الرهبة من اللي أحمد عمله، وفي نفس الوقت فرحة وأمان غير عادي لأن جوزي رد لي كرامتي وحماني بذكاء ومن غير ما يرفع صوته أو يقل أدبه على أمه، بل كشف لها غلطها بنفس سلاحها.
أول ما وصلنا شقتنا، ودخلنا من الباب، أحمد مسك موبايله وفتحه عشان يشوف. أنا كمان طلعت موبايلي بسرعة وأنا حبسة نفسي ومستنية أشوف رد فعلها وهل فعلاً هتخضع لشرطه ولا كبريائها هيغلبها.
فتحت الفيسبوك… وعملت تحديث للصفحة… وفجأة ظهر البوست.
أول ما عملت تحديث للصفحة، ظهر البوست فورًا. حماتي كانت كتبته ويديها بتترعش من الخوف والإحراج. البوست كان صريح وبدون أي لف أو دوران:
“أنا بعتذر لمرات ابني عن البوست اللي نزل يوم الثلاثاء. البوست اتفهم غلط، وحبيبتي كانت تعبانة جدًا وفي السرير بأمر الدكتور، وهي ست بيت شاطرة وبتراعي بيتها وجوزها وشغلها ومش بتقصر في حاجة أبداً. ربنا يشفيها ويخليها لابني.”






