روايات وقصص

حكايات رشا خالد 2

فضلت باصة للشاشة وأنا مش مصدقة عينيا. الست اللي كانت من ساعات قليلة بتتعامل معايا بفوقية وتكبر، وبترفض حتى تسأل عن صحتي، نازلة بنفسها بتعتذر وبترد لي اعتباري قدام كل الناس اللي شافوا البوست القديم ورأيهم اتغير في لحظة.

التعليقات بدأت تنهال بسرعة على البوست الجديد، بس المرة دي كانت مختلفة تمامًا. الناس اللي كانت بتهاجمني وبتقول “جيل اليومين دول” بدأت تكتب: “ربنا يخليكم لبعض”، و”ألف سلامة عليها، أصيلة يا أم أحمد إنك وضحتي”، وواحدة من قرايبها كتبت: “ربنا يديم المحبة وما يدخلش بينكم شيطان”.

مقالات ذات صلة

أحمد بص لي وابتسم ابتسامة هادية كلها ثقة، ومسك إيدي وقعدني جنبه على الكنبة وقال:

— حقك رجع لك وزيادة؟

دموعي نزلت، بس المرة دي ما كانتش دموع قهر أو إهانة، كانت دموع ارتياح. بصيت له وقلت له:

— أنا ماكنتش خايفة من كلام الناس قد ما كنت خايفة إنك تعدي الموضوع أو تطنش. أنت مش بس ردّيت لي اعتباري، أنت حسستني إن لي ظهر وأمان في البيت ده.

أحمد حط إيده على كتفي وقال بنبرة جادة جداً:

— كرامتك من كرامتي يا حبيبتي. أنا أول ما شفت البوست يومها، كنت هيجن جنوني، وكان ممكن أتصل بيها وأزعق وأعمل مشكلة كبيرة، بس المشكلة دي ما كانتش هترجع لك حقك قدام الناس، وكانت هتخليها تعمل دور الضحية وتقول “ابني بيقسي قلبه عليا عشان مراته”. عشان كده كان لازم أتصرف بهدوء وذكاء، وأخليها تشوف غلطها بأسلوبها هي، ومن غير ما أدّيها فرصة تطلع هي المظلومة.

عدى اليوم ده، وحسيت إن فيه جبل انشال من على صدري. بدأت أرجع لحياتي وطبيعتي بثقة أكبر، وأحمد بقى يأكد عليا دايماً إن محدش يملك المفتاح الاحتياطي لشقتنا تاني أبدًا، وأن حدود بيتنا خط أحمر محدش يتخطاه مهما كانت درجة قرابته.

لكن الأحداث ما وقفتش عند النقطة دي.

بعد أسبوع بالظبط من اللي حصل، كان فيه عزومة عائلية كبيرة عند بيت عم أحمد، وهي عزومة دورية بتتجمع فيها العيلة كلها كل شهر. كنت مترددة أروح، وحاسة بإحراج من مواجهة حماتي قدام الناس بعد البوست والاعتذار، لكن أحمد أصر إننا نروح وقال لي:

— هتروحي وأنتِ مرفوعة الرأس، ومحدش يقدر ينطق كلمة واحدة معاكي.

وصلنا البيت، وأول ما دخلنا، العيون كلها اتوجهت ناحيتنا. الهدوء ساد المكان للحظات، وحماتي كانت قاعدة وسط سلفاتها وقرايبها، ووشها باين عليه التوتر أول ما شافتني داخلة مع أحمد.

الكل كان مستني يطمن أو يشوف شكل العلاقة بينّا بقى عامل إزاي بعد الفضيحة والاعتذار اللي هز جروب العيلة على فيسبوك.

سناء حماتي وقفت ببطء، وقربت مننا وهي بتحاول تبتسم ابتسامة تصنع القوة قدام الناس، وقالت بصوت مسموع للكل:

— أهلاً يا أحمد يا ابني… أهلاً يا حبيبتي.

لكن الموقف ما عدّاش بالبساطة دي، لأن إحدى قرايبها القريبين جداً منها حبت تفتح الموضوع قدام القعدة كلها وتستفز الوضع، وسألت حماتي بصوت عالي وابتسامة خبيثة:

— صحيح يا سناء… هو إيه حكاية البوست والاعتذار اللي نزلتيه الأسبوع اللي فات ده؟ العيلة كلها كانت بتتكلم وعاوزة تفهم إيه اللي حصل بالظبط!

القعدة كلها سكتت تماماً، وحماتي اتسمرت في مكانها والدم جف في وشها، وبصت لأحمد ولي وهي مش عارفة تقول إيه أو تخرج إزاي من الموقف ده قدام العيلة كلها.

اتسمرت سناء في مكانها، والدم جف في وشها تمامًا. كان واضح إن الضحكة المصنوعة اللي كانت تحاول ترسمها أترسمت بدالها علامات ارتباك وخوف شديد. قريبتها “نادية”—اللي دايماً بتدور على أي ثقب في صلب العيلة عشان تدور فيه حكايات—كانت بصالها بابتسامة خبيثة ومستنية تسمع إجابة تصغر سناء قدام الكل، أو على الأقل تفتح باب للقيل والقال اللي العيلة بتعشق تلوكه.

القعدة كلها سكتت تمامًا. صوت معالق الشاي وهي بتتحرك في الكبايات وقف، والعيون كلها اتوجهت من نادية لسناء، ومن سناء لأحمد وليّا. كانت لحظة حبس أنفاس؛ هل سناء هترجع لنغمة التكبر والادعاء وتطلعني أنا المفتريّة اللي أجبرتها على الاعتذار؟ ولا هتفقد أعصابها وتعمل مشكلة في وسط العزومة؟

سناء بلعت ريقها بالعافية، وحطت إيدها على صدرها وهي بتحاول تجمع أي جملة تبان فيها متماسكة، لكن نظرتها خطفت بسرعة ناحية أحمد. كانت عارفة كويس إن الموبايل والفيديو اللي أتجلجل بيه كبريائها الفجر لسه تحت إيد ابنها، وإن أي كذبة أو تحوير للحقيقة قدام العيلة ممكن يخلي أحمد يتدخل بطريقة تنهي هيبتها للأبد.

وقبل ما سناء تنطق حرف واحد، أحمد أخد خطوة لقدام، وحط إيده في جيبه بكل ثبات، ورسم على وشه ابتسامة هادية بس كانت مليانة قوة ونظرة تحذير صريحة وجهها لنادية وكل القعدين.

قال أحمد بصوت واضح وراسي ملأ الصالة:

— مفيش حكاية ولا حاجة يا طنط نادية. الحكاية كلها إن أمي ست أصيلة وتعرف الأصول كويس، ولما لقت إن فيه سوء فهم حصل بسبب بوست عفو نزل في وقت مراتي كانت فيه تعبانة جدًا وبتموت في السرير بقرار دكتور، أمي ما قبلتش إن حد يفهم الموضوع غلط أو يظلم مراتي. وبأصلها المعتاد، قطعت الشك باليقين ووضحت للناس كلها الحقيقة عشان رد الاعتبار، لأن كرامة مراتي من كرامتها، وبيتنا له حُرمة وأصول أمي هي اللي مربياني عليها.

ساد الصمت لثواني. الكلام نزل على نادية زي المية الساقعة، ملقيتش خرم إبرة تنفذ منه ولا ثغرة تعمل بيها مشكلة. أحمد بذكاء شديد ما صغّرش أمه قدام العيلة، وفي نفس الوقت حط خط أحمر عريض مقفول بالقفل: مراته خط أحمر، وأمه شالت المسؤولية قدام الكل ولابسة ثوب “الأصول” اللي اتفرض عليها فرض.

سناء اتنفست الصعداء، ورغم إن الكلام كان بيلزمها قدام العيلة كلها بدور الأم المثالية الأصيلة اللي مش هتقدر تتراجع عنه بعد كده، إلا إنها كانت ممتنة إن أحمد ما فضحهاش في وسط قرايبها وما حكاش تفاصيل ليلة الخمسة الفجر.

سناء هزت رأسها بسرعة وهي بتمسك في طوق النجاة اللي أحمد رماهولها، وقالت بصوت طالع بصعوبة بس بتحاول تخليه حاسم:

— أيوة طبعًا يا نادية… أحمد بتكلم صح. أنا ما أقبلش حد يجيب سيرة مرات ابني بكلمة، وهي زي بنتي، ولما حسيت إن البوست اتفهم بطريقة تضايقها كان لازم أطلع بنفسي وأصلح الغلط. الأصول أصول يا حبيبتي.

نادية بلعت لسانها وابتسمت بقلة حيلة وقالت:

— طبعًا يا سناء… الأصيل أصيل، ربنا يديم المحبة بينكم وما يجيبش زعل.

في اللحظة دي، حسيت بنصر هادي وعميق بيغمرني من الجذور. النصر ده ما كانش بفضحة سناء أو كسرتها قدام الناس، النصر كان في إرساء قواعد جديدة وحاسمة لحياتنا. سناء اتقيدت بالحديث اللي قاله ابنها، وبقت مقتنعة إن أي محاولة ثانية منها للمساس بيّا هتقابل برد فعل أعنف، ومحسوب بالمليمتر.

طول باقي القعدة، كانت المعاملة مختلفة تمامًا. سناء كانت بتتعامل معايا بحذر واهتمام مبالغ فيه قدام الكل، كل شوية تقول لي: “ارتاحي يا حبيبتي متقوميش تعملي حاجة”، و”أحمد، هات العصير لمراتك”. العيلة كلها لاحظت إن هيبة “سناء” اللي كانت بتفرضها على الكل اتعدلت، وإن بيتي بقى له حدود جدارية مفيش حد يقدر يتخطاها.

لما خرجنا من العزومة وركبنا العربية في طريق الرجوع لشقتنا، الشوارع كانت هادية والنور الهادي بتاع الفوانيس كان يعكس على وش أحمد. فضلت باصة له لفترة طويلة مش عارفة أبدأ كلامي إزاي.

أحمد بص لي وهو بيسوق وابتسم وقال:

— ساكتة ليه يا حبيبتي؟ فيه حاجة معصبة تاني؟

مسكت إيده بحب وضغطت عليها وقيلت له:

— أنا مش ساكتة عشان معصبة يا أحمد… أنا ساكتة عشان بفكّر في اللي حصل. أنت بجد عملت حاجة أنا عمري ما كنت أتخيل إنها ممكن تحصل. أنت ما خسرتش أمك، وما سمحتلهاش تظلمني، وما خلتش العيلة تتفرج علينا وتضحك على فضايحنا. أنت أخدت لي حقي بالمليمتر، وعلمتها درس عمرها ما هتنساه من غير ما تطلع أنت ابن عاق أو تطلعني أنا مرأة ابن شريرة.

أحمد بصلّي بنظرة دافية وحنونة، وقال وهو مركز في الطريق:

— أنا عملت الواجب يا حبيبتي. البيت ده إحنا بنبنيه مع بعض، ولو أنا ما حميتكيش ورجعتلك كرامتك وأنا جوزك، مين اللي هيحميكي؟ أمي على راسي من فوق، وبرها واجبي لحد آخر يوم في عمري، بس البر مش معناه إنها تظلمك أو تدمر بيتي. فيه فرق كبير بين الطاعة والبر، وبين إن الإنسان يسيب كرامة شريكة حياته للناس تاكل فيها. أنتِ شيلتيني في تعبي، وبتصحي كل يوم تعافري في شغلك وببيتك، ولما تعبتِ كان حقك عليا تكوني أميرة في سريرك ومحدش يمسك بكلمة.

المفتاح الاحتياطي فضّل في جيب أحمد، وما اتسلمش لأي حد تاني. سناء من اليوم ده اتعلمت تدق الباب وتتصل قبل ما تفكر تزورنا بفترة، ولما بتيجي بتدخل بيتنا بحدود واحترام كامل. البوست اللي كان مقصود بيه فتيح عيني وإهانتي، بقى هو السور اللي حمى بيتي وحصن كرامتي.

أتأكدت في الليلة دي إن الست لما يكون وراها راجل حقيقي، بيعرف أمتى يتكلم وأمتى يسكت، وأزاي يوزن الأمور بعقله مش بتهوره… ما فيش قوة في الدنيا تقدر تكسرها أو تحرمها من أمان بيتها.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى