
شحب وجه طارق تمامًا وتجمدت قطرات العرق على جبهته، بينما تساقطت الأوراق التي كان يمسك بها من يده لتتبعثر على بلاط الصالة القديم. النظر إلى ضابط الشرطة ورجال الأمن وبصحبتهم موظف شركة المياه جعل العمال المتواجدين يتركون أدوات الهدم والعتلات الحديدية على الأرض فورًا، متراجعين خطوة إلى الخلف لينأوا بأنفسهم عن أي شبهة أو مواجهة قانونية.
تقدم الضابط بخطوات ثابتة داخل المنزل، عيناه تتفحصان المكان والأدوات التي كانت تستهدف تخريب أثاث الحاجة فاطمة. تطلع إلى طارق وقال بنبرة صارمة لا تحتمل الجدال:
— الأستاذ طارق عبد الرحيم؟
حاول طارق بلع ريقه واستعادة كبريائه المزيف، فرفع رأسه وقال بنبرة مرتجفة يحاول جعلها واثقة:
— أيوه أنا يا باشا… بس فيه سوء فهم! البيت ده بيت أمي الله يرحمها، وأنا الابن الوحيد والوريث الشرعي. المدام دي هي اللي محتلة البيت وبتحاول تمنعني من حقي، والأوراق اللي معاها دي كلها أدعاءات باطلة!
نظر الضابط إلى المجلد الرسمي الذي يحمله، ثم أخرج منه ورقة رسمية مختومة بختم النيابة العامة وقال بكل حزم:
— ملكية العقار وضعها القانوني محل نزاع ومحمية بقرار حراسة وتحفظ صادر اليوم، لحين الفصل في صحة الوصية والوقف الخيري الموثق رسميًا. لكن الاستدعاء اللي معاك دلوقتي مالوش علاقة بنزاع التركة يا أستاذ طارق.
ارتبك طارق أكثر، وتراجعت شجاعته وهو يسأل بوجل:
— أمال بخصوص إيه؟
رد موظف شركة المياه الذي كان يقف بجانب الضابط، مدفوعًا بغضب مكتوم وهو يفتح حقيبته الجلدية ويخرج منها كشوفات رسمية مطبوعة:
— بخصوص بلاغ التزوير والتلاعب في الفواتير والاشتراكات يا أستاذ. حضرتك من سنتين أترددت على مقر الشركة باسم والدتك، وقدمت توكيلًا مفسوخًا وطعنت في صحة الفواتير اللي كانت بتندفع بانتظام من خدمة الدفع الإلكتروني، ودلست على الموظفين واسترديت مبالغ فروق استهلاك وتأمينات كانت مدفوعة لحساب البيت، وكتبت إقرارات مزورة بتوقيع والدتك إنها مش هي اللي بتدفع وإن فيه تلاعب في الحسابات، عشان تخلق مديونية وهمية وتتسبب في قطع المياه عن البيت عشان تضغط على والدتك وهي عايشة وتسيب البيت!
شعرت بدوار خفيف وأنا أستمع لموظف الشركة. الآن فقط اكتملت الصورة في ذهني كقطائق المحار! طارق لم يكن فقط يريد الاستيلاء على البيت بعد وفاة أمه، بل كان يحاول طوال السنوات الماضية تضييق الخناق عليها بأي طريقة. وعندما أقدمتُ أنا على دفع الفواتير بالسر منذ سنة 2020 ومنعتُ قطع المياه عنها، أفسدتُ خطته الخبيثة دون أن أدري! وهو ما دفعه لاحقًا حين اكتشف أنني أدفعها إلى تحويل الأمر لاتحامي باستغلالها ليطعن في أهليتها العقلية.
التفت الضابط إلى العمال وقال بلهجة حاسمة:
— الشغل ده يقف فورًا، والأدوات دي تتشال بره. والبيت ده يتقفل بالضبة والمفتاح تحت إشراف النيابة ولجنة الوقف لحد ما النيابة تبت في التقرير.
ثم وجه كلامه إلى طارق:
— اتفضل معانا على القسم بدون شوشرة عشان تتسمع أقوالك في بلاغ التزوير والتعدي على عقار تحت التحفظ.
تغيرت نبرة طارق تمامًا، واستدار نحوِي بنظرات توسل ذليلة، بعد أن كان قبل دقائق يهدد بالهدم والوعيد. قال بصوت خافت:
— يا نادية… إحنا جيران طول عمرنا. أمي الله يرحمها كانت بتحبك… ما تخليش الأمور توصل للقسم والمحاكم. نتفاهم ونحل الموضوع ودي!
نظرتُ إليه بثبات، واسترجعت صورة الحاجة فاطمة وهي تجلس وحيدة في الصالة، تصابر عقودًا من العمر وعيون ابنها تجاهد لانتزاع كرامتها وما تبقى من سقف يحميها.




