
عشان اشتريت لأخويا “يوسف” لابتوب جديد من مرتبي عشان يذاكر عليه جوزي “حسن” وقف عني مصروف البيت وقالي “اصرفي من اللي بتبعزقيه على الناس!” كان فاكر إني هتناقش معاه أو هغلطه بس أنا سكت خالص وتاني يوم عزمت أهلي وأهله كلهم على الغدا وعملت حاجة مخطرتش على باله حاجة طيرت برج من دماغه من والذهول
الحكاية مش حكاية لابتوب الحكاية تبدأ من أربعين يوم عشتهم في بيت أهلي بعد ما ولدت ابني “ياسين” اللي جربت الولادة والنفاس عارفة يعني إيه تكوني مش قادرة ترفعي ضهرك والوجع هادد حيلك والطفل الصغير مبيفصلش عياط طول الليل في الأيام دي الدنيا كلها كانت كوم وأخويا يوسف كان كوم تاني خالص
يوسف كان في ثانوية عامة ومحتاج كل دقيقة يذاكر فيها لكنه ساب كتبه وركن دروسه وكان بيجري بيا وبيخدم معايا ويشيل معايا الواد طول الليل عشان أعرف أنام ساعة واحدة كان ينزل في نص الليل يجيبلي العلاج ومستلزمات البيبي ويقف معايا بمحبة صافية من غير ما يشتكي ولا يبين إنه تعبان أو إن ذاكرته بتتأثر أخويا ده كان سندي ولما قمت بالسلامة ورجعت بيتي كنت حاسة إن أي حاجة هعملها مش هتكفي رد الجميل
أنا بشتغل وعندي مرتبي الخاص اللي بتعب فيه كل شهر قعدت أفكر أفرحه بإيه وأساعده في مستقبله؟ افتكرت إن اللابتوب بتاعه قديم جداً وبيقفل لوحده وبيتعطل في وسط المذاكرة والأونلاين فقلت بس هي دي! نزلت من وراه جبت أحدث موديل لابتوب كان بيحلم بيه عشان يذاكر عليه ويدخل بيه الكلية ولفيته لفة هدايا شيك وبعتهوله مع دليفري على البيت عشان أفاجئه
الدنيا مكنتش سيعاه من الفرحة كلمني وهو بيعيط ويضحك في نفس الوقت ومن كتر فرحته وعفويته صور اللابتوب ونشر الصورة على صفحته على الفيس بوك وكتب “أحلى لابتوب هدية من أحلى وأجمل أخت في الدنيا ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك أبدًا”
كنت قاعدة في الصالة بهز سرير ياسين ومستنية حسن جوزي يرجع من الشغل عشان أوريله العشا اللي عملته وأنا جوايا حماس أقوله على المفاجأة اللي عملتها ليوسف فجأة الباب اترزع رزع ودخل حسن وعينيه بتقدح شرار مالحقتش أقوله “حمد الله على السلامة” لقيت صوته بيزلزل الحيطان
“انتي صحيح يا هانم روحتي اشتريتي لابتوب غالي لسي يوسف أخوكي من ورايا ومخبيّة عليا؟!”
قمت وقفت مذهولة من طريقته وقولتله باستغراب
“إيه يا حسن في إيه؟ داخل حامي كده ليه؟ أنا كنت مستنياك أصلًا عشان أقولك بس انت عرفت إزاي بالسرعة دي؟”
ضحك ضحكة صفرا كلها تريقة وزعق
“عرفت من أخوكي المحترم اللي بيتمنظر بيه على الفيس! وعايزة تقوليلي كنتي مستنياني عشان تقوليلي بعد ما جبتيه؟ كان المفروض تاخدي رأيي الأول يا هانم! الفلوس بتاعتك دي مش ملكك لوحدك عشان تبعزقيها يمين وشمال دي تشاركي بيها في مصروف البيت اللي بقيتي جزء منه وانسيلي أهلك دول خالص بقى!”
برقت عيني وقولتله بذهول
“أنسى أهلي؟ وأنت مالك بمرتبي يا حسن؟ أنا بقصر في بيتي؟ وبعدين ده أخويا اللي شالني وشال ابنك أربعين يوم وجبتله حاجة يذاكر عليها!”
ما سابنيش أكمل وشوح بإيده وقالي بنبرة لؤم
“بلا شالك بلا مشالكش! ده واجبهم دول أهلك وولادتك من واجباتهم بدل ما تروحي تجيبيله لابتوب جديد كان أولى تجيبيه لأختي أنا! مش اختي لابتوبها اتكسر من شهر وقاعدة من غيره ومش عارفة تتابع شغلها ومش عارفة تجيب غيره؟ وانتي عارفة ده كويس ولا عينك خلاص مابتشوفش غير أهلك؟”
هنا أنا مكنتش مصدقة وداني الرد طلع مني تلقائي ومن
“واجيب لأختك أنا ليه إن شاء الله؟! أنت أخوها وأولى تجيب لها من مالك أنا مالي ومال أختك!”
وكأن كلامي داس له على طرف ولقيته بيقرب مني وبيبصلي بتحدي وعينيه ضيقة
“كده يعني؟ بتقسميها بينا؟ طب تمام قوي انهارده ١٥ في الشهر تعملي حسابك بقى إن الخمستاشر يوم اللي فاضلين دول انتي اللي هتصرفي على البيت فيهم من الألف للياء ومن هنا ورايح الشغل هيبقى بالنص أنا نص الشهر وانتي النص تصرفي على نفسك وعلى بيتك وعلى ابنك يا هانم أولى ليكي من إنك توزعي على الغريب وتبعزقي فلوسك على الناس!”
الكلام نزل عليا زي الميّة الساقعة في ثواني شريط حياتي معاه عدا قدام عيني افتكرت إزاي كنت بحوش قرشي على قرش وإزاي عمري ما طلبت زيادة وكنت بصرف كل مرتبي على البيت علشان أساعده وهو دلوقت اعتبر إن ده بقى فرض عليا لدرجة إني ميحقليش أشتري حاجة لأي حد غيره هو وأهله حسيت بغصة في حلقي بس فجأة الغصة دي اتحولت لبرود غريب برود قاتل
بصيت في عينيه بثبات ومفيش ولا دمعة نزلت من عيني وقولتله بكل هدوء
“تمام اللي تشوفه يا حسن”
سابني ودخل الأوضة ورزع الباب وهو فاكر إني هروح أتحايل عليه وأعتذر وأقوله “خلاص توبة مش هعمل كده تاني وهات المصروف” مكنش يعرف إن السكوت ده كان الهدوء الذي يسبق العاصفة وإني في اللحظة دي بالذات كنت برتب لحاجة تانية خالص
تاني يوم الصبح صحيت وحسن في الشغل مسكت التليفون وكلمت والدتي وأخواتي وكلمت حماتي وحمايا وأخوات حسن كلهم عزمتهم كلهم بلا استثناء على الغدا عندي في البيت قولتيلهم “عاملة لكم مفاجأة بمناسبة إني قمت بالسلامة وياسين نور الدنيا” الكل فرح ورحب وأكدوا الحضور
نزلت السوق اشتريت أحسن خضار وأفخم لحوم وفراخ ودخلت المطبخ وكأني داخلة معركة طبخت وعملت صواني وأصناف تشرف وروقت الشقة وخليتها بتبرق ولبست أشيك فستان عندي ولبست ابني ياسين هدوم جديدة
وبعد الظهر الباب بدأ يخبط وصل أهلي كلهم وبعدهم بدقائق وصل أهله وطبعًا حسن رجع من الشغل تفاجأ بالبيت مليان لمة وصوت ضحك دخل المطبخ وعينيه هتطلع من مكانها وهو شايف الأصناف والخير اللي محطوط وشايفني واقفة ببتسم وبوزع ترحيب على الكل همسلي بغيظ وهو من الحيرة
“إيه الهرجلة دي؟ ومين سمحلك تعزمي؟ وجبتي الفلوس دي كلها منين؟”
ابتسمتله ببرود وثقة وقولتله
“مش وقت كلام يا أبو ياسين انت مش بتقول باقي الشهر عليا؟ خلاص متشلش هم حاجة يلا بقى الناس مستنيانا بره يلا نطلع نضايفهم”
قعدنا كلنا على السفرة الأكل كان يبهر وحماتي عمالة تشكر فيا وفي أكلي وأهلي فرحانين بيا وحسن قاعد على نار عينه عليا وعايز يفهم أنا ناوية على إيه وكان مفكر إن العزومة دي عشان أصالحه أو علشان اترجاه يتراجع عن قراره
أول ما الكل خلص أكل وشيلنا الصواني وروحت والكل كان مستني الشاي وحسن حاطط رجل على رجل ومستني أخلص وأقول الكلمتين اللي هقولهم وأعتذرله
بس أنا طلعت من المطبخ وفي إيدي صينية كبيرة بس مكانش عليها شاي كان عليها الكارت الرابح اللي حرق غروره وطير برج من دماغه وصدم كل اللي قاعدين صدمة عمرهم ما تخيلوها!!!
طلعت من المطبخ وأنا شايلة الصينية الكبيرة، عينين الكل كانت متعلّقة بيا. حماتي بتبصلي بابتسامة رضا وفرحانة بالأكل واللمة، وحمايا بيسحّك في عصايته ومستني كباية الشاي الخمسينة اللي بيحبها بعد الغدا، وأمي وأبويا يوسف وقاعدين مرتاحين ومبسوطين بالخير، وأخويا يوسف قاعد جمب لابتوبه الجديد اللي أصر يجيبه معاه وهو جاي عشان يوريني قد إيه فرحان بيه.
أما حسن.. حسن كان قاعد حاطط رجل على رجل، بيبصلي ببتسامة نصر صفرا، عينيه بتقول “أهو رجعتي لعقلك، وعاملة العزومة دي عشان تطري الجو وتصالحيني وتجيبي ورا”. كان مستني لحظة انكساري، مستني أضعف قدام العيلتين وأقول كلمتين أطيب بيهم خاطره عشان يرجعلي المصروف.
بس الصينية مكانش عليها ولا كباية شاي..
الصينية كان عليها كل الفواتير، والأوراق، والمستندات، وكل ورقة جنيه صرفتها على البيت ده من يوم ما اتجوزته لحد النهاردة!
وقفت في نص الصالة، الصوت هدي فجأة، وحسن ابتسامته بدأت تتجمد وتختفي تدريجياً، وعينيه اتسعت بدهشة ورعب وهو شايفني بحط الصينية في نص السفرة قدام العيلتين.
أبويا بصلي باستغراب وقال: “إيه ده يا بنتي؟ فين الشاي؟ إيه الورق ده كله؟”
ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة حد خلاص جاب أخيره ومش باقي على حاجة، وقولت بصوت عالي وواضح أسمع بيه أصغر حد في القعدة:
“الشاي جاي يا بابا، بس قبل الشاي.. كان لازم أقدم الحساب! أصل أبو ياسين قرر من إمبارح إن الشغل ومصاريف البيت هيبقوا بالنص بيني وبينه، وقال إن الفلوس اللي بطلعها لأهلي -اللي هما أنتوا- بعزقة، وإن أولى بيها بيتي وأخته! وعشان نبدأ الصفحة الجديدة دي على نظيف، قلت لازم نتحاسب على القديم الأول!”
القعدة كلها اتكهربت في ثانية. حماتي بصت لابنها بذهول، وحمايا عدل قعدته وعينيه طلعت لبرة، وأبويا ملامحه اتحولت لغضب مكتوم، وحسن وشّه جاب ألوان، أحمر في أصفر في أسود، وقام وقف فجأة زي اللي اتسق بكهربا وهو بيزعق بصوت مهزوز:
“إيه العبط اللي بتقوليه ده؟! انتي اتجننتي يا ست انتي؟! بتتكلمي في إيه قدام أهلي وأهلك؟!”




