
15 سنة وأنا بحاول أستوعب اللحظة اللي حياتنا فيها اتكسرت نصين ومقامتلهاش قومه تاني. كنت وقتها عندي يادوب 12 سنة، طفلة كل همها في الدنيا ألعابها، ومدرستها، والضحكة اللي ما بتفارقش بيتنا. كان بيتنا دايماً مليان دفا وونس. أمي وأبويا كانوا بيحبوا بعض بشكل كل الناس بتحسدهم عليه. أبويا فعلا كان بطل، الراجل الملتزم الخلوق اللي كل العيلة بتحلف براسه، وأمي كانت هي الأمان والضحكة الصافية اللي منورة دنيتنا. كل حاجة كانت تمام، لحد ما في ليلة أسود من قرن الخروب، كل الحب والدفا ده اتمحى في ثواني.
صحيت في نص الليل على صوت صريخ يرعب. الصوت جاي من الصالة، صريخ أمي وهي بتبكي وبتضرب بشكل جنوني. جريت طلعت من الأوضة، شوفت منظر عمري ما هنساه… أمي ماسكة في هدوم أبويا، بتضربه بكل قوتها، ومنهارة وبتقول بصوت مخنوق من كثر العياط: “حرام عليك.. ليه تعمل فينا كده؟! جالك قلب تظلمنا وتيجي علينا كده يا راجل!”
أنا وقفت في مكاني، جسمي كله بيترعش، الخوف تملكني وقلت بصوت بيترعش: “فيه ايه يا ماما؟ مالك؟”
بصتلي بعيون مليانة جنون ورعب وقالتلي: “اتصلي بخالك بسرعة يا نسمة! خليه يجي يجيب البوليس، أنا هكشفه.. هخليه يظهر على حقيقته!”
أبويا كان واقف مذهول، وشه أصفر زي الورقة، إيديه بترتعش وهو بيحاول يمسكها ويقرب منها ويقول بقلة حيلة: “اهدي يا مديحة.. اهدي يا حبيبتي الله يهديكي! يمكن شوفتي كابوس؟ أنتِ عقلك جرى له ايه؟”
جريت زي المجنونة على أوضة اختي مايا، لقيتها فعلا في سابع نومة، ما حستش بأي حاجة من اللي بتدور برة. رجعت أتحايل على أمي، بس كانت فاقدة السيطرة تماماً، مش سامعة حد ولا شايفانة.
على الصبح، البيت اتملى بأهلنا. كل العيلة اتجمعت، وأمي منهارة وبتحاول تقنعهم وهم بيحاولوا يهدوها ويفهموها إنها غلطانة، إن ده مستحيل. أبويا كان بالنسبة للكل مثال للرجل المستقيم، الخلوق، الأب اللي مفيش منه اثنين. محدش كان قادر يصدق ولا يفهم ايه اللي يخلي ست متجوزة راجل زي ده تتهمه الاتهمات دي كلها! بس هي كانت بتصرخ في وش الكل: “أنا شوفت بعيني! شوفته بعيني.. والله ما هسكت!”
ومن اليوم ده، حياتنا اتقلبت رأساً على عقب. أمي دخلت مستشفى الأمراض العقلية، وأنا -البنت اللي مكملتش 12 سنة- لقيت نفسي فجأة مسؤولة عن بيت كامل، وعن أخت صغيرة يادوب عندها عشر سنين. بقيت أنا الأم وأنا أختها الكبيرة. بقيت أنام جنبها كل ليلة، أخدها في حضني وأحاول أسكت دموعها وهي بتبكي وتصرخ كل يوم بالليل عايزة أمها. أبويا رفض تماماً إنه يتجوز تاني، رفض يجيب لنا مرات أب، كان دايماً حنين معانا، يخدمنا ويراعينا، ووشه دايماً شايل حزن أتقل من الجبال على مراته اللي فقدت عقلها وفجأة سابتنا من غير مقدمات.
كنا عايشين في مأساة حقيقية. كل ما نحاول نروح نزورها في المستشفى، أول ما تشوف أبويا تصرخ وتتجنن، وتمسك فيه بعنف… فالأطباء نصحوا إن أبويا يبطل يزورها خالص ويتابع حالتها من بعيد لبعيد. وبمرور الوقت، أنا وأختي كمان بطلنا نروح، المكان كان مرعب بالنسبة لنا كأطفال، وأبويا ما كانش بيأمن يودينا مع حد غيره.
عدت السنين، أربعطاشر.. خمسطاشر سنة وأنا كبرت. وكل ما أمي كانت تبدأ تتحسن، ييجي الدكتور وهو مقرر خلاص يكتب لها خروج، ويسألها عن ليلتها الأخيرة في البيت، تنهار تاني وتصرخ وتكرر نفس الكلام، فيجددوا لها الإقامة في المستشفى.
بعد 15 سنة، كبرت وأتعرفت على شاب محترم عن طريق الشغل، ودخل بيتنا وخطبني وهنتجوز. في اللحظة دي حسيت إن فيه حاجة ناقصة.. أمي لازم تكون معايا، لازم تطلع تحضر فرحي. قررت إن لازم أروح أزورها لوحدي، من غير أبويا ومن غير أختي، وأحاول أصلح اللي باظ من سنين.
رحت لأبويا وطلبت منه أزورها لوحدي. وافق بصعوبة شديدة وبعد تحايل كبير، وكان خايف عليا، بس في النهاية رحت.
دخلت عليها المستشفى… المكان كان كئيب، والريحة تقيلة، بس أول ما شوفتها قلبي اتعصر. كانت كبرت وشاب شعرها، بس لسة فيها حاجة من أمي بتاعة زمان.
اول ما شافتني وقفت والدموع ملت عيونها عرفتني فوراً رغم اني كبرت واتغيرت.. قالت وصوتها بيترعش: “نسمه؟”
ابتسمت بدموع وجريت حضنتها قولتلها: “ايوه انا نسمه يا حببتي وحشتيني…وحشتيني يا ماما.”
أمي بقت تحضني بلهفة وسألت عني وعن مايا، لحد ما مسكت إيدها وبدأت أعرض عليها العرض اللي جيت علشانه.
قلت لها بصوت هادي وبترجي: “يا ماما.. عشان خاطري، اكدبي على الدكاترة. قوليلهم إنك بقيتي كويسة، ولو سألوكي عن اليوم ده، قوليلهم خلاص.. أنا كنت فاهمة غلط، كان كابوس وسوء فهم وخلاص عدى. اعملي كده عشان تخرجي وتكوني معايا في فرحي!”
أمي بصت بححدة وقالت: “بس أنا مش فاهمة غلط يا نسمة! أنا شوفته!”
أنا خفت تروح في نوبة الصريخ العادية والدكاترة يجوا، فرديت عليها بسرعة وبلهفة عشان أهديها: “عارفة يا ماما.. عارفة، بس احنا هنضحك عليهم بس! هنقول كده للدكاترة عشان يوافقوا يخرجوكي وترجعي لنا البيت!”
هنا… حصل أغرب حاجة في حياتي.
أمي صمتت فجأة.. ما صرختش، ولا انهارت، ولا جتلها حالة الجنون اللي متعودين عليها كل سنة.
بصت لي بنظرة غموض وابتسمت ابتسامة هادية جداً. قربت مني، ومسكت إيدي اليمين بالراحة، وفتحت كفي.. وكان جنبها ورقة وقلم، مسكت القلم ورسمت على بطن إيدي علامة صغيرة وغريبة جداً.
أول ما عيني وقعت على العلامة دي، واستوعبت أمي بتعمل ايه وبترسملي ايه… أنا اللي حسيت بانهيار وصرخت بقوة ودموعي نزلت زي المطر، ما قدرتش أوقفها.
العلامة اللي أمي رسمتها على بطن إيدي ما كانتش مجرد شخبطة، كانت رسمة تفصيلية لـ “شامة” صغنونة شكلها زي الهلال، موجودة في مكان لا يمكن حد في الدنيا يعرف مكانه ولا شكله الدقيق غيري أنا وأمي وأختي مايا.. لأن دي العلامة المميزة اللي مايا اتولدت بيها، ومحدش بيشوف جسمها ولا بيلبسها غير أمي زمان وهي صغيرة، وبعدها أنا لما كبرت وبقيت مسؤولة عنها.
الرسمة كانت دقيقة لدرجة مرعبة، وتحتها أمي كتبت كلمة واحدة بخط يدها الرقيق اللي كنت حافظاه من زمان: “الخبايا”.
“الخبايا” ده كان الاسم السري اللي مايا وماما بيسموا بيه الشامة دي وهم بيلعبوا معاها وهي طفلة، كلمة محدش في الكون يعرفها.. أبويا نفسه ما كانش يعرف الكلمة دي، ولا عمره شاف المكان ده، لأن أمي كانت دايماً بتقول إن البنت ليها خصوصية حتى وهي طفلة.
أمي بصت في عيني بثبات رهيب، وقالتلي بصوت واطي جداً، نبرة أبرد من الثلج، خالية تماماً من أي جنون: “ليلتها يا نسمة.. أنا شوفته بيدبر لمصيبة في الخفاء، ولما واجهته، حاول يخبي ويغير الموضوع بطريقة غريبة تثير الشك.”
دموعي نزلت زي المطر.. المكان حولي بدأ يدور، والصدمة طحنت 15 سنة من حياتي في ثانية واحدة.
أمي ما كانتش مجنونة.. أمي كانت تحذيراتها ليها أسباب تانية خالص!
مسكت إيد أمي بكل قوتي، بقيت أرتعش ومش قادرة أتنفس. أمي سحبت إيدها بالراحة، وطبطبت على كتفي، وابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: “اتأخرتي قوي يا نسمة.. 15 سنة وأنتِ فاكرة إن أمك تاه عقلها؟ 15 سنة وأنتِ سايبة البيت من غير ما تكتشفي النوايا الحقيقية وراء طردي، ويا عالم يا بنتي خلال السنين دي كلها.. أبوكي كان ناوي على ايه تاني؟”
الجملة دي وقعت عليا زي السكين. أختي! مايا!
مايا اللي كنت بنام جنبها، اللي كبرت تحت عيني، اللي أبويا كان رافض يتجوز عشان يتفرغ لتربيتنا، اللي كان بيصحى في نص الليل يعملها أكل! هل يعقل؟ هل كل الدفا ده كان قناع يخفي وراه طمع أو أسرار تانية خطيرة؟
الدكاترة والممرضين جُم يجروا على صوت صريخي، فتكروا إن أمي هاجمتني. الدكتور جه يزقها بعيد، فصرخت في الدكتور بأعلى صوتي: “سيبها! أوعى تلمسها! هي مفيهاش حاجة!”
أمي فضلت واقفة مكانها، نظرتها كانت نظرة شفقة عليا.. وكأنها بتقولي: “أهلاً بيكي في العذاب اللي أنا عايشة فيه من 15 سنة.”
خرجت من المستشفى بجسد مشلول وعقل طاير. الشمس كانت طالعة بس أنا كنت شايفة الدنيا ضلمة. مسكت تليفوني، كنت عايزة أتصل بخطيبي زياد.. بس افتكرت، هقوله ايه؟ هقوله إن الراجل المحترم اللي تقدم لي ورا واجهته أسرار غريبة؟ قفلت التليفون وجريت على البيت.
طول الطريق والأسئلة بتاكل في دماغي. ليه مايا مكنتش مرتاحة؟ ليه لما دخلت الأوضة ليلتها لقيتها نايمة بطريقة غريبة؟




