
الجزء الثالث:
الصمت خيّم على المكالمة تمامًا، ومحدش كان قادر ينطق بكلمة. نهى قفلت الخط فورًا من الخوف، وحماتي سناء سكتت لحظات وبعدين قفلت هي كمان، وسابت أحمد واقف في نص الصالة، وش أصفر، وعينيه متثبتة على الشاشة الصغيرة اللي طالع منها صوتي.
-
حكايات انجى الخطيب 2منذ 17 دقيقة
-
حماتي وأخت جوزي أكلوا العشا3منذ 6 ساعات
-
حماتي وأخت جوزي أكلوا العشا1منذ 6 ساعات
-
حماتي وأخت جوزي أكلوا العشا 2منذ 6 ساعات
أحمد بلع ريقه وسألني بصوت مكسور وبيرتعش:
— سارة؟ أنتِ سامعانا من أمتى؟ إنتِ فين يا سارة؟ تعالي الحقيني.. آدم سخن وبيعيط ومش عارف أعمله إيه، والتؤام قلبوا البيت!
قلت له ببرود تام وأنا حاطة رجل على رجل في الفندق:
— آدم الحرارة بتاعته بتنزل بسيتال، هتلاقيه في الرف التاني في المطبخ، خمسة سنتي. وعشان تتكرعه، حطه على كتفك وطبطب بالراحة على ظهره.. مش إنت قلت الفرق بين واحد وتلاتة مش كبير؟ وريني بقى شطارتك.
أحمد بدأ يبكي بحرقة، بكاء راجل اكتشف إنه كان مجرد أداة في إيد أهله، وإن هيبته ورجولته اللي كان بيحاول يفرضها عليا بكلمة “ما إنتِ قاعدة مرتاحة” اتكسرت في أول أربعة وعشرين ساعة.
وقال وهو يتوسل:
— أنا آسف يا سارة.. أنا أخدت قلم جرحني من أكتر ناس وثقت فيهم.. أختي وأمي استغفلوني واستغلوا بيتي. حقك عليا، ارجعي وأنا أوعدك هطرد عيال نهى أو أوديهم لأمي، مش هخلي حد يلمسك كلمة بعد النهاردة.
رديت عليه بهدوء قاتل:
— لأ يا أحمد.. العيال مالهمش ذنب ترميهم في الشارع، وأمك مش هتاخدهم لأنها أصلًا مش باقية عليك ولا على عيال بنتها. أنت اللي اخترت تشيل، يبقى تكمل أسبوعينك.. وأنا مش هرجع الشقة دي غير بشروطي، وبوجود محامي.
قفلت الخط في وشه، وقضيت باقي اليوم وأنا برتاح، بروح أتمشى، وبطلب أكل بحبه.. لأول مرة من سنة حاسة إن راسي صافية.
على الناحية التانية، أحمد عاش ليلة سودا.
آدم حرارته زادت بالليل، وما كانش عارف ينام ولا يسيطر على التوأم اللي بدأوا يعيطوا هم كمان عشان عايزين مامتهم. أحمد اضطر يطلب دليفري أكل سريع للعيال لأن الشقة مفيهاش أكل جاهز، والبيت بقى عبارة عن ساحة حرب: ألعاب مرمية في كل حتة، لبن مدلوق على السجاد، وعياط متواصل.
أحمد من كتر العجز والتعاب، جاب آخره. على الساعة تلاتة الفجر، أخد العيال التلاتة وركب عربية وطلع بيها على شقة أمه، حماتي سناء!
فضل ينسى الجرس ويعلم عليها لحد ما فتحت وهي مرعوبة.
دخل بالعيال والشنط وقال لها بصوت زلزل العمارة:
— شيل أختك الكدابة ودين أفكارها يا ماما! العيال دول يلزموا أختك ويلموا عينهم هنا، إنتِ اللي ورطتيني وإنتِ اللي هتشيلي! أنا طالع على العين السخنة أجيب نهى من شعرها وأرجعها هنا عشان تلم القرف اللي عملته!
حماتي حاولت تصوت وتقول له إنها تعبانة وما تقدرش، بس أحمد ما إداهاش فرصة. ساب لها مالك وسلمى وآدم، ونزل جري على عربيته وهو سايق طريق السخنة بسرعة جنونية، وعقله طار منه.
وصل أحمد العين السخنة على الساعة سبعة الصبح. فضل يدور في الفندق اللي نهى نشرت صورها فيه على إنستجرام، لحد ما لقاها قاعدة على حمام السباحة بتشرب القهوة ومقضياها صور وضحك مع صحباتها.
نزل عليها زي الصاعقة، شد الموبايل من إيدها ورماه في المية، وزعق قدام الناس كلها:
— الانهيار العصبي عامل إيه يا مدام؟! قايمة على السخنة بفلوس جوزك المتهرب من الضرائب وسايبة عيالك في رقبتي وأمي مخبية كدبتك؟! قومي العبي غيرها، يالا قدامي على القاهرة بشنطتك!
نهى اتفضحت قدام صحباتها، ووشها جاب ألوان. حاولت تتخانق معاه وتصرخ، بس أحمد مسكها من إيدها وجرها وراه على العربية وهو بيقول لها:
— جوزك النصاب ده أنا هبلغ عنه بنفسي لو ما جاش أخدك وأخد عياله خلال ساعتين!
في نفس الوقت ده، أنا كنت واصلة القاهرة، بس ما رحتش .. طلعت على مكتب المحامي بتاعي، وحكيت له كل اللي حصل بالدلايل وتسجيل كاميرا المراقبة اللي كانت بتسجل اللقطة دي تلقائيًا على الميموري كارد.
المحامي ابتسم وقال لي:
— التسجيل ده كارت ضغط ممتاز.. غير إن تركك للبيت كان بنتيجة تعسف وإجبار.. موقفك القانوني قوي جدًا سواء طلبتِ أو حطيتِ شروط للرجوع.
على الساعة أربعة العصر، أحمد رجع القاهرة وورا أخته نهى زي الفراخ المبلولة. نزلها عند أمه عشان تاخد عيالها، وجالي هو وأمه يتصلوا بيا من أرقام مختلفة ويتوسلوا عشان أقابلهم.
وافقت أقابل أحمد في مكان عام، وبحضور المحامي بتاعي.
أحمد جه شكله مهدود، عينيه غارقة، وهدومه متبهدلة، وشكله أكبر من سنه بعشر سنين.
قعد قدامي وقال بصوت مبشورش:
— سارة.. أنا أسف، أنا أدبت أختي وأمي وعرفتهم مقامهما، ونهى خدت عيالها وجوزها جه أخدها وغوروا من القاهرة كلها.. آدم مع أمي دلوقتي، وأنا مستعد أعمل أي حاجة عشان ترجعي وترجعي لي حياتي.
بصيت له بهدوء وقدمت له الورقة اللي المحامي كتبها، وقلت له:
— الرجوع مش بكلمة أسف يا أحمد.. الورقة دي فيها شروطي، وأولها تنازل عن الزوجية باسمي، ومصروف شهري ثابت لآدم وليا مالكش دعوة بيه، وأهم شرط: أهلك ما يدخلوش بيتي ولا يتدخلوا في حياتي ليوم الدين.. وافقت، أرجع معاك.. ما وافقتش، الورقة التانية دي دعوى خلع وطرق إثبات بالصوت والصورة جاهزة للتنفيذ.
أحمد مسك الورقة وإيده بتترعش، وبص لي وهو مش عارف يتنفس…
الجزء الرابع (قبل الأخير):

