روايات وقصص

حكايات انجى الخطيب 2

بعد يومين من الجلسة، دخلت الشركة من جديد، بس المرة دي ما كنتش “مدام نادية” اللي بتيجي زي الضيفة وتسلم الإدارة لكريم.. المرة دي دخلت بصفتي رئيس مجلس الإدارة التنفيذي ومصنع القرار الأول.
الاجتماع الطارئ لمجلس الإدارة كان ميعاده الساعة عشرة الصبح. الترابيزة الطويلة كان قاعد عليها كبار المساهمين والأعضاء، بعضهم كان وشه متوتر، والبعض التاني—خصوصًا الرجالة الكبار اللي كريم كان مقربهم منه—كانوا بيبصوا لي بنظرات فيها استخفاف واستهانة، فاكرين إن الست اللي مرت  دي هتيجي تستسلم وتسلمهم الجمل بما حمل.
سيد النجار، عضو المجلس وأكبر حليف لكريم في الشركة، اتعدل في قعدته وحط القلم على الترابيزة وقال بنبرة فيها عطف مزيف:

“مدام نادية.. طبعًا إحنا مقدرين الظروف النفسية والشخصية الصعبة اللي حضرتك مريتي بيها،  اللي الشركة اتحطت فيها بسبب تصرفات كريم.. وعشان كده بنقترح إن حضرتك ترتاحي خالص الفترة دي، وتفوضي الإدارة التنفيذية للجنة طوارئ إحنا نختارها، وحضرتك تكتفي بالنسبة بتاعتك والأرباح من غير ما تشيلي نفسك فوق طاقتها.”
السكوت حلّ في القاعة، والكل كان مستني ردي، فاكرين إن كلمة “ترتاحي” هتهزني أو إني هصدق إنهم خايفين عليا.
ابتسمت بهدوء شديد، فتحت اللابتوب اللي قدامي على الترابيزة وبصيت لسيد بثبات:
“اقتراحك لطيف جدًا يا أستاذ سيد.. بس للأسف متأخر تسع ساعات كاملين.”

سيد حواجبة اترفت، وباقي الأعضاء اتعدلوا في قعدتهم بفضول.
كملت كلامي بصوت واطي بس كل كلمة فيه طالعة وزينها دهب:
“الساعةواحدة بعد منتصف الليل، وقعت عقد شراكة جديد مع أكبر مجموعة استثمارية سيادية في المنطقة بضمان العقود والنظام المالي الجديد اللي طهرناه.. أما بالنسبة للجنة الطوارئ اللي حضرتك بتطرحها، فالتقرير اللي قدامي دلوقتي من جهات المراجعة الماليّة بيثبت إن شركتك الخاصة كانت الوسيط اللي بيمرر العمولات القذرة لكريم بره مصر.”
سيد وشه اتخطف، والورق اللي في إيده اتنعكش وهو بيحاول يداري ارتباكه: “أنتِ بتتهميني بغير دليل يا مدام؟! أنتِ فاهمة بتتكلمي مع مين؟”

“أنا مش بتهجم عليك يا سيد.. أنا ببلغك إن عضويتك في المجلس ملغاة من الدقيقة دي وفقًا للبند السابع من اللائحة، ورجال الأمن ومعاهم النيابة الإدارية مستنيين حضرتك في الصالون بره عشان تجاوب على الأسئلة اللي هما حابين يسألوها.”
محدش في القاعة اتجرأ ينطق حرف واحد. سيد قام وهو بيترعش، لم أوراقه بسرعة وخرج يجر رجليه  باينة عليه، وباقي الأعضاء بقوا بيبصوا لي بنظرات مختلفة تمامًا.. نظرات فيها هيبة واحترام وقلق من الست اللي كانت فاكرينها الحلقة الاضعف.
بصيت لهم كلهم وقلت بوضوح:
“اللي عايش معنا بشرف وعايز يشتغل بجد.. مكانه فوق راسي وتعب أجداده محفوظ.. أما اللي فاكر إن غياب كريم هيفضّي له الساحة للسرقة أو فرض السيطرة، يفتكر كويس إن الباب اللي خرج منه كريم.. ما زال موارب.

عدّت شهور، والشركة وقفت على حيلها من جديد بفضل الإدارة الصارمة والنظيفة.
في ليلة هادية، كنت واقفة في البلكونة في بيت أبويا. أضواء القاهرة كانت بتلمع من بعيد، والنسيم هادي جداً. أبويا قرب مني وهو شايل كاسين شاي بالنعناع، حط كاس قدامي وسند على السور جنبي.
“فخور بيكي يا نادية.. عملتي في كام شهر اللي ناس تقيلة بقالها سنين مش عارفة تعمله.”
بصيت له وابتسمت من قلبي، وأخدت إيده بستها: “أنا ما عملتش غير إني اتعلمت منك يا بابا.. اتعلمت إن القوة مش إنك ما تتجرحش.. القوة الحقيقية إنك لما تتجرح، تقف على رجليك أشد من الأول، وتخلي اللي افتكر إنه كسرِك.. يندم على اللحظة اللي فكر فيها ييجي عليكي.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى