روايات وقصص

حكايات انجى الخطيب 2

أبويا طبطب على كتفي بحنية، وأنا بصلت للسما وأنا حاسة لأول مرة من سنين براحة بال وأمان حقيقي.. أمان مش جايلك من راجل في حياتك، أمان نابع من روحك أنتِ، ومن ضهر راجل بجد علّمك إزاي تكوني جبل ما يتهزش.
مرّ شهرين كمان، وكان اليوم اللي مصر كلها بتستناه.. أول جلسات محاكمة قضية “غسيل الأموال الكبرى” في محكمة جنايات القاهرة.
المحكمة كانت زحمة بشكل مش طبيعي، صحفيين، كاميرات، ورجال أمن منتشرين في كل شبر.
وقبل ما أدخل بوابة المحكمة بخمس دقايق، وقفت عربية مرسيدس سودا مظللة جنبي تمامًا. الزجاج نزل بالراحة، وظهر منه وش رجل أعمال معروف، واحد من الأرقام الصعبة في السوق اللي اسمهم جه في الملفات المخفية.
شاورلي ببرود وقال: “مدام نادية.. خمس دقايق من وقتك، خيراً ليكي ولأبوكِ.”
أبويا مسك إيدي وقال بصوت هادي: “اسمعي بيقول إيه يا نادية.. فرصة نشوف آخره.”

قربت من العربية، الراجل اتكلم بثقة وهو بيعدل ساعته الألماظ: “أنتِ شاطرة وذكية، ومحدش ينكر إنك كسبتي الجولة الأولى.. بس اللعبة دي أوسع من كريم وسارة بكتير. شهادتك النهارده والورق الأصلي اللي معاكي لو ما اتقدمش.. هتطلعي بـ 100 مليون جنيه كاش، والشركة هتعدي السحاب.. أما لو أصرّيتي تمشي في السكة دي.. فالأيام اللي جاية مش هتعجبك.”
ابتسمت، وبصيت لأبويا اللي كان واقف ورايا زي الجبل.
أبويا قرب ونداه باسمه الحقيقي اللي ما كانش متوقع إن حد يعرفه: “يا أستاذ طارق.. أنت نسيت إن جهاز التسجيل اللي في جيب نادية دلوقتي مرتبط بآلية بث مباشر لغرفة عمليات الرقابة الإدارية؟”

وش الراجل اتقلب أصفر في ثانية، والموبايل اللي في إيده بدأ يرن بنغمة متواصلة.
أبويا كمل بثقة: “العرض بتاعك بقى البند رقم 14 في قضية الرشوة ومحاولة التأثير على السير القضائي.. ودلوقتي انزل بالذوق قبل ما الظباط اللي طالعين عليك دول يكلبشوك قدام الكاميرات.”
الراجل بص حواليه، لقى أربعة من رجال الأمن بيحوطوا العربية. نزل وهو بيحاول يداري وشه من الفلاشات اللي بدأت تلمع في كل مكان.
جوة القاعة، كان المشهد يدرّس.
كريم وسارة كانوا قاعدين جوة قفص الاتهام. كريم وشه دبلان، خس نص وزنه، وعينيه تايهة في الأرض. سارة كانت قاعدة في كورنر القفص، مش بتبص لأي حد ولا حتى لكريم.

لما القاضي ندى اسمي، وقفت قدام المنصة بثبات، وحكيت كل حاجة.. بالتواريخ، والأرقام، والرسائل الصوتية، ودعم أجهزة الدولة للورق اللي كان معايا.
القاضي سأل كريم: “هل لديك أي اعتراض على شهادة المجني عليها؟”
كريم رفع عينه ليّ، عينيه كانت مليانة دموع وندم حقيقي، وهز رأسه بنفي بصوت مكسور: “لا يا سيادة القاضي.. كل كلمة قالتها صح.. أنا اللي طمعت وخنت، وهي ما ظلمتنيش.”
الحكم نزل زي الصاعقة في القاعة:

“حكمت المحكمة حضورياً.. بالسجن المشدد 15 سنة لكل من كريم منصور وسارة النجار، ومصادرة كافة أموالهم وممتلكاتهم لصالح الدولة، وإحالة باقي أوراق الشركاء للنيابة العامة.”
صوت الشاكوش وهو بيكبس على الترابيزة كان الصوت اللي أعلن نهاية كابوس طويل.
سارة انهارت في القفص وصرخت، أما كريم ففضل باصص لي بالنظرة الأخيرة وهو بيتسحب للكلابشات.. كان يبدو كأنه بيودع دنيا كان فاكر إنه سادها، واكتشف في الآخر إنه ولا حاجة، خسر نادية والشركة وحريته في خطوة واحدة.
طلعت من القاعة، الشمس كانت طالعة مالية دراج المحكمة. أبويا كان ماشي جنبي، خطوته هادية، وعينيه فيها فرحة الأب اللي شاف بنته بتخرج من المفرمة أشد وأقوى ومرفوعة الراس.

سندت على دراعه وقلت له وأنا بتنفس الحرية من قلبي: “خلاص يا بابا.. كل حاجة انتهت.”
أبويا بص لي وابتسم ابتسامته الدافية اللي بتسوى الدنيا: “لا يا نادية.. الكابوس هو اللي انتهى.. لكن حياتك أنتِ الحقيقية يلا تبدأ من النهاردة.”
عدّت سنة كاملة على اليوم ده.. سنة كانت كفيلة إنها تغيّر كل حاجة في حياتي من الجذور.
الشركة ما بقتش مجرد كينونة تجارية كسبانة، دي تحولت لنموذج يضرب بيه المثل في الشفافية والنزاهة في السوق. اسم “مجموعة الدسوقي” بقى يرن في الأوساط الاقتصادية كواحدة من أكبر الشركات اللي قدرت تطهر نفسها وتطير فوق في وقت قياسي.

في قاعة مؤتمرات ضخمة في العاصمة الإدارية، كنت واقفة على خشبة المسرح، المايك في إيدي، وبقدّم المشروع الجديد للشركة أمام مئات المستثمرين والصحفيين. كنت لابسة بدلة رسمية كحلي بسيطة، واثقة في كل خطوة وكل كلمة بتطلع مني.
وفجأة، صحفية شابة رفعت إيدها وسألتني بنبرة فيها إعجاب حقيقي: “مدام نادية.. من سنة تقريبًا اسمك كان مرتبط بأكبر قضية رأي عام، والكل كان متوقع إن الشركة تنهار.. إزاي قدرتِ ترجعي أشد، وما تسيباتيش للظروف فرصة تكسرك؟”
بصيت للقاعة، وعيني راحت تلقائيًا على الصف الأول.. أبويا كان قاعد هناك، ببدلته الأنيقة، ماسك عصايته، ورافع رأسه للسما بابتسامة افتخار تهز الجبال.
ابتسمت للصحفية وقلت في المايك بصوت هادي وواضح: “لأن الوجع

، والضربة يا إما تكسرك يا إما تصنع منك جبل.. أنا اخترت أكون الجبل، مش عشان نادية بس.. عشان فيه ضهر علّمني إن الحق ما بيموتش، وإن اللقمة الحرام صاحبها حتى لو كان فاكر نفسه مالك الدنيا.”
القاعة كلها اتصدمت بالتصفيق الحار، وأبويا غمزل عينيه بكل حب ونشوة انتصار.
بعد ما المؤتمر خلص، وأنا بلم أوراقي في كواليس المسرح، المحامي بتاعي قرب مني بهدوء، ومسك في إيده جواب رسمي.

“مدام نادية.. فيه جواب جاي لحضرتك من إدارة سجن طرة.”
وقفت لحظة، النبض زاد ثانية بس ما كانش فيه خوف.. كان فيه مجرد استغراب. فتحت الجواب ورأيت خط كريم.. خط كان بيترعش ومش مستقر.
كاتب فيه جملتين: “نادية.. أنا عرفت من الأخبار إن شركتك بقت الأولى في السوق.. أنا خسرت كل حاجة ومفاضلش معايا غير السجن والندم.. لو فيه أمل تسامحيني، أو تزوريني مرة واحدة بس قبل ما أموت في المكان ده.. أرجوكي.”
طبقت الورقة بهدوء شديد، واديتها للمحامي.
بصلي المحامي باستفسار: “نرد عليه يا فندم؟ أو نحدد ميعاد زيارة؟”
طلعت برة القاعة، كانت العربية مستنيانا، والشمس بتعكس نورها على مباني العاصمة الحديثة.
أبويا فتحلي باب العربية بنفسه، وركب جنبي.

مسكت إيده وقرّبت منها، بستها بحب، وقلت له: “تفتكر الجاي هيكون إيه يا بابا؟”
أبويا حط إيده على راسي، وبص للشارع المفتوح قدامنا وهو بيبتسم برضا تام: “الجاي يا نادية بتاعك أنتِ.. الشارع مفتوح، والرؤية واضحة، ومفيش حد يقدر يوقف ست عرفت قيمتها، وعرفت إزاي تدوس على الوجع وتبني منه مجدها.”
العربية تحركت بينا، وأنا بتطلع من الشباك للسما، حاسة لأول مرة إني مش بس نجيت من كابوس.. أنا بقيت صاحبة الحكاية.
مرّت تلات سنين على اليوم ده.. تلات سنين ما كانش فيهم مكان للندم أو للرجوع لورا.

في صالون بيتنا الجديد، كانت فيه لوحة زيتية كبيرة متعلقة على الحيطة الرئيسية. لوحة لأبويا، ببدلته العسكرية الميرية القديمة، ونظرة عينيه الحادة اللي فيها هيبة وتدفي في نفس الوقت، كأنه لسه واقف يحرسني ويحميني من الدنيا.
أبويا فارق دنيانا بسلام قبل ست شهور.  وهو مطمن، بعد ما شاف بنته الوحيدة مش بس وقفت على رجلها، دي بقت رئيسة مجلس إدارة واحدة من أكبر المجموعات الاقتصادية في المنطقة، ومؤسسة “مؤسسة الدسوقي لدعم الشفافية والنزاهة”.
يوم وفاته، ما عيطتش بكاء ضعف. عيطت دموع امتنان للراجل اللي علمني إزاي أكون جبل. افتكرت كلمته الأخيرة لي وهو ماسك إيدي في المستشفى: “أنا ماشي يا نادية وأنا مرتاح.. سايب ورايا جبل، مفيش ريح في الدنيا تقدر تهزه.”
النهارده كان يوم خاص جدًا.. يوم افتتاح الفرع الدولي الجديد للشركة.

وقبل ما أخرج من البيت، وقفت قدام المراية. كنت لابسة فستان أبيض أنيق وجاكيت رسمى، لميت شعري، وبصيت في عينيّ كويس. ما شفتش نادية المنكسرة اللي كانت بتترعش قدام المحكمة يوم ، ولا نادية اللي كانت مرعوبة من تهديدات كريم. شفت ست اتعجنت بالوجع، فطلعت منه صلبة وزي الدهب.
موبايل المساعدة بتاعتي رن: “مدام نادية.. العربية مستنية حضرتك تحت، ووفود الصحافة والمستثمرين وصلوا القاعة.”
“جاهزة.. نازلة حالاً.”

وأنا نازلة في الأسانسير، المساعدة أدتني ملف المتابعة وقالت بفرملة تردد: “فندم.. بالصدفة وأنا براجع التقارير، قرأت إن محامي كريم منصور قدم طلب إفراج صحي بعد ما صحته تدهورت في السجن.. والطلب اترفض للمرة التانية.”
وقفت ثانية واحدة، وبصيت لها بابتسامة هادية جدًا.. ابتسامة حد ما بقاش يحس بأي طاقة اتجاه الماضي، لا كره ولا حقد ولا حتى شفقة.
قلت لها بنبرة واثقة وصوت حاسم: “الأخبار دي ما تهمناش يا مي.. كريم وسارة بقوا مجرد أرقام في أرشيف قضية مقفولة من زمان. افتحيلي ملف توسعات السنة الجاية.”
مي ابتسمت بذهول وإعجاب، وقفلت الفولدر فورًا: “تحت أمرك يا فندم.”
خرجت من المبنى، كانت الشمس ساحرة وصافية. ركبت عربيتي، وبصيت للسما من الشباك. حسيت بنسيم خفيف بيلطّف وشي، كأن روح أبويا بتطبطب على كتفي وبتهمسلي: “جدعة يا نادية.. كملي.”

مسكت السلسلة الفضة اللي فيها صورة أبويا، بستها، وابتسمت من قلبي.
المركب مشيت، والموج العالي اللي كان عايز يغرقني، بقى هو نفسه اللي رفعني ووصلني للبر. الحياة مش بتنتهي عند أول خيانة، ولا عند أول جرح.. الحياة الحقيقية بتبدأ لما تقرر إنك ما تكونش الضحية، وتكتب حكايتك بإيدك أنت.. مرفوع الراس، وعينك في عين الدنيا.
تمت
حكايات انجى الخطيب

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى