
الظرف كان فيه طلب رسمي جهزه محامي مريم لحماية حقوقها وبدء إجراءات .
كريم قرأ أول صفحة.
وبعدين رفع عينه لها.
— إنتِ عايزة تسيبيني؟
مريم ردت:
— إنت سايبني من شهور يا كريم.
— أنا عايش معاكي في نفس البيت!
— السكن في نفس العنوان مش جواز.
صوته ارتفع:
— عشان الفلوس؟!
— لأ.
— أمال عشان إيه؟
مريم قربت منه.
— عشان اليوم اللي طلبت منك فيه فلوس سونار ابنك فضحكت عليا.
وسكتت لحظة.
— عشان الساعة اللي بعتها وإنت ما سألتش.
— عشان النزيف اللي حصل لي وإنت بعدها بأسبوع سألتني هرجع “أنتج” إمتى.
— عشان كل مرة فتحت التلاجة وما لقيتش أكل وأنا حامل، وإنت كنت عارف إن مرتبك كله رايح بره البيت.
— وعشان إمبارح…
كريم نزل عينه.
مريم كملت:
— لما قلتلي إن الستات ممكن يكونوا مية.
سعاد تدخلت:
— دي كلمة طلعت منه وهو متعصب!
مريم بصت لها.
— لأ يا طنط.
صوتها كان هادي.
— دي ماكانتش كلمة.
— دي كانت ملخص جوازي كله.
كريم قرب منها.
— طب والبيبي؟
مريم رجعت خطوة.
— البيبي له أب، وأنا عمري ما هحرمه من حقه في أبوه، لكن وجود طفل بينا مش معناه إني أفضل مراتك مهما عملت.
لأول مرة كريم بان عليه الخوف الحقيقي.
مش خوف الشركة.
ولا البيت.
خوف إنه فعلًا بيخسرها.
قال:
— نبدأ من جديد.
مريم ابتسمت بحزن.
— كنت أتمنى تقولها وأنا باختار بين الفيتامينات والبنزين.
سكت.
— كنت أتمنى تقولها قبل ما أبيع ساعة أبويا.
سكت أكتر.
— كنت أتمنى تقولها قبل ما تزور توقيعي.
الحاجة سعاد بدأت تعيط.
— ابني ضاع بسببك!
مريم بصت لها.
— ابنك ما ضاعش بسببي.
ثم أشارت لكريم.
— ابنك راجل كبير اختار بنفسه.
بعد ساعتين، خرج الأستاذ حازم وفريقه.
وسعاد خرجت معاهم تقريبًا وهي بتجر رجلها.
أما كريم…
ففضل واقف في الصالة.
مريم دخلت تجمع حاجاته.
هو مشي وراها.
— بتعملي إيه؟
— حاجتك.
— إنتِ بتطرديني؟
— أنا بطلب منك تقعد في مكان تاني لحد ما المحامين يخلصوا الإجراءات.
— أروح فين؟
مريم وقفت.
بصت له.
السؤال كان مؤلم في سخريته.
قالت:
— عند مامتك.
كريم سكت.
مريم كملت:
— ما هي واحدة بس.
الكلمة رجعت له.
بنفس الجملة.
لكن من غير شماتة.
وده كان أسوأ.
أخد شنطته وخرج.
مر أسبوع.
ثم أسبوعين.
مريم عملت السونار اللي كانت مأجلاه.
ولأول مرة من شهور دخلت العيادة من غير ما تحسب في دماغها تمن الكشف وتمن البنزين وتمن الدوا.
الدكتورة طمنتها إن الطفل بخير.
ولما سمعت دقات قلبه…
عيطت.
مش بسبب كريم.
لكن لأنها أدركت إنها كانت على وشك تستنزف نفسها تمامًا عشان تحافظ على بيت ماكانش فيه حد بيحاول يحافظ عليها.
أما كريم…
فبدأت حياته تتغير بسرعة.
الشركة دخلت مراجعات مالية.
نرمين اضطرت تواجه الديون بدل ما تهرب منها.
سعاد باعت العربية اللي كانت زهقت منها عشان تغطي جزءًا من التزامات بنتها.
وفجأة…
الست اللي كانت شايفة النودلز عشا مهين…
بقت تعرف إن الفلوس فعلًا ممكن تخلص.
بعد شهر، كريم طلب يقابل مريم.
وافقت في مكتب المحامي.
دخل مختلف.
خاسس.
مرهق.
من غير الساعة الغالية اللي كان دايمًا لابسها.
قعد قدامها.
— بعتها.
مريم فهمت.
— ساعتك؟
هز راسه.
— عشان أسدد جزء من اللي عليا.
مريم ما علقتش.
قال:
— أول ما بعتها… افتكرت ساعتك.
سكتت.
— وفهمت إحساسك متأخر.
مريم قالت:
— المشكلة ماكانتش في الساعة يا كريم.
— عارف.
نزل عينه.
— أنا كنت فاكر إن بر أمي معناه إني أديها كل حاجة حتى لو على حسابك.
مريم ردت:
— بر الأم مش ظلم الزوجة والابن.
هز راسه.
— عارف دلوقتي.
رفع عينه.
— فيه فرصة؟
مريم فضلت ساكتة.
وبعدين قالت:
— فيه فرصة إنك تبقى أب كويس.
عينيه لمعت.
فهم الإجابة.
الجواز انتهى.
لكن مريم ما حاولتش منه.
ما منعتهوش من ابنه.
وما استخدمتش فلوسها لإذلاله.
كل اللي عملته إنها أخيرًا رسمت الحد اللي كان لازم ترسمه من البداية.
وبعد شهرين…
ولدت مريم ولدًا.
سمته عبدالسلام على اسم أبوها.
وكان كريم موجود في المستشفى.
وقف برا الأوضة ساعات.
ولما الممرضة خرجت بالطفل…
إيده اترعشت وهو بياخده.
بص لابنه.
وبكى.
قال بصوت :
— أنا آسف.
مريم كانت سامعاه.
لكنها عرفت إن الاعتذار الحقيقي مش كلمة.
هيبان في السنين اللي جاية.
هل هيكون أبًا حاضرًا؟
هل هيتحمل مسؤوليته؟
هل هيتعلم إن الإنسان ممكن يحب أمه من غير ما يظلم زوجته؟
دي كانت مسؤوليته هو.
أما مريم…
فكانت قدامها حياة كاملة.
بعد سنة، رجعت لشغلها تدريجيًا.
واستخدمت جزءًا من استثمارات والدها في تأسيس مشروع صغير لمساعدة الأمهات اللي اضطروا يوقفوا شغلهم مؤقتًا أثناء الحمل أو بعد الولادة.
أما الساعة…
ففي عيد ميلادها، وصلها صندوق صغير.
فتحته.
وكانت ساعة أبوها جواه.
نفس الساعة اللي باعتها.
ومعاها ورقة بخط كريم:
“دورت عليها شهور لحد ما وصلت للشخص اللي اشتراها. دي مش هدية مني. دي حاجة ماكانش المفروض تضطري تبيعيها أصلًا.”
مريم فضلت ماسكة الساعة وقت طويل.
وبعدين لبستها.
مش لأنها سامحت كل شيء.
ومش لأنها عايزة ترجع.
لكن لأنها أخيرًا استعادت جزءًا من نفسها.
وفي المساء، كانت قاعدة في بيتها، وابنها نايم على صدرها.
فتحت التلاجة.
كانت مليانة.
مش بالأكل الغالي.
لكن بالحاجات اللي تحتاجها.
قفلتها.
وبصت للسفرة القديمة.
نفس السفرة اللي اتحط عليها أربع أطباق نودلز في الليلة اللي كريم قال فيها:
— الستات ممكن يكونوا مية، إنما أمي واحدة بس.
ابتسمت مريم وهي تبص لابنها.
لأنها فهمت أخيرًا إن المشكلة ماكانتش إن أمه واحدة.
الأم فعلًا واحدة.
لكن الزوجة مش رقم.
والطفل مش بند مؤجل في المصاريف.
والبر مش معناه الظلم.
والحب اللي محتاج طرف واحد يبيع ذكرياته، ويستنزف مدخراته، ويطلب تمن علاجه كأنه بيشحت…
مش بيت محتاج صبر.
ده بيت محتاج حدود.
ومريم أخيرًا حطتها.
النهاية.
إهداء:
لكل ست فضلت ساكتة لأنها كانت خايفة يقولوا عليها إنها بتفرق بين الراجل وأهله…
محدش بيطلب منك تمنعي إنسان من بر أمه.
لكن من حقك ترفضي إن “البر” يتحول لحجة عشان تتظلمي.
العيلة ما بتتبنيش بأن طرف ياخد كل شيء…
وطرف تاني يدفع كل الثمن.
يتبع




